١ - معنى العالم في اللغة:
جاء التعريف بلفظ العالم في اللغة تحت مادة علم، وفي معنى العالم يقول الخليل:
"والعالَم الطّمْش، أي الأنام، يعني الخلق كله، والجمع عالمون "١. والطّمْش الناس٢، والأنام ما على ظهر الأرض من جميع الخلق٣.
وقال الجوهري: "العالَم: الخلق، والجمع العوالم، والعالمون: أصناف الخلق"٤.
ويقول ابن فارس:"وقال قوم: العالم سمِّي لاجتماعه، قال الله - تعالى -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة - ٢] قالوا الخلائق أجمعون"٥.
وقيل: العالم هو ما احتواه بطن الفلك، ولا واحد للعالم من لفظه لأن عالمًا جمع أشياء مختلفة٦.
وفي المصباح المنير: "العالَم بفتح اللام، الخلق، وقيل مختص بمن يعقل"٧.
وعلى هذا فمعنى العالم في اللغة هو الخلق كله، وقيل إنه مختص بمن يعقل.
_________________
(١) العين ٢/١٥٣.
(٢) انظر: العين ٦/٢٤١، لسان العرب ٦/٣١٢.
(٣) انظر: العين٨/٣٨٨.
(٤) الصحاح ٥/١٩٩١، وانظر: لسان العرب ١٢/٤٢٠.
(٥) معجم مقاييس اللغة ٤/١١٠.
(٦) انظر: لسان العرب ١٢/٤٢٠، القاموس المحيط ص ١٤٧٢.
(٧) المصباح المنير ٢/٥٨٤، وانظر: لسان العرب١٢/٤٢١.
[ ٢٨٣ ]
٢ - معنى العالم في الاصطلاح:
أ - معنى العالم عند أهل السنة:
لفظ العالم لا يوجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -، ولا في كلام الصحابة - ﵃ -، والموجود هو لفظ العالمين، قال - تعالى -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة - ٢]، وقال - سبحانه -: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران - ٤٢] وغيرها من الآيات. وورد لفظ العالمين في السنة ومنه قوله - ﷺ -: "حتى يضع فيها رب العالمين قدمه" ١.
ويذكر أهل السنة في معنى العالمين روايتين: الأولى قول ابن عباس - ﵁ -: "رب العالمين: الجن والإنس "٢، وهذا منقول عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وجماعة من المفسرين٣. والرواية الثانية: عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الحمد لله الذي له الخلق كله، السماوات، والأرض، ومن فيهن، وما بينهن، مما يعلم ولا يعلم"٤.
ويرجح الأزهري الرواية الأولى فيقول: "والدليل على صحة قول ابن عباس قول الله - جل وعز -: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان - ١] وليس النبي - ﷺ - نذيرًا للبهائم، ولا للملائكة، وهم كلهم خلق الله، وإنما بعث محمد - ﷺ - نذيرًا للجن والإنس"٥.
ويقول الطبري - ﵀ -: "والعالمون جمع عالم، والعالم جمع لا واحد له من لفظه؛ كالأنام والرهط والجيش، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جمع لا واحد له من لفظه، والعالم اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالم، وأهل كل قرن من كل صنف منها عالم ذلك القرن، وذلك الزمان "٦. وقال ابن كثير - ﵀ -: "والعالمين جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - ﷿ -، والعالم جمع لا واحد له من لفظه،
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى "وهو العزيز الحكيم"٤/٣٨٠ - ٣٨١، ح ٧٣٨٤.
(٢) تفسير الطبري ١/٦٣.
(٣) انظر: تفسير الطبري ١/٦٣، تفسير ابن كثير ١/٢٥، تفسير القرطبي ١/١٣٨.
(٤) تفسير الطبري ١/٦٣، وانظر: تفسير ابن كثير ١/٢٥.
(٥) تهذيب اللغة للأزهري ٢/٤١٦.
