١ - معنى الشك في اللغة:
قال الخليل بن أحمد: "الشك نقيض اليقين"١. والشك: اللزوم واللصوق٢.
والشك الارتياب. وقول أئمة اللغة: الشك خلاف اليقين، هو التردد بين شيئين، سواء استوى طرفاه، أو رجح أحدهما على الآخر٣.
"ويقال: أصل الشك اضطراب القلب والنفس "٤.
فالشك في لغة العرب هو نقيض اليقين، وهو الارتياب، كما يعني اللزوم واللصوق.
٢ - معنى الشك في الشرع:
لقد ورد لفظ الشك في كتاب الله، في خمس عشرة آية، منها قوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء - ١٥٧] وقوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود - ١١٠]، والآيات توضح المعنى المقصود بالشك، فهو يعني كما في اللغة؛ الارتياب، وعدم اليقين، والاضطراب، والبعد عن العلم. قال الراغب: "الشك اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما..والشك ضرب من الجهل "٥. وورد لفظ الشك في السنة، ومنه قوله - ﷺ -: "نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال: أولم تؤمن.، قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي.." ٦.
_________________
(١) العين ٥/٢٧٠، وانظر: الصحاح ٤/١٥٩٤، معجم مقاييس اللغة ٣/١٧٣، لسان العرب١٠/٤٥١، القاموس المحيط ص١٢٢٠، المصباح المنير ١/٤٣٦.
(٢) انظر: الصحاح ٤/١٥٩٤، لسان العرب١٠/٤٥١، معجم مقاييس اللغة ٣/١٧٣.
(٣) انظر: المصباح المنير ١/٤٣٦.
(٤) المرجع السابق نفس الجزء والصفحة.
(٥) المفردات ص٤٦١.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب قوله ﷿: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر - ٥١] وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة - ٢٦٠] ٢/٤٦٧، ح ٣٣٧٢، ومسلم في كتاب الإيمان باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة ١/١٣٣، ح ١٥١.
[ ٢٢٨ ]
وقد اختلفوا في معنى قوله - ﷺ - "نحن أحق بالشك" فقيل: معناه إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى أن لا يشك، أي لو كان الشك متطرقًا إلى الأنبياء، لكنت أنا أحق به منهم، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أنه لم يشك. وإنما قال ذلك تواضعًا منه، أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم١.
وقال بعض أهل العلم: إن المراد بالشك في الحديث السابق الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك المصطلح، وهو التوقف بين الأمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر، فهو منفي عن الخليل قطعًا؛ لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة٢.
وقال القاضي عياض٣: لم يشك إبراهيم بأن الله يحيى الموتى، ولكن أراد طمأنينة القلب، وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء، فحصل له العلم الأول بوقوعه، وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته. ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين، وإن لم يكن في الأول شك، لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها، فأراد الترقي من علم اليقين، إلى عين اليقين، والله أعلم٤.
وقال شيخ الإسلام: "لفظ الشك يراد به تارة ما ليس بيقين، وإن كان هناك دلائل وشواهد عليه، حتى قد قيل في قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" أنه جعل ما دون طمأنينة القلب التي طلبها إبراهيم شكًا، وإن كان إبراهيم موقنًا ليس عنده شك يقدح في يقينه، ولهذا لما قال له ربه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ "٥.
فالشك المراد في الحديث هو ما دون طمأنينة القلب، فإن ذلك قد يسمى شكًا. وقيل الحديث مبني على نفي الشك، فيكون الشك هو الخواطر التي لا تثبت.
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٦/٤٧٥، شرح السنة للبغوي ١/١١٦.
(٢) انظر: تفسير القرطبي ٣/٢٩٨، فتح الباري ٦/٤٧٥.
(٣) الإمام العلامة الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام، القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض اليحصبي، الأندلسي، ثم السبتي، المالكي، ولد في سنة ست وسبعين وأربع مئة، أكثر من التأليف، من مؤلفاته كتاب الشفا، وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك، توفي في سنة أربع وأربعين وخمس مئة. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠/٢١٢ - ٢١٧.
(٤) انظر: فتح الباري ٦/٤٧٥.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى ٢٣/١١.
[ ٢٢٩ ]
٣ - معنى الشك في الاصطلاح:
تعريف الشك في الاصطلاح موافق لمعناه في اللغة، والقرآن، وإن اختلفت العبارات مابين زيادة ونقص.
ومن هذه التعريفات قول أبي المعالي: "الشك وهو الاسترابة في معتقدين فصاعدًا، من غير ترجيح أحدهما على الثاني"١. وقال الكندي: "الشك هو الوقوف على حد الطرفين من الظن، مع تهمة ذلك الظن"٢. وقال الجرجاني: "الشك هو التردد بين النقيضين، بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك، وقيل الشك ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين، لا يميل القلب إلى أحدهما"٣، هذا هو الشك في الاصطلاح وقد يطلق على ما دون ذلك، يقول شيخ الإسلام: "لفظ الشك يراد به تارة ما ليس بيقين وإن كان هناك دلائل وشواهد عليه"٤، فقد يطلق الشك إذا على التردد بين أمرين وإن كان لأحدهما دلائل وشواهد تؤيده، فالشك يطلق على "مطلق التردد"٥.كما قد يطلق الشك على ما دون طمأنينة القلب٦. وقد يطلق على الخواطر التي لا تثبت٧. فالشك إذًا درجات مختلفة.
