١ - معنى الخلق في اللغة:
يقول ابن فارس: "الخاء واللام والقاف أصلان: أحدهما تقدير الشيء، والآخر ملاسة الشيء. فأما الأول فقولهم: خلقت الأديم للسقاء، إذا قدرته.. وقال زهير١:
ولأنت تفري ماخلقت وبعـ ـض القوم يخلق ثم لا يفري٢
.. والخَلْق خلق الكذب، وهو اختلاقه واختراعه وتقديره في النفس.. وأما الأصل الثاني: فصخرة خلقاء أي ملساء"٣.
والخليقة الخَلْق، والجمع الخلائق، والخِلقة الفطرة٤. "والخالق الصانع"٥، و"خلقه الله خلقًا أوجده"٦.
والخَلْق في كلام العرب على وجهين: أحدهما الإنشاء على مثال أبدعه، والآخر التقدير. وخلق الله الشيء يخلقه خلقا أحدثه بعد أن لم يكن، والخلق يكون المصدر ويكون المخلوق٧.
"والخلق في كلام العرب ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه"٨.
فالخلق في اللغة يعني التقدير، والإنشاء، والإيجاد، والإبداع، وقد يراد به المخلوق.
_________________
(١) هو زهير بن أبي سلمى، ذكره محمد بن سلام الجمحي في طبقات فحول الشعراء ضمن الطبقة الأولى من فحول شعراء الجاهلية. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/٦٣.
(٢) ديوان زهير ص٥٦، بلفظ "فلأنت تفري.."وانظر: ديوان الأدب للفارابي ٢/١٢٣. والفري الشق، خلقت الأديم ثم فريته، إذا أعلمت عليه علامات المقاطع ثم قطعته. انظر: العين ٨/٢٨٠.
(٣) معجم مقاييس اللغة ٢/٢١٣ - ٢١٤، وانظر: الصحاح ٤/١٤٧٠ - ١٤٧١، العين ٤/١٥١، لسان العرب ١٠/٨٥ - ٨٩.
(٤) انظر: الصحاح ٤/١٤٧١، العين ٤/١٥١، لسان العرب ١٠/٨٦.
(٥) العين ٤/١٥١.
(٦) المُغَرِّب في ترتيب المعرب لأبي الفتح المطرزي ص١٥٣.
(٧) انظر: لسان العرب ١٠/٨٥.
(٨) المرجع السابق ١٠/٨٥.
[ ١٧٢ ]
٢ - معنى الخلق في الشرع:
الخلق في الشرع هو صفة فعلية قائمة بذات الله - تعالى - متعلقة بقدرته ومشيئته، وتعني إبداع الكائنات وإنشاءها من العدم، وفق تقدير الله - تعالى - لها. كما قد يطلق الخلق على المخلوق كما في قوله - تعالى -: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان - ١١] .
وقد ورد لفظ الخلق في آيات كثيرة من كتاب الله - تعالى -، فورد بمعنى الإبداع والتقدير١ نحو قوله - تعالى -: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤]، وقوله - تعالى -: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف - ٥١]، وقوله - تعالى -: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان - ٢٨]، كما ورد لفظ خلق في السنة بمعنى قضى وقدر، ومنه قوله - ﷺ -: "لما خلق الله الخلق كتب في كتابه - وهو يكتب على نفسه، وهو وضع عنده على العرش - إن رحمتي تغلب غضبي" ٢، وفي رواية "لما قضى الله الخلق" ٣، ومعنى خلق في الرواية الأولى، وقضى في الرواية الثانية، هو: "قدّر"، أي لما فرغ من تقدير الخلق، لأنه قال في رواية أخرى: "إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق" ٤.
يقول البخاري - ﵀ -: "باب ماجاء في تخليق السموات والأرض وغيرهما من الخلائق، وهو فعل الرب - ﵎ - وأمره، فالرب بصفاته وفعله وأمره وهو الخالق المكون غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون"٥.وعلق على هذا الكلام ابن القيم - ﵀ - بقوله: "فصرح إمام السنة أن صفة التخليق هي فعل الرب وأمره، وأنه خالق بفعله وكلامه"٦.