(٦) تفسير الطبري ١/٦٢ - ٦٣.
[ ٢٨٤ ]
والعوالم أصناف المخلوقات في السماوات وفي البر والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى عالمًا"١.
وقال الفراء٢وأبو عبيدة٣: "العالم عبارة عمن يعقل، وهم أربعة أمم: الإنس، والجن، والملائكة، والشياطين، ولا يقال للبهائم عالم "٤.
وقد جمع شيخ الإسلام - ﵀ - بين الأقوال السابقة، حيث قال: "ولفظ العالم ليس في القرآن، ولا يوجد في كلام النبي - ﷺ -، ولا كلام أحد من الصحابة، والتابعين، وإنما الموجود لفظ العالمين، وفيه عموم كقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة - ٢] وقد يقال فيه خصوص كقوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية - ١٦] وقوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران - ٤] ..عند من يجعل ذلك المراد به الآدميون، أو أهل عصرهم"٥. لكن عند الإطلاق فإن لفظ العالم عام، قال شيخ الإسلام: "والمراد بالعالم في الاصطلاح هو كل ما سوى الله"٦.
فالعالم إذًا هو كل ما سوى الله - تعالى -، وقد يأتي خاصًا فيخص الآدميون، أو من يعقل، أو أهل عصر معين.
_________________
(١) تفسير ابن كثير ١/٢٥.
(٢) العلامة صاحب التصانيف أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسدي، مولاهم الكوفي النحوي، قال بعضهم الفراء أمير المؤمنين في النحو، له عدة مؤلفات منها معاني القرآن، توفي سنة سبع ومائتين وله ثلاث وستون سنة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/١١٨ - ١٢٠، كشف الظنون ٢/١٧٣٠، ١٧٠٣، ١٤٤٧، ١٤٥٧، ١٤٦١، ١٥٧٧.
(٣) معمر بن المثنى التيمي بالولاء، البصري، أبو عبيدة النحوي، من أئمة العلم بالأدب واللغة، وكان شعوبيا، وقيل: كان يرى رأي الخوارج الإباضية، من مؤلفاته مجاز القرآن، توفي سنة ٢١٠ هجرية، انظر: سير أعلام النبلاء٩/٤٤٥، بغية الوعاة ٢/٢٩٤، شذرات الذهب ٢/٢٤.
(٤) تفسير القرطبي ١/١٣٨، وانظر: تفسير ابن كثير ١/٢٥.
(٥) بيان تلبيس الجهمية ١/١٥٩.
(٦) درء التعارض ١/١٢٥.
[ ٢٨٥ ]
ب - معنى العالم عند المتكلمين:
يعرف كثير من المتكلمين لفظ العالم، بتعريف موافق لتعريف أهل السنة، فيقول البغدادي: "العالم عند أصحابنا، كل شيء هو غير الله - ﷿ - "١، ويقول الرازي: "العالم كل موجود سوى الله"٢، وفي الصحايف الإلهية: "العالم عند المتكلمين كل ما يوجد سوى الله - تعالى - "٣، ويقول الآمدي: "وأما العالم فعبارة عما عدا الباري - ﷾ - من الموجودات"٤، وقال الراغب: "والعالم اسم للفلك وما يحويه من الجواهر والأعراض"٥.
إلا أن الجويني قد زاد في تعريفه للعالم حيث قال: "العالم وهو كل موجود سوى الله - تعالى - وصفة ذاته"٦، وفي هذا إشارة إلى أن صفات الفعل ليست قائمة في ذات الله، وأنها مخلوقة، وهو مذهب كثير من المتكلمين، وقد سبق بيان رد أهل السنة عليهم في ذلك، ويتبين هنا مغايرة تعريف بعض المتكلمين، لتعريف أهل السنة في جزء من معناه، حيث يجعلون الصفات الفعلية للرب - تعالى -، جزءًا من هذا العالم المحدث المخلوق.