ويرد لفظ الشك في كتب أهل الكلام عند الحديث عن أول واجب على المكلف، وهم متنازعون في أن أول الواجبات معرفة الله، أو النظر المفضي إلى العلم بحدوث العالم، أو القصد إلى النظر، أو الشك السابق على القصد٨. وباستثناء القول بالشك، فإن النزاع هنا لفظي، فإن النظر واجب وجوب الوسيلة، من باب ما لا يتم الواجب إلا به، والمعرفة واجبة وجوب المقاصد. فأول واجب وجوب الوسائل هو النظر، وأول
_________________
(١) الإرشاد ص١٤ - ١٥.
(٢) الحدود ضمن كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب ص١٩٩.
(٣) التعريفات ص١٦٨، وانظر: ضوابط المعرفة للميداني ص١٢٥.
(٤) مجموع الفتاوى ٢٣/١١.
(٥) كشاف اصطلاحات الفنون ١/٧٨٠.
(٦) انظر: مجموع الفتاوى ٢٣/١١.
(٧) انظر: تفسير القرطبي ٣/٢٩٨، فتح الباري ٦/٤٧٥.
(٨) انظر: درء التعارض ٥/٢٩٢.
[ ٢٣٠ ]
واجب وجوب المقاصد هو المعرفة. ومن هؤلاء من يقول أول واجب هو القصد إلى النظر، وهو أيضا نزاع لفظي، فإن العمل الاختياري مطلقًا مشروط بالإرادة١.
أما القول بأن أول الواجبات هو الشك، وهو منسوب إلى أبي هاشم٢، فهو قول باطل لفظًا ومعنى؛ قال أبو المعالي بعد ذكره لقول أبي هاشم: "وهذا خروج منه من قول الأمة وتوصل منه إلى هدم أصله، وذلك أن كل واجب مأمور به، وتقدير الأمر بالشك متناقض إذ يثبت العلم بالأمر، واعتقاد ثبوته والعلم به مع التشكك فيه متناقضان"٣.
ومن لم يوجب الشك من المعتزلة قال إنه لا بد من حصوله وإن لم يؤمر به٤.
والقول بالشك قبل الاعتقاد باطل، ومن وجوه بطلانه أن هذا القول مبني على أصلين: أحدهما: أن أول الواجبات النظر المفضي إلى العلم.
والثاني: أن النظر يضاد العلم، فإن الناظر طالب للعلم، فلا يكون في حال النظر عالمًا. وكلا الأصلين باطل٥. فمن فرق بين النظر في الدليل، وبين النظر الذي هو طلب الدليل، تبين له الفرق. والنظر في الدليل لا يستلزم الشك في المدلول، بل قد يكون القلب ذاهلًا عن الشيء ثم يعلم دليله، فيعلم المدلول، وإن لم يتقدم ذلك شك وطلب، وقد يكون عالمًا به، ومع هذا ينظر في دليل آخر لتعلقه بذلك الدليل، فتوارد الأدلة على المدلول الواحد كثير، لكن هؤلاء لزمهم المحذور، لأنهم إنما أوجبوا النظر لكون المعرفة لا تحصل إلا به، فلو كان الناظر عالمًا بالمدلول، لم يوجبوا عليه النظر، فإذا أوجبوه لزم انتفاء العلم بالمدلول، فيكون الناظر طالبًا للعلم، فيلزم أن يكون شاكًا، فصاروا يوجبون على كل مسلم أنه لا يتم إيمانه حتى يحصل له الشك في الله، ورسوله، بعد بلوغه، سواء أوجبوه، أو قالوا هو من لوازم الواجب٦. فالقول بوجوب الشك قبل الاعتقاد قول ظاهر الفساد.
_________________
(١) انظر: درء التعارض٧/٣٧٣.
(٢) انظر: الشامل ١/٣٢، الدرء ٧/٣٥٣، المواقف ٣٢، شرح المقاصد ١/٢٧٢. وأبو هاشم عبد السلام بن الأستاذ أبي علي محمد ابن عبد الوهاب بن سلام الجبائي المعتزلي من كبار الأذكياء، أخذ عن والده الاعتزال، له كتاب الجامع الكبير وكتاب العرض، توفي سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة، وله عدة تلامذة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٥/٦٣ - ٦٤.
(٣) الشامل ١/٣٢.
(٤) انظر: درء التعارض ٧/٤١٩.
(٥) انظر: المرجع السابق ٧/٤١٩.
(٦) انظر: المرجع السابق ٧/٤٢٠ - ٤٢١.
[ ٢٣١ ]