"حدوث العالم"
١ - معنى الحدوث في اللغة:
يقول الخليل:"والحديث الجديد من الأشياء، ورجل حدث كثير الحديث، والحَدَث الإبْداء"١.
وقال ابن فارس: "الحاء والدال والثاء أصل واحد؛ وهو كون الشيء لم يكن، يقال حدث أمر بعد أن لم يكن "٢.
وفي الصحاح: "والحدوث كون الشيء لم يكن، وأحدثه الله فحدث، وحدث أمر أي وقع"٣.
وحدث الشيء حدوثًا تجدد وجوده فهو حادث وحديث، ومنه يقال حدث به عيب إذا تجدد وكان معدومًا٤.
والحديث نقيض القديم، والحديث الخبر، واستحدثت خبرًا أي وجدت خبرًا جديدًا٥.
ويتضح مما سبق أن لفظ الحدوث يعني كون الشيء لم يكن، كما يعني تجدد وجود الشيء، والحديث نقيض القديم، والحديث الجديد.
٢ - معنى الحدوث عند أهل السنة:
لم يرد لفظ الحدوث أو الحادث في كتاب الله، وإنما ورد لفظ أُحْدِث ويحدث ومحدث وحديث ونحوها، قال - تعالى -: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق - ١] وقال - تعالى -: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء - ٢] ومعنى محدث هنا: "أي جديد إنزاله"٦، وأما معنى قوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق - ١]
_________________
(١) العين ٣/١٧٧.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٢/٣٦.
(٣) الصحاح ١/٢٧٨، وانظر: لسان العرب ٢/١٣١.
(٤) انظر: المصباح المنير ١/١٢٤.
(٥) انظر: الصحاح ١/٢٧٨. ٦ – تفسير ابن كثير ٣/١٨١، وانظر: تفسير الطبري ٢٨/١٣٥، مجموع الفتاوى ١٢/٥٢٢.
[ ٢٨٨ ]
فيقول الطبري: "يقول - جل ثناؤه - لا تدري ما الذي يحدث، لعل الله يحدث بعد طلاقكم إياهن رجعة"١.
ولم يرد لفظ الحدوث أو الحادث في السنة٢، ولكن ورد الفعل منه وبعض مشتقاته كمحدث وحديث ونحوها، ومن ذلك قوله - ﷺ -: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة" ٣. وهذا الحديث موافق لقوله - تعالى -: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء - ٢]، قال شيخ الإسلامابن تيمية - ﵀ -: "لما قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء - ٢] علم أن الذكر منه محدث، ومنه ما ليس بمحدث، لأن النكرