١ - معنى الجسم في اللغة:
قال الخليل: "الجسم يجمع البدن، وأعضاءه، من الناس، والإبل، والدواب، ونحوه مما عظم من الخلق الجسيم، والفعل جسم جسامة"١.
وفي الصحاح: "الجسم الجسد، وكذلك الجسمان والجثمان..والجثمان: الشخص، قال: وجماعة جسم الإنسان أيضًا يقال له الجسمان"٢. والجسم كل شخص مُدْرَك٣.
وعلى هذا فالجسم في اللغة هو البدن والجسد والجثمان والشخص.
٢ - معنى الجسم في الشرع:
ورد لفظ الجسم في آيتين من كتاب الله، هما: قوله - تعالى -: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة - ٢٤٧]، وقوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون - ٤] وهو بمعنى الجسم في اللغة، أي بمعنى الجسد والبدن.
وورد لفظ جسيم في السنة، في قوله - ﷺ -: "وأما موسى، فآدم، جسيم، سبط" ٤. وقوله - صلى الله عله وسلم - يصف الدجال: "فإذا رجل أحمر، جسيم، جعد الرأس، أعور" ٥، والجسيم هو الضخم العظيم الجسم، قال في اللسان: "وقد جسم الشيء أي عظم، فهو جسيم، وجُسام بالضم"٦.
_________________
(١) العين ٦/٦٠، وانظر: معجم مقاييس اللغة ١/٤٥٧، لسان العرب ١٢/٩٩، المصباح المنير ١/١٠١.
(٢) الصحاح ٥/١٨٨٧، وانظر: لسان العرب ١٢/٩٩، المصباح المنير ١/١٠١.
(٣) انظر: الجمهرة ٢/٩٤، معجم مقاييس اللغة ١/٤٥٧، المصباح المنير ١/١٠١.
(٤) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ..﴾ [مريم - ١٦] ٢/٤٨٨، ح ٣٤٣٨.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ..﴾ [مريم - ١٦] ٢/٤٨٩، ح ٣٤٤١، ومسلم في كتاب الإيمان باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال ١/١٥٦، ح ١٧١.
(٦) لسان العرب ١٢/٩٩.
[ ٢٤٩ ]
٣ - معنى الجسم في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين:
من المصطلحات التي يكثر ذكرها في كتب الفلاسفة والمتكلمين لفظ الجسم، يقول الخوارزمي في بيان معناه عندهم: "فالجسم مؤلف من الهيولى والصورة"١.
ويقول ابن سينا: "الجسم اسم مشترك، يقال على معان: فيقال جسم لكل كم، متصل، محدود، ممسوح، فيه أبعاد ثلاثة بالقوة. ويقال جسم لصورة ما يمكن أن يفرض فيه أبعاد كيف شئت طولًا، وعرضًا، وعمقًا، ذات حدود متعينة. ويقال جسم لجوهر مؤلف من هيولى، وصورة"٢.
ويذكر شيخ الإسلام قول الفلاسفة فيقول: "والقول بأن الجسم مركب من المادة والصورة، قول الفلاسفة المشائين"٣.
وقد تأثر المتكلمون بالفلاسفة، فأخذوا عنهم مصطلح الجسم، وتأثروا بتعريفهم له، فعند المعتزلة الجسم هو الطويل، العريض، العميق، قال النظام: "الجسم هو الطويل، العريض، العميق"٤، ويقول القاضي عبد الجبار: "الجسم هو ما يكون طويلًا، عريضًا، عميقًا، ولا يحصل فيه الطول، والعرض، والعمق، إلا إذا تركب من ثمانية أجزاء"٥، وهذا أحد التعريفات التي يذكرها الفلاسفة.
أما الجسم عند الأشاعرة فيدور تعريفه على أنه المؤلف المركب، فيكون هو الذي يقبل الانقسام، وهذا تأثر منهم بتعريف الفلاسفة. قال الباقلاني: "الجسم هو المؤلف المركب"٤.
ويقول التفتازاني في شرح المقاصد: "الجسم عندنا القابل للانقسام، فيتناول المؤلف من الجزئين فصاعدًا"٥.
_________________
(١) ١ – الحدود للخوارزمي ضمن المصطلح الفلسفي عند العرب للدكتور الأعسم ص٢١٠، وانظر: الصحايف الإلهية ص٢٥٥. ٢ – الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي عند العرب للدكتور الأعسم ص ٢٤٨، وانظر: معيار العلم ص ٢٩٠، الكليات ص٣٤٥. ٣ – بغية المرتاد ص٤١٢.
(٢) مقالات الإسلاميين ٢/٦.
(٣) شرح الأصول الخمسة ص٢١٧، وانظر: مقالات الإسلاميين ٢/٦، المطالب العالية ٦/٩، شرح المقاصد ٣/١٢، الصحايف الإلهية ص٢٥٣، التوقيف على مهمات التعاريف ص٢٤٥. ٤ – الإنصاف ص١٦، وانظر: المبين ص١١٠، التعريفات للجرجاني ص١٠٨. ٥ – شرح المقاصد ٣/١٠.
[ ٢٥٠ ]
ويقول الرازي: "الجسم ما يكون مؤلفًا من جزئين فصاعدًا"١.
وفي الصحايف الإلهية: "وقالت الأشاعرة أنه "أي الجسم" متحيز قابل للقسمة، فعلى هذا يكون المركب من جوهرين فردين جسمًا عندهم"٢.
وبمثل قول الأشاعرة قالت الماتريدية، حيث يقول النسفي في تعريف الجسم أنه: "اسم للمتركب، يقال هذا أجسم من هذا، أي أكثر تركيبًا منه"٣.
وقال بعض المتكلمين: الجسم ما احتمل الأعراض٤.
وانقسم الروافض٥ إلى أقسام: فبعضهم عرف الجسم بتعريف المعتزلة، وبعضهم عرفه بتعريف الأشاعرة٦.
وأما الكرامية فقد قال المقاربون منهم: نعني بكونه جسمًا أنه قائم بنفسه٧.
والنظار كلهم متفقون على أن الجسم يشار إليه، وإن اختلفوا في كونه مركبًا من الأجزاء المنفردة، أو من المادة والصورة، أو لا من هذا ولا من هذا٨.
وقد قال المتكلمون من الأشاعرة، والمعتزلة، والكلابية، والماتريدية، وبعض الرافضة، والفلاسفة أيضًا، بنفي الجسم عن الله، من باب التنزيه بزعمهم، حتى جعلوا انتفاء الجسمية عن الله، ذريعة لانتفاء الصفات عنه؛ لأنه لو قامت به الصفات لكان جسمًا، وهو منزه عن الجسم؛ لأنه يعني المركب، والمؤلف من الجواهر المفردة. كما أن الأجسام
_________________
(١) الأربعون في أصول الدين ص٤، وانظر: موسوعة مصطلحات الرازي ص٢١٤، المسائل الخمسون ص٣٣.
(٢) الصحايف الإلهية ص٢٥٣.
(٣) التمهيد ص١٣٨، وانظر: تبصرة الأدلة ٥٦.
(٤) انظر: مقالات الإسلاميين ٢/٤، ٧.
(٥) الرافضة تطلق على بعض فرق الشيعة، وقد اختلف كتاب المقالات، في مسمى الفرق التي يطلق عليها اسم الرفض، فالأشعري خص الرافضة بالإمامية الإثني عشرية، وجعل الشيعة ثلاث طوائف؛ ١ - الغلاة، ٢ - الروافض الإمامية، ٣ - الزيدية. والملطي جعل الرافضة مصطلح يعم الإمامية والغلاة والزيدية، وأما البغدادي والإسفراييني فقد جعلوا الرافضة مصطلح يشمل الزيدية، والكيسانية والإمامية، وأخرجوا الغلاة من فرق الإسلام. ولعل الأقرب ما ذهب إليه الأشعري أن لقب الرافضة يطلق على الإمامية، ويدخل في هذا الإسماعيلية. وقد ظهر هذا المصطلح لما كان الشيعة في عسكر زيد ضد جيوش الخلافة، فسألوه عن رأيه في الشيخين، فأثنى عليهما، فرفضوه ونقضوا بيعته، فقال رفضتموني، فسموا الرافضة، وانقسمت الشيعة إلى رافضة إمامية، وإلى زيدية. انظر: مقالات الإسلاميين١/٦٦، ٨٨، ١٣٦، التنبيه والرد ص ١٨، الفرق بين الفرق ص٢٣، التبصير في الدين ص١٧، مجموع الفتاوى ١٣/٣٥ - ٣٦.
(٦) انظر: مقالات الإسلاميين ١/١٣١.
(٧) انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/١٠٩.
(٨) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٥٠٥ - ٥٠٦، الدرء ٤/١٣٤.
[ ٢٥١ ]
متماثلة، ولو كان جسمًا لكان مماثلًا لغيره من الأجسام، وهذا باطل، لذلك فالصفات ممتنعة عليه، لأنها لاتقوم إلا بجسم، وهذا قول المعتزلة والفلاسفة.
أما الأشاعرة، والماتريدية، والكلابية، فقد جعلوا هذه الشبهة ذريعة لنفي الصفات باستثناء الصفات السبع، أو الثمان، التي يقولون بإثباتها١. في حين قال بعض الرافضة الأوائل كالهشامية بأن الله جسم ٢، وكذلك قالت الكرامية٣.
وخلاصة أقوال الفلاسفة والمتكلمين أن الجسم هو المؤلف المركب، إما من المادة والصورة، أو من الجواهر المفردة. وقال بعضهم الجسم هو الطويل العريض العميق، وقيل الجسم ما احتمل الأعراض. بينما قالت الكرامية الجسم هو القائم بنفسه.
٤ - نقد معنى الجسم عند الفلاسفة والمتكلمين:
يعرف أهل السنة والجماعة لفظ الجسم بمعناه الذي جاء في اللغة، والقرآن الكريم، وكلام الرسول - ﷺ -، وهو أن الجسم هو الجسد والبدن، وقد تبين في الصفحات السابقة، أن لفظ الجسم في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة يحمل عدة معان، تختلف عن معناه في اللغة.
وقد اختلف النظار في الأجسام - كما سبق - هل هي مركبة من الجواهر المفردة، أم من المادة والصورة، أم ليست مركبة منهما، على ثلاثة أقوال أصحها الثالث، أنها ليست مركبة لا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة، وهذا قول كثير من طوائف أهل الكلام؛ كالهشامية، والضرارية، والنجارية، والكلابية، وكثير من الكرامية، وهو قول جمهور الفقهاء، وأهل الحديث، والصوفية، وغيرهم، بل هو قول أكثر العقلاء٤.
وتعريفات المتكلمين، والفلاسفة، للفظ الجسم، باطلة من الوجوه التالية:
أولًا: أن تعريفهم الجسم بالمعاني التي ذكروها، غير وارد في كتب اللغة، وليس هو معناه الذي قد ورد في كتاب الله٥. فهم إذا قالوا إن الجسم هو المؤلف، والمركب، لا
_________________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة ص٢١٨ - ٢٢١، المسائل الخمسون ص٣٣، التدمرية ص١١٩ - ١٢٣.
(٢) انظر: التبصير في الدين للإسفراييني ص٢٣ - ٢٤، الملل والنحل ١/١٨٤.
(٣) انظر: الملل والنحل ١/١٠٩.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى ٩/٢٩٩.
(٥) انظر: الدرء ١/١١٨ - ١١٩، ١٠/٢٩٢، الجواب الصحيح ٤/٤٢٩، مجموع الفتاوى ١٢/٣١٦.