_________________
(١) انظر: الصفدية ١/٢٤٠، بغية المرتاد ص٤٢، الصواعق المرسلة٤/١٣٦.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله - تعالى - ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران - ٢٨، ٣٠] ٤/٣٨٤، ح ٧٤٠٤، وبنحوه مسلم في كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه ٤/٢١٠٧، ح ٢٧٥١.
(٣) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات - ١٧١] ٤/٣٩٥، ح ٧٤٥٣، ومسلم في كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه ٤/٢١٠٨ح ٢٧٥١.
(٤) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ*فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج - ٢١ - ٢٢] ٤/٤١٧، ح ٧٥٥٤، وانظر: شرح كتاب التوحيد للشيخ الدكتور عبد الله الغنيمان ٢/٢١٠.
(٥) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٤٤٧.
(٦) شفاء العليل ص ١٥٥.
[ ١٧٣ ]
وقال ابن حجر - ﵀ - معلقًا أيضا على كلام البخاري - ﵀ -: "وسياق المصنف يقتضي التفرقة بين الفعل، وما ينشأ عن الفعل، فالأول من صفة الفاعل، والباري غير مخلوق فصفاته غير مخلوقة، وأما مفعوله وهو ما ينشأ عن فعله فهو مخلوق، ومن ثم عقبه بقوله: وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه، فهو مفعول مخلوق مكون"١.
وقال البخاري - ﵀ - في كتابه خلق أفعال العباد: "واختلف الناس في الفاعل والمفعول والفعل، فقالت القدرية: الأفاعيل كلها من البشر، ليست من الله، وقالت الجبرية: الأفاعيل كلها من الله، وقالت الجهمية: الفعل والمفعول واحد، ولذلك قالوا لـ "كن" مخلوق، وقال أهل العلم: التخليق فعل الله وأفاعيلنا مخلوقة..ففعل الله، صفة الله، والمفعول غيره من الخلق"٢.
وقال الإمام أبو حنيفة - ﵀ - وهو يبين صفات الله الفعلية: "..وخالقًا بتخليقه والتخليق صفة في الأزل"٣. ويُعرف الإمام ابن مندة - ﵀ - الخالق بقوله: "والخالق هو المقدر الفاعل الصانع، وهو الباري المصور فهذه صفة قدرته. والخلق منه على ضروب: منه خلق بيده ويخلق إذا شاء فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص - ٧٥]، ومنه ما خلق بمشيئته وكلامه، ويخلق إذا شاء، ولم يزل موصوفًا بالخالق الباري المصور قبل الخلق، بمعنى أنه يخلق ويصور"٤.
وقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - اللفظ المقصود بهذا المبحث فقال: "لفظ الخلق المراد به الفعل الذي يسمى المصدر، كما يقال خلق يخلق خلقًا كقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان - ٢٨]، وقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر - ٦]، وقوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الكهف - ٥١] وليس الكلام في لفظ خلق المراد به المخلوق ومنه قوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾
_________________
(١) فتح الباري ١٣ /٤٤٨.
(٢) خلق أفعال العباد ص١٨٨.
(٣) شرح الفقه الأكبر ص٣٨.
(٤) كتاب التوحيد لابن مندة ٢/٧٦.
[ ١٧٤ ]
[لقمان - ١١] "١. وعرف - ﵀ - لفظ الخلق بقوله: "الخلق هو إبداع الكائنات من العدم "٢، وقال: "والخلق يجمع معنى الإبداع ومعنى التقدير"٣.
وقال - ﵀ -: "ولفظ الخلق المذكور في القرآن يتضمن معنيين، كلاهما يناقض قولهم٤؛ يتضمن الإبداع والإنشاء المعروف، ويتضمن التقدير"٥. وقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -:"إن الخلق هو الإيجاد"٦.
وقال الإمام ابن تيمية مبينًا قيام صفات الفعل في ذات الله: "وإذا كان الخلق فعله والمخلوق مفعوله، وقد خلق الخلق بمشيئته، دل على أن الخلق فعل يحصل بمشيئته، ويمتنع قيامه بغيره، فدل على أن أفعاله قائمة بذاته، مع كونها حاصلة بمشيئته وقدرته"٧.
