١ - معنى الدليل في اللغة:
قال ابن فارس: "الدال واللام أصلان: أحدهما إبانة الشيء بأمارة تتعلمها، والآخر اضطراب في الشيء، فالأول قولهم: دللت فلانًا على الطريق، والدليل: الأمارة في الشيء"١.
وقال الجوهري: "الدليل ما يستدل به، والدليل: الدال. وقد دله على الطريق، يدله، دَلالة، ودِلالة، ودُلولة، والفتح أعلى"١.
فالدليل في اللغة بمعنى المرشد، والموضح، والمبين.
٢ - معنى الدليل في الشرع:
لقد ورد لفظ الدليل في القرآن الكريم، كما ورد الفعل منه، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ﴾ [سبأ - ١٤]، وقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان - ٤٥]، قال الطبري - ﵀ -: "ثم دللناكم أيها الناس، بنسخ الشمس إياه عند طلوعها عليه، أنه خلق من خلق ربكم، يوجده إذا شاء، ويفنيه إذا أراد"٣. وقال القرطبي: "فالشمس دليل، أي حجة وبرهان، وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه"٤.
وهذا يبين أن الدليل في القرآن، بمعنى الدليل في اللغة. وورد الفعل منه في السنة كثيرًا، ومن ذلك قول رسول الله - ﷺ -: "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم" ٥.
_________________
(١) معجم مقايس اللغة ٢/٢٥٩.
(٢) الصحاح ٤/١٦٩٨ وانظر لسان العرب ١١/٢٤٨ - ٢٤٩.
(٣) تفسير الطبري ١٩/١٩.
(٤) تفسير القرطبي ١٣/٣٧.
(٥) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها ١/٧٤، ح ٥٤.
[ ٢١٩ ]
٣ - معنى الدليل في الاصطلاح:
يعرف المتكلمون الدليل بعدة تعريفات، لكنها تدور بمجملها على أن الدليل هو ما أمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة المطلوب، أو أنه ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر.
يقول الباقلاني في تعريف الدليل أنه: "المرشد إلى معرفة الغائب عن الحواس، وما لا يعرف باضطرار، وهو الذي ينصب من الأمارات، ويورد من الإيماء والإشارات، مما يمكن التوصل به إلى معرفة ما غاب عن الضرورة والحس"١. وقال في الإنصاف: "الدليل هو ما أمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لا يعلم باضطراره"٢.
وبعض المتكلمين يخص لفظ الدليل بما يوصل إلى العلم، ويسمى ما يوصل إلى الظن أمارة، وهذا اصطلاح بعض المعتزلة ومن تلقاه عنهم٣.
يقول الرازي: "الدليل هو الذي يلزم من العلم به العلم بوجود المدلول، والأمارة هو الذي يلزم من العلم بها ظن وجود المدلول"٣.
ويقول القاضي عبد الجبار: "الدليل هو ما إذا نظر الناظر فيه أوصله إلى العلم بالغير"٥.
أما عند الفلاسفة والمنطقيين فيطلق الدليل مرادفًا للبرهان، فهو القياس المركب من مقدمتين يقينيتين، فالبرهان قياس يقيني المادة. وقد يطلق مرادفًا للقياس، فهو حجة مؤلفة من قضيتين، يلزم عنها لذاتها مطلوب نظري. وقد يطلق الدليل مرادفًا للحجة فهو معلوم تصديقي موصل إلى مجهول تصديقي٦؛ والحجة تنقسم إلى قياس واستقراء وتمثيل، يقول الغزالي في تعريف الحجة: "والحجة هي التي يؤتى بها في إثبات ما تمس الحاجة إلى إثباته، من العلوم التصديقية؛ وهي ثلاثة أقسام: قياس واستقراء وتمثيل"٤.
_________________
(١) التمهيد ص ٣٩.
(٢) الإنصاف ص ١٥ وانظر: المواقف ص ٣٤ التوقيف ص ٣٤٠ الكليات ص ٤٣٩.
(٣) انظر: الرد على المنطقيين ص٢٥٠.