[ ٢٥٢ ]
يعنون به ما كان مفترقًا فاجتمع، ولا ما يقبل التفريق، بل يعنون به ما تميز منه جانب عن جانب، كالشمس، والقمر، وغيرهما من الأجسام.
وأما المتفلسفة فالمؤلف والمركب عندهم أعم من هذا، فهم يدخلون في ذلك تأليفًا عقليًا، لا يوجد في الأعيان، ويدعون أن النوع مؤلف من الجنس، والفصل، فإذا قلت الإنسان حيوان ناطق، قالوا إن الإنسان مؤلف من هذين، وإنما هو موصوف بهما.
وأما لفظ الجسم، فإن الجسم عند أهل اللغة كما ذكره الأصمعي، وأبو عبيد، وغيرهما، هو الجسد والبدن، قال - تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون - ٤]، وقال - تعالى -: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة - ٢٤٧]، فهو يدل في اللغة على معنى الكثافة، والغلظ، كغلظ الجسد، ثم يراد به نفس الغليظ، وقد يراد به غلظه، فيقال لهذا الثوب جسم، أي غلظ وكثافة، ويقال هذا أجسم من هذا، أي أغلظ وأكثف. ثم صار لفظ الجسم في اصطلاح أهل الكلام، أعم من ذلك، فيسمون الهواء، وغيره، من الأمور اللطيفة جسمًا، وإن كانت العرب لا تسمى هذا جسمًا١.
وكذلك الذين قالوا إن الجسم هو الموجود، أو القائم بنفسه، أو ما يمكن الإشارة إليه، فإن هذا المعنى غير صحيح، فليس كل شيء موجود، أو قائم بنفسه، أو يمكن الإشارة إليه، يصح أن يسمى جسمًا في لغة العرب، فالهواء والنار ليست جسمًا، وهي في اصطلاحهم جسم٢.
ثانيًا: أن قولهم محدث مبتدع لم يرد عن الرسول - ﷺ -، ولا عن أحد من صحابته، أو من التابعين لهم.
ثالثًا: إذا قيل هو جسم بمعنى أنه مركب من الجواهر المنفردة، أو المادة والصورة، فهذا باطل، بل هو أيضًا باطل في المخلوقات، فكيف في الخالق - ﷾٣.
رابعًا: أن أهل الكلام الذين تنازعوا في إثبات الجسم ونفيه، كالهشامية، والكرامية، ونحوهم ممن أثبته، وكالجهمية، والمعتزلة، ونحوهم ممن نفاه، قد يدخل كل منهم في ذلك
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٥٠٥ - ٥٠٦.
(٢) انظر: الدرء ٧/١١٢، ١٠/٢٥٨ - ٢٥٩.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى ٥/٤٢٨ - ٤٢٩.
[ ٢٥٣ ]
ما يخالف النصوص، فمن المثبتة من يدخل في ذلك ما يجب تنزيه الله عنه من صفات النقص، ومن مماثلته بالمخلوقات، والنفاة يدخلون في ذلك ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال١، وهذا باطل.
خامسًا: أن القائلين بأن الأجسام مركبة من الجواهر، يقولون: إن الله لا يحدث شيئًا قائمًا بنفسه، وإنما يحدث الأعراض، التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون، وغير ذلك من الأعراض. ثم من قال منهم بأن الجواهر محدثة، قال إن الله أحدثها ابتداء، ثم جميع ما يحدثه إنما هو إحداث أعراض فيها، لا يحدث الله بعد ذلك جواهر، وهذا قول أكثر المعتزلة، والجهمية، والأشعرية، ونحوهم. ومن أكابر هؤلاء من يظن أن هذا مذهب المسلمين، ويذكر إجماع المسلمين عليه، وهو قول لم يقل به أحد من سلف الأمة. بل جمهور الأمة حتى من طوائف أهل الكلام ينكرون الجوهر الفرد٢.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١٠/٢٥٨.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ١٧/٢٤٤.