جـ - معنى العالم عند الفلاسفة:
يعرف ابن سينا العالم فيقول: "حد العالم مجموع الأجسام الطبيعية البسيطة كلها، ويقال عالم لكل جملة موجودات متجانسة كقولنا عالم الطبيعة"٧.
ويذكر التهانوي أن العالم في عرف الحكماء: "اسم لكل ما وجوده ليس من ذاته من حيث هو كل، وينقسم إلى روحاني وجسماني، وقد يقال العالم اسم لجملة الموجودات الجسمانية من حيث هي جملة، وهي ما حواه السطح الظاهر من الفلك الأعلى"٨.
_________________
(١) ١ – أصول الدين ص٣٥. ٢ – المطالب العالية ٩/٢٩١. ٣ – الصحايف الإلهية ص٣٩٩، والصحايف الإلهية لشمس الدين محمد بن أشرف السمرقندي، ويرجح محقق الصحايف الدكتور أحمد الشريف أن السمرقندي عاش حتى سنة٦٩٠ هجرية. انظر: الصحايف ص٣٠. ٤ – المبين ص٩٩، وانظر: التعريفات للجرجاني ص١٨٩. ٥ – المفردات للراغب الأصفهاني ص٥٨١، وانظر: الكليات ص٦٣٧، بصائر ذوي التمييز ٤/٩٥. ٦ – الإرشاد ص١٧. ٧ – كتاب الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي عند العرب ص٢٥٢، وانظر: معيار العلم ص٢٩٣، المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا ٢/٤٥-٤٧، معجم المصطلحات الفلسفية لمراد وهبة ص٤٣٩، المعجم الفلسفي للدكتور الحفني ص١٩٨. ٨ – كشاف اصطلاحات الفنون٢/١٠٥٣.
[ ٢٨٦ ]
فالعالم عند الفلاسفة يراد به مجموع الأجسام الطبيعية البسيطة، فتخرج العقول والنفوس عن مسمى العالم عندهم، فلا يكون العالم هو كل ما سوى الله. وإذا خصص وقيل عالم الطبيعة أو عالم العقل أو عالم النفس، فإنه يراد به جملة موجودات متجانسة. فتعريفهم مغاير لتعريف أهل السنة وطوائف المتكلمين. بل ومغاير لمعنى العالم في اللغة.
د - معنى العالم عند أهل الوحدة:
يرى أهل الوحدة أن العالم هو عين وجود الرب - تعالى عن قولهم -، لذا يقولون في تعريف العالم: "العالم هو الظل الثاني، وليس إلا وجود الحق الظاهر بصور الممكنات كلها، فلظهوره بتعيناتها سُمّي باسم السوى، والغير، باعتبار إضافته إلى الممكنات، إذ لا وجود للممكن إلا بمجرد هذه النسبة، وإلا فالوجود عين الحق..فالعالم صورة الحق، والحق هوية العالم وروحه"١.
ويذكر هذا المعنى صاحب دستور العلماء فيقول عن العالم عند أهل الوحدة: "هو الحق المتجلي بصفاته، لأنه اسم لما سوى الله - تعالى - وسواه منتف عندهم، فبالضرورة هو الحق المتجلي بصفاته"٢.
وقولهم ظاهر الفساد، وحقيقته تعطيل الصانع، وأنه ليس وراء الأفلاك شيء فلو عدمت السماوات والأرض، لم يكن ثم شيء موجود، وقد صرح بهذا كبار محققيهم، وعارفيهم، كما بين ذلك شيخ الإسلام في ردوده عليهم٣.
_________________
(١) معجم كلمات الصوفية لأحمد النقشبندي ص٥٥.
(٢) موسوعة مصطلحات جامع العلوم ص٥٧٢.
(٣) انظر: الصفدية ٢/٢٤٤، بيان تلبيس الجهمية١/٢١٢ - ٢١٣، التدمرية ص١٠٨، مجموعة الرسائل ١/٨٠، ٤/٦ - ٧.
[ ٢٨٧ ]