١ - معنى الدور في اللغة:
قال ابن فارس: "الدال والواو والراء أصل واحد، يدل على إحداق الشيء بالشيء من حواليه"١. وقال الخليل: "والدائرة: الحلقة، والشيء المستدير"٢.
دار الشيء يدور دورًا ودورانًا، وتدوير الشيء جعله مدورًا٣. ويقال: دار يدور، واستدار يستدير، بمعنى إذا طاف حول الشيء، وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه، والدائرة، والدارة، كلاهما: ما أحاط بالشيء٤. "ومنه قولهم دارت المسألة، أي كلما تعلقت بمحل توقف ثبوت الحكم على غيره، فينقل إليه، ثم يتوقف على الأول وهكذا"٥.
والدور قد يكون مصدرًا في الشعر، ويكون دورًا واحدًا من دور العمامة ودور الخيل وغيره٦.
وعلى هذا فيغلب على لفظ الدور أنه يحمل معنى الإحداق بالشيء، والاستدارة، والرجوع إلى الموضع الذي ابتدأ منه.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ٢/٣١٠.
(٢) العين ٨/٥٧.
(٣) انظر: الصحاح ٢/٦٦٠، معجم مقاييس اللغة ٢/٣١٠، لسان العرب ٤/٢٩٦.
(٤) انظر: لسان العرب ٤/٢٩٦، المصباح المنير ١/٢٠٢.
(٥) المصباح المنير ١/٢٨٦.
(٦) انظر: العين ٨/٥٦، لسان العرب ٤/٢٩٥.
[ ٢٤٦ ]
٢ - معنى الدور في الاصطلاح:
لم يرد لفظ الدور في القرآن الكريم، وإنما ورد لفظ الدار، والدائرة، والدوائر، ونحوها، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب - ١٩] وقال - تعالى -: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام - ١٢٧] وقال - تعالى -: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة - ٩٨] .
ولم يرد لفظ الدَوْر بهذا الضبط في السنة، وإنما ورد لفظ الدُور، واستدار ونحوها، قال - ﷺ -: "ألا أخبركم بخبر دُور الأنصار" ١.
قال الراغب: "الدار: المنزل اعتبارًا بدورانها الذي لها بالحائط، وقيل: دارة، وجمعها ديار، ثم تسمى البلدة دارًا، والصقع دارًا، والدنيا كما هي دارًا، والدار الدنيا، والدار الآخرة..قال - تعالى -: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام - ١٢٧] أي الجنة، و﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم - ٢٨] أي الجحيم،..والدائرة: عبارة عن الخط المحيط، يقال: دار يدور دورانًا..والدورة والدائرة في المكروه، كما يقال دولة في المحبوب، وقوله - تعالى -: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة - ٥٢] "٢.
أما الدَوْر في الاصطلاح فيعرفه الرازي بقوله: "الدور هو أن يحتاج الأول إلى الثاني، والثاني إلى الأول، إما بواسطة أو بغير واسطة "٣.
ويقول الجرجاني: "الدور هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، ويسمى الدور المصرح. كما يتوقف أعلى ب، وبالعكس، أو بمراتب ويسمى الدور المضمر كما يتوقف أعلى ب، وب على ج، وج على أ"٤.
وفي الكليات: "الدور هو توقف كل واحد من الشيئين على الآخر"٥.
ويقسم شيخ الإسلام الدور إلى نوعين، فيقول: "والدور نوعان: أحدهما الدور القبلي السبقي، فهذا ممتنع باتفاق العقلاء، مثل أن يقال لا يكون هذا إلا بعد ذاك، ولا يكون
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب خرص التمر١/٤٥٩، ح ١٤٨١، وبنحوه مسلم في كتاب الفضائل باب في معجزات النبي ﷺ ٤/١٧٨٥، ح ١٣٩٢.
(٢) المفردات ص٣٢١.
(٣) المباحث المشرقية ١/٥٩٦، وانظر: المواقف ص٨٩.
(٤) التعريفات ص١٤٠ - ١٤١، وانظر: الصحايف الإلهية ص١٤١.
(٥) الكليات ص ٤٤٧.
[ ٢٤٧ ]
ذاك إلا بعد هذا، فهذا ممتنع باتفاق العقلاء، ونفس تصوره يكفي في العلم بامتناعه؛ فإن الشيء لا يكون قبل كونه، ولا يتأخر كونه عن كونه..
وأما الدور المعي الاقتراني مثل أن يقال لا يكون هذا إلا مع ذاك، لا قبله ولا بعده، فهذا جائز، كما إذا قيل لا تكون الأبوة إلا مع البنوة "١.
فالمحال هو دور التقدم؛ لاستلزام تقدم الشيء على نفسه، وأما دور المعية فليس بمحال، بل جائز واقع، لأنه لا يقتضي إلا حصولهما معا في الخارج، أو الذهن٢.
فالدور الممتنع إذًا هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه.
_________________
(١) الصفدية ١/١٢، وانظر: درء التعارض ٣/١٤٣، منهاج السنة ١/٤٣٨.
(٢) انظر: موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص٤٣٣.
[ ٢٤٨ ]