(٤) المحصل ص ٥٠ - ٥١ وانظر: المواقف ص ٣٥.
(٥) شرح الأصول الخمسة ص٨٨، وانظر: التعريفات ص١٣٩، الحدود الأنيقة ص٨٠، التوقيف ص٣٤٠، الكليات ص٤٣٩.
(٦) انظر: موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص٤٢٧، المبين ص٨٩ - ٩٠.
(٧) معيار العلم ص ١١١.
[ ٢٢٠ ]
وعرف القياس فقال: "وحد القياس أنه قول مؤلف، إذا سلم ما أورد فيه من القضايا لزم عنه لذاته قول آخر اضطرارًا"١، أما الاستقراء فيعرفه بقوله: "هو أن تتصفح جزئيات كثيرة، داخلة تحت معنى كلي، حتى إذا وجدت حكمًا في تلك الجزئيات، حكم على ذلك الكلي به"٢، وأما التمثيل فهو: "أن يوجد حكم في جزئي معين واحد، فينقل حكمه إلى جزئي آخر يشابهه بوجه ما"٣.
ويعرف ابن سينا الدليل بأنه: "قياس إضماري، حده الأوسط شيء واحد، إذا وجد للأصغر، تبعه وجود شيء آخر للأصغر دائمًا كيف كان ذلك التبع"٤، ثم مثل له فقال: "ومثاله قولك: هذه المرأة ذات لبن، وكل ذات لبن قد ولدت، فهي إذًا قد ولدت"٥.
ويقول الآمدي وهو يشرح مصطلحات الحكماء والمتكلمين: "وأما الدليل فعبارة عن قياس كبراه مقدمة محمودة، يميل إليها السامعون كقولنا: فلان منعم، وكل منعم محبوب"٦.
والخلاصة أن الفلاسفة يحصرون الدليل في القياس والاستقراء والتمثيل. يقول شيخ الإسلام عن أقوال المنطقيين في الدليل، والقياس: "وأيضا فإنهم قسموا جنس الدليل إلى القياس، والاستقراء، والتمثيل"٧، وقالوا: إن الاستدلال لابد فيه من مقدمتين، بلا زيادة ولا نقصان٨.
ويتفق أهل السنة مع المتكلمين في تعريف الدليل، حيث يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "الدليل هو المرشد إلى المطلوب؛ وهو الموصل إلى المقصود؛ وهو ما يكون العلم به مستلزمًا للعلم بالمطلوب، أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلًا إلى المطلوب؛ وهو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلًا إلى علم، أو إلى اعتقاد راجح"٩.
_________________
(١) معيار العلم ص١١١.
(٢) المرجع السابق ص١٤٨.
(٣) المرجع السابق ص١٥٤.
(٤) النجاة ١/٧٥.
(٥) المرجع السابق١/٧٥، وقد وجد ذات لبن لم تلد، بسبب اضطراب في هرمون الحليب، في حالات متعددة. مما يضعف هذا المثال.
(٦) المبين ص٨٩، وانظر: التعريفات ص١٣٩.
(٧) الرد على المنطقيين ص ٩ ٥.
(٨) انظر: المرجع السابق ص١٦٧.
(٩) المرجع السابق ص١٦٥، وانظر: النبوات ص٣٠٧، الجواب الصحيح ٦/٥٠٣.
[ ٢٢١ ]
- وكما سبق - فهناك نزاع اصطلاحي بين النظار، فيما يوصل النظر فيه إلى الاعتقاد الراجح، هل يسمى دليلًا؟ أو يخص باسم الأمارة؟. والجمهور يسمون الجميع دليلًا، ومن أهل الكلام من لا يسمي بالدليل إلا ما أوصل إلى العلم بوجود المدلول١.