وشرح الإمام ابن القيم قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة - ٢١] بقوله: "ثم قال: الذي خلقكم، فنبه بهذا أيضًا على وجوب عبادته وحده، وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجود، وأنشأهم، واخترعهم وحده بلا شريك"٨.
ويتبين مما سبق أن الخلق - كما ذكرت سابقًا - صفة فعلية، قائمة بذات الله - تعالى -، متعلقة بقدرته ومشيئته، وتعني إبداع الكائنات وإنشاءها من العدم، وفق تقدير الله - تعالى - لها.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/٥٤٦.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/٣٥٧.
(٣) الصفدية ١/٢٤٠.
(٤) أي يناقض قول الفلاسفة.
(٥) بغية المرتاد ص٤٢، وانظر: الصواعق المرسلة٤/١٣٦١، شرح الطحاوية ١/١٢٤.
(٦) شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد العثيمين ١/٢٢.
(٧) مجموع الفتاوى ٦/٢٣٠.
(٨) بدائع الفوائد ٤/١٣٢.
[ ١٧٥ ]
٣ - معنى الخلق عند المتكلمين:
يقول الباقلاني١: "حقيقة الخلق والإحداث، هو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود"٢، ويقول أبو المعالي: "والخلق قد يراد به الاختراع، وهو أظهر معانيه، وقد يراد به التقدير"٣. وقال الرازي: "الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين، والإخراج من العدم إلى الوجود"٤. وقال القاضي عبد الجبار: "الخلق هو إحداث الشيء مقدرًا "٥، وقال أيضًا: "الخلق هو الإنشاء والإبداع "٦. وقيل: "الخلق إيجاد الشيء على تقدير واستواء "٧.
ويلاحظ أن هذه التعريفات موافقة للغة، ولمعنى الخلق عند أهل السنة. ولكن هل هذا الخلق الذي عرفوه سابقًا هو صفة قائمة بذات الله - تعالى -؟ أو أن الخلق هو المخلوق؟. يرى كثير من طوائف المتكلمين أن الخلق هو المخلوق، وبعضهم يرى أنه معنى آخر غير المخلوق كالإرادة مثلًا، وليس الخلق - بزعمهم - صفة قائمة بذات الرب، يقول البيهقي: "ونعتقد في صفات فعله أنها بائنة عنه - سبحانه - "٨. ويقول الجويني: "..ولا ترجع من الخلق صفة متحققة إلى الذات، فلا يدل الخالق إلا على إثبات الخلق، ولذلك قال أئمتنا: لا يتصف الباري - تعالى - في أزله بكونه خالقًا، إذ لا خلق في الأزل، ولو وصف بذلك على معنى أنه قادر كان تجوزًا"٩.
والماتريدية كما سبق بيان مذهبهم في الإحياء والإماتة، وسائر صفات الفعل، فإنهم يجعلون الخلق من متعلقات التكوين، وليس صفة حقيقية تعود على الذات بمعنى١٠.
_________________
(١) هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر الباقلاني الأشعري، الأصولي المتكلم، صاحب التصانيف الواسعة في الرد على الفرق الضالة، من مؤلفاته الإنصاف، والتمهيد، توفي سنة٤٠٣هـ. انظر: شذرات الذهب ٣/١٦٨، معجم المؤلفين١٠/١٠٩ - ١١٠، الأعلام٦/١٧٦.
(٢) الإنصاف ص١٤٨ - ١٤٩.
(٣) الإرشاد ص١٤٨.
(٤) مفاتيح الغيب ١٩/٣٢، وانظر: المطالب العالية ٩/١٣٧، شرح أسماء الله الحسنى ص٢١١.
(٥) المغني ٨/٢٥٧.
(٦) المرجع السابق ٧/٢٢١.
(٧) الكشاف ١/٩١.
(٨) الأسماء والصفات ص١٣٨.
(٩) الإرشاد ص١٤٣.
(١٠) انظر: شرح الفقه الأكبر ص٣٥، والبحث ص١٤٧ - ١٤٨.