[ ٢٥٤ ]
٥ - حكم إطلاق لفظ الجسم على الله:
لما كان لفظ الجسم في اصطلاح المتكلمين، والفلاسفة، فيه إجمال، وإبهام، امتنع طوائف من أهل الإثبات، عن إطلاق القول بنفيه، أو إثباته، على الله، ولم ينقل عن أحد من السلف، والأئمة، لا إثباته، ولا نفيه، كما لا يوجد مثل ذلك في لفظ المتحيز، والجوهر، ونحوهما، وذلك لأنها ألفاظ مجملة، يراد بها حق وباطل، وعامة من أطلقها في النفي أو الإثبات، أراد بها ما هو باطل لاسيما النفاة؛ فإن نفاة الصفات كلهم، ينفون الجسم والجوهر والمتحيز، ونحو ذلك، ويدخلون في نفي ذلك نفي صفات الله، وحقائق أسمائه، ومباينته لمخلوقاته. بل إذا حقق الأمر عليهم، وجد نفيهم متضمنًا لحقيقة نفي ذاته، إذ يعود الأمر إلى وجود مطلق، لا حقيقة له إلا في الذهن والخيال، أو ذات مجردة، لا توجد إلا في الذهن والخيال، أو إلى الجمع بين المتناقضين، بإثبات صفات ونفي لوازمها١.
يقول أبو العباس بن سريج - ﵀ -: "توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتوحيد أهل الباطل، الخوض في الأعراض والأجسام، وإنما بعث النبي - ﷺ بإنكار ذلك"٢.
والخوض في الأعراض والأجسام كما خاض فيه المتكلمون، كقولهم ليس بجسم ولا عرض ونحو ذلك، أول من ابتدعه في الإسلام الجهمية، وأتباعهم من المعتزلة٣، وكذلك بعض قدماء الشيعة٤.
والجواب على إطلاق هذه الألفاظ المجملة على الله، يكون بأن يستفصل السائل، ويقول له: ماذا تريد بهذه الألفاظ المجملة؟ فإن أراد بها حقًا، وباطلًا، قبل الحق، ورد الباطل.
فلفظ الجسم فيه إجمال؛ قد يراد به المركب الذي كانت أجزاؤه مفرقة فجمعت، أو ما يقبل التفريق والانفصال، أو المركب من مادة وصورة، أو المركب من الأجزاء المفردة، التي تسمى الجواهر الفردة، والله - تعالى - منزه عن ذلك كله. وقد يراد بالجسم ما يشار
_________________
(١) انظر: الدرء ٥/٥٧.
(٢) الحجة في بيان المحجة ١/٩٦ - ٩٧، وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٤٨٧.
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية ٢/٢٩٨، الدرء ٦/٢٨٨ - ٢٨٩، ٧/١٨٥.
(٤) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٩، ٥٤، ١٠٠، الصفدية ٢/٣٣، منهاج السنة النبوية ٢/١٣٥، مجموع الفتاوى ٥/٢٩٨، ٤٢٤، مقالات الإسلاميين ١٠٦ - ١٠٩.
[ ٢٥٥ ]
إليه، أو ما يرى، أو ما تقوم به الصفات، والله يرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم، وقلوبهم، ووجوههم، وأعينهم، فإن أراد بقوله ليس بجسم هذا المعنى، قيل له هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ، معنى ثابت بصحيح المنقول، وصريح المعقول، وأنت لم تقم دليلًا على نفيه.
وأما اللفظ، فبدعة نفيًا، وإثباتًا، فليس في الكتاب، ولا السنة، ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها، إطلاق لفظ الجسم في صفات الله - تعالى -، لا نفيًا، ولا إثباتًا١.
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٤٩٦، ٥٠٣ - ٥٢٣، ٥٥٠، منهاج السنة النبوية ٢/١٣٤، شرح الأصفهانية ص٣٧، الدرء ١/٢٣٨، ٦/١٣١، ١٠/٢٥٨ - ٢٥٩، ٣٠٧ - ٣١١، مجموع الفتاوى ٥/٢١٥، ٤٢١.
[ ٢٥٦ ]