٤ - الرد على الفلاسفة:
يحصر الفلاسفة الدليل في القياس، والاستقراء، والتمثيل. كما يقول بعضهم إن العلم المطلوب لا يحصل إلا بمقدمتين، لا يزيد ولا ينقص. وقد رد شيخ الإسلام على الفلاسفة في معنى الدليل عندهم، مبينًا بطلانه، ومن وجوه الرد عليهم:
أولًا: أن هذا الذي قالوه إما أن يكون باطلًا، وإما أن يكون تطويلًا يبعد الطريق على الطالب المستدل، فلا يخلو عن خطأ يصد عن الحق، أو طريق طويل يتعب صاحبه، حتى يصل إلى الحق، مع إمكان وصوله بطريق قريب٢.
ثانيًا: بطلان حصر الأدلة في القياس، والاستقراء، والتمثيل، وبيان ذلك أن ما ذكروه من حصر الدليل في القياس، والاستقراء، والتمثيل، حصر لا دليل عليه، بل هو باطل. واستدلالهم على الحصر بقولهم إما أن يستدل بالكلي على الجزئي، أو بالجزئي على الكلي، أو بأحد الجزأين على الآخر؛ والأول هو القياس، والثاني هو الاستقراء، والثالث هو التمثيل، يقال لم تقيموا دليلًا على انحصار الاستدلال في هذه الثلاثة، فإنكم إذا عنيتم بالاستدلال بجزئي على جزئي قياس التمثيل، لم يكن ما ذكرتموه حاصرًا.
وقد بقي الاستدلال بالكلي على الكلي الملازم له، وهو المطابق له في العموم والخصوص، وكذلك الاستدلال بالجزئي على الجزئي الملازم له، بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر، ومن عدمه عدمه، فإن هذا ليس مما سميتموه قياسًا، ولا استقراءً، ولا تمثيلًا، وهذه هي الآيات٣.
ثالثًا: قولهم إن الاستدلال لا بد فيه من مقدمتين، لا يزيد ولا ينقص، قول لا دليل عليه، بل هو باطل، فإن كان الدليل مقدمة واحدة، قالوا الأخرى محذوفة، وسموه قياس الضمير. وإن كان مقدمات، قالوا هي أقيسة مركبة، ليس هو قياسًا واحدًا، فهذا قول
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين ص١٦٥.
(٢) انظر: المرجع السابق ص١٦١ - ١٦٢.
(٣) انظر: المرجع السابق ص١٦٢ - ١٦٣.
[ ٢٢٢ ]
باطل طردًا وعكسًا. وذلك أن احتياج المستدل إلى المقدمات مما يختلف فيه حال الناس، فمن الناس من لا يحتاج إلا إلى مقدمة واحدة، لعلمه بما سوى ذلك، كما أن منهم من لا يحتاج في علمه بذلك إلى الاستدلال، بل قد يعلمه بالضرورة، ومنهم من يحتاج إلى مقدمتين، ومنهم من يحتاج إلى ثلاث، ومنهم من يحتاج إلى أربع وأكثر١.
رابعًا: أن الضابط في الدليل أن يكون مستلزمًا للمدلول، فكل ما كان مستلزمًا لغيره، أمكن أن يستدل به عليه، فإن كان التلازم من الطرفين، أمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر، فيستدل المستدل مما علمه منهما على الآخر الذي لم يعلمه. ثم إن كان اللزوم قطعيًا، كان الدليل قطعيًا، وإن كان ظاهرًا وقد يتخلف، كان الدليل ظنيًا٢.
خامسًا: أن لفظ البرهان لفظ شرعي، ورد في آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [انساء - ١٧٤]، وقوله - تعالى - في أكثر من آية: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة - ١١١] وهو الدليل القطعي، ولكن تخصيصه - كما يقول الفلاسفة - بمقدمتين غير صحيح كما سبق.
كما قد يطلق البرهان على ما يفيد العلم اليقيني، وإن لم يكن قياسًا، حيث إن" لفظالبرهان في اللغة أعم من ذلك، كما سمى الله آيتي موسى برهانين ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص - ٣٢] "٣.
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين ص١٦٧ - ١٦٨.
(٢) انظر: المرجع السابق ص١٦٥، مجموع الفتاوى ٩/١٥٦.
(٣) درء التعارض ١/٢٩.
[ ٢٢٣ ]