الفصل الثالث: الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بالشرك في الربوبية.
[ ٣٢٥ ]
الشرك في الربوبية
١ - معنى الشرك في اللغة:
يقول ابن فارس: "الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدل على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة.
فالأول الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما."١
وفي الصحاح: "..وشركته في البيع والميراث أشركه شركة، والاسم الشرك..والشرك أيضًا الكفر. وقد أشرك فلان بالله فهو مشرك ومشركي"٢.
فالشرك لفظ يدل على اقتسام الشيء بين اثنين فأكثر، دون أن ينفرد به واحد.
وقد سبق بيان معنى الرب في اللغة وهو المالك والمصلح والمربي٣.
٢ - معنى الشرك في الشرع:
ورد لفظ الشرك في كتاب الله، وفي كلام رسوله - ﷺ - في مواضع كثيرة، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان - ١٣] وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن - ٢٠]، وغيرها كثير، ومن السنة مارواه أنس بن مالك - ﵁ - قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال: "الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين.." ٤، إلى غير ذلك من الأحاديث.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ٣/٢٦٥.
(٢) الصحاح ٤/١٥٩٣ - ١٥٩٤.
(٣) انظر البحث ص١٣٨.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر ٤/٨٨، ح ٥٩٧٧، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها ١/٩٢، ح ٨٨.
[ ٣٢٦ ]
يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "وأصل الشرك أن تعدل بالله - تعالى - مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده"١. وهذا التعريف شامل لأنواع الشرك، فمن عدل بالله غيره في بعض ما يستحقه وحده بأن اعتقد شريكًا لله في التصرف، أو الخلق، أو نحوه من صفات الربوبية، فهو مشرك، ومن عدل بالله غيره في بعض أنواع العبادة فهو مشرك، ومن عدل بالله غيره في بعض ما يستحقه وحده من الصفات فهو مشرك. فالشرك نوعان شرك في الربوبية وشرك في الألوهية.
ويقول الإمام ابن القيم - ﵀ - معرفا الشرك بتعريف جامع: "بأن يجعل لله عدلًا بغيره في اللفظ أو القصد أو الاعتقاد"٢.
وقال شيخ الإسلام - ﵀ -: "الشرك وهو اتخاذ إله مع الله"٣، سواء في الاعتقاد أو الفعل. وقال: "الشرك عبادة غير الله"٤. وهذا نوع من أنواع الشرك وهو الشرك في الألوهية، كما ذكر الشرك في بعض أضرب العبادة في موضع آخر، حيث يقول: "الشرك بالله وهو أن يدعو مع الله إلها آخر إما الشمس، وإما القمر، أو الكواكب..أو غير ذلك مما يدعى من دون الله - تعالى -، أو يستغاث به، أو يسجد له"٥.
فالشرك ينقسم إلى قسمين:
الأول: شرك بتعلق بذات المعبود، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله. وهذا هو الشرك في الربوبية.
الثاني: شرك في عبادته، ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه - سبحانه - لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله٦.وهذا هو الشرك في العبادة والألوهية.
_________________
(١) الاستقامة ١/٣٤٤.
(٢) إعلام الموقعين ١/٣٣٤.
(٣) مجموع الفتاوى ٤/٧٤، وانظر: الجواب الكافي ص٩٠.
(٤) مجموع الفتاوى ١١/٦٨٢.
(٥) المرجع السابق ٣/٤٢٤.
(٦) انظر: الجواب الكافي ص١١٤، مدارج السالكين ١/٦٢ - ٦٣.
[ ٣٢٧ ]
٣ - معنى الشرك في الربوبية في الشرع:
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - أن معنى الشرك في الربوبية هو:" إثبات فاعل مستقل غير الله"١، ويمثل لذلك بقوله: "كمن يجعل الحيوان مستقلًا بإحداث فعله، ويجعل الكواكب، أو الأجسام الطبيعية، أو العقول، أو النفوس، أو الملائكة، أو غير ذلك مستقلًا بشيء من الإحداث، فهؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الحوادث عن الفاعل"٢. كما عرف الشرك في الربوبية بقوله: "بأن يجعل لغيره معه تدبيرًا ما"٣.
والشرك في الربوبية نوعان٤:
الأول: شرك التعطيل.
الثاني: شرك من جعل مع الله إلهًا آخر، ولم يعطل أسماءه، وربوبيته، وصفاته.
ومثال النوع الأول شرك أهل وحدة الوجود، وشرك القائلين بقدم العالم، وشرك المعطلة من الجهمية وأمثالهم.
ومثال النوع الثاني شرك النصارى القائلين بالتثليث، وشرك المجوس الثنوية، وشرك الصابئة٥، وعباد الشمس والنار ونحوها.
فالشرك في الربوبية هو أن تجعل لغير الله قدرة على الخلق، أو التصرف، والتدبير في الكون مع الله.
_________________
(١) درء التعارض ٧/٣٩٠.
(٢) المرجع السابق ٧/٣٩٠.
(٣) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٧١٠.
(٤) انظر: الجواب الكافي ١١٤ - ١١٥.
(٥) الصابئة نوعان: صابئة مشركون، وصابئة حنفاء. والصابئة المشركون هم الذين يشركون بالكواكب العلويات ويجعلونها أربابا مدبرة لأمر هذا العالم. انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم ١/٩٠ - ٩٤، إغاثة اللهفان٢/٢٥٢.
[ ٣٢٨ ]