[ ١٧٦ ]
أما المعتزلة فمذهبهم نفي الصفات ومنها الخلق، وقد اختلفوا في معنى الخلق، وهل هو المخلوق أم لا؟ يقول الأشعري: "واختلف الناس في خلق الشيء، هل هو الشيء أم غيره؟ فقال أبو الهذيل: خلق الشيء، الذي هو تكوينه بعد أن لم يكن، هو غيره، وهو إرادته له وقوله له كن..وقال بشر بن المعتمر: خلق الشيء غيره، والخلق قبل المخلوق، وهو الإرادة من الله للشيء، وقال إبراهيم النظام: الخلق من الله - سبحانه -، الذي هو تكوين، هو المكوَّن، وهو الشيء المخلوق"١.
وقال القاضي عبد الجبار: "الخلق إنما هو التقدير، والمخلوق هو الفعل المقدر بالغرض والداعي، المطابق له على وجه لايزيد عليه ولاينقص عنه"٢.
وقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - نزاع الطوائف في الخلق هل هو من صفات الله أو لا؟ فقال: "والناس تنازعوا في نفس الخلق، والإحداث، والتكوين، هل هو من صفات الله أم لا؟ وهذا المؤسس٣، وأصحابه، مع المعتزلة، يقولون إن الخلق هو المخلوق، ليس ذلك صفة لله بحال، وأما جمهور الفقهاء، وأهل الحديث، والصوفية، وطوائف من أهل الكلام، فيقولون إن الفعل نفسه، والخلق من صفاته، ولكن المخلوق ليس من صفاته"٤.
وقد ذكر شيخ الإسلام - ﵀ - شبهتهم في ذلك، ورد عليهم، مبينًا فساد قولهم، كما ذكر ابن القيم - ﵀ - شبهاتهم في ذلك، ورد عليها، وقد سبق شيء من هذه الردود عند شرح صفة الإحياء٥.
وعلى هذا فينبغي أن ينتبه إلى حقيقة قول المتكلمين في الخلق، وإن عرفوه بما يوهم أنهم موافقون لأهل السنة في حقيقة الصفة وقيامها بالله - تعالى -.
_________________
(١) مقالات الإسلاميين ٢/٥١ - ٥٢.
(٢) شرح الأصول الخمسة ص ٥٤٦ - ٥٤٨.
(٣) هو الفخر الرازي صاحب أساس التقديس الذي رد عليه شيخ الإسلام في كتابه بيان تلبيس الجهمية.
(٤) بيان تلبيس الجهمية ١/٥٤٦، وانظر: الاستقامة ١/١٨٣.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى ٥/٥٢٨ - ٥٣٦، مجموعة الرسائل ٥/٣٢٢، شفاء العليل ص١٥٣، والبحث ص١٤٩ - ١٥٢.
[ ١٧٧ ]
٤ - معنى الخلق عند الفلاسفة:
يقول ابن سينا: "حد الخلق: هو اسم مشترك، فيقال: خلق لإفادة وجود كيف كان، ويقال خلق لإفادة وجود حاصل عن مادة وصورة كيف كان، ويقال خلق لهذا المعنى الثاني، بعد أن يكون لم يتقدمه وجود بالقوة، كتلازم المادة والصورة في الوجود"١.
وذكر هذه المعاني الغزالي، إلا أنه قال في المعنى الثالث: "وقد يقال خلق لهذا المعنى الثاني، لكن بطريق الاختراع، من غير سبق مادة فيها قوة وجوده، وإمكانه"٢.
وبتأمل معاني الخلق التي ذكرها ابن سينا، وذكرها الغزالي على أنها حد للخلق عند الفلاسفة، نجد أنها مبهمة، ليس فيها توضيح لمعنى الخلق، بل فيها أن الخلق يعني إفادة الوجود، دون سبق بالعدم، أو ذكر للخالق، وهذا ظاهر البطلان.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - عن تعريف الفلاسفة للخلق: "وقد فسروا لفظ الخلق بثلاثة معان، ليس فيها واحد هو المراد في كلام الله - تعالى -، ورسوله، والمؤمنين، فإن ما يذكرونه من إفادة وجود الملائكة بالمعنى الأول، وما يذكرونه في اختراع الأفلاك والعناصر بالمعنى "الثالث"٣، لم يُرد واحدًا منها الأنبياءُ، والمؤمنون، وذلك معلوم بالاضطرار والتواتر والإجماع، أما المعنى "الثاني"٤ فكذلك، فليس في كلام الرسل ما يثبت أن الخلق حاصل في أجسام هي مادة وصورة، بل كلامهم ينفي ذلك، وهذا بين"٥.
فهم يريدون بخلق الملائكة وهي التي يسمونها العقول والنفوس، أنها صادرة عن الله ومعلولة له، والمعلول ملازم للعلة غير متأخر عنها، فهي ليست مخلوقة ومسبوقة بالعدم، وهذا مناقض لما ورد عن خلق الملائكة في الكتاب والسنة.
ومن وجوه الرد على الفلاسفة في تحريفهم لمعنى لفظ الخلق ما يلي:
_________________
(١) الحدود لابن سينا ضمن كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب ص٢٦٢، وانظر: معيار العلم ص٢٨٤.
(٢) معيار العلم ص٢٨٤.
(٣) هذه اللفظة ساقطة من أصول النسخ الخطية وأضاف المحقق لفظة "الثاني" هنا، والذي يظهر أنه المعنى الثالث كما أثيته.
(٤) هذه اللفظة موجودة في أصول النسخ الخطية للكتاب، وهي صحيحة كما يظهر، وقد عدلها المحقق لتكون الثالث، انظر: بغية المرتاد ص٢٣٨، تحقيق الدكتور موسى الدويش.
(٥) بغية المرتاد ص٢٣٧ - ٢٣٨ تحقيق الدكتور موسى الدويش، وانظر تفصيل الرد في المصدر نفسه ص٢٣٨ - ٢٤٣.
[ ١٧٨ ]
أولًا: أن القرآن والتوراة قد نصا أنه - تعالى - خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وتواترت بذلك الأحاديث، ثم اتفق عليه أهل الملل، فكيف يجوز أن يفسر بالاختراع اللازم لذاته من غير سبق مادة؟ كما ذكروه في المعنى الثالث١.
ثانيًا: أن لفظ الخلق المذكور في القرآن، يتضمن معنيين، كلاهما يناقض قولهم، يتضمن الإبداع والإنشاء المعروف، ويتضمن التقدير، وعندهم العقول والنفوس ليس لها مقدار، ولا هي أيضًا مبدعة الإبداع المعروف، والسماوات ليست مبدعة الإبداع المعروف، وقد قال - تعالى -: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان - ٢]، فذكر لفظ الخلق لكل شيء، وذكر أنه قدر كل شيء تقديرًا، والملائكة عندهم لم تقدر، بل ولم تخلق الخلق المعروف عند المسلمين، وهذا يدل على مناقضتهم للرسل أيضًا، مع كثرة أدلة ذلك باللغة التي خوطبوا بها٢.
ثالثًا: أن المعنى الثاني وهو قولهم: "يقال خلق لإفادة وجود حاصل عن مادة وصورة كيف كان"؛ يشير إلى قولهم بقدم المادة وهو قول باطل، وينفي صفة الخلق عن الله، وهذا تضليل بين، وتحريف ظاهر، يريدون به ستر قولهم بأن العالم قديم، يعني غير مخلوق الخلق المعروف.
فهذا مما يرد به على الفلاسفة في المعاني الفاسدة التي ضمنوها للفظ الخلق، حيث إنه بفهم معنى الخلق في الشرع، يتبين أنه لفظ لا اشتراك فيه، فخلق الملائكة هو نفس معنى خلق الإنسان، وغيره من المخلوقات، وهو إنشاؤها من العدم وفق تقدير الله السابق لها.
_________________
(١) انظر: بغية المرتاد ص٢٣٩.
(٢) انظر: المرجع السابق ص ٢٤٠ - ٢٤١، الصفدية ١/٢٤٠.
[ ١٧٩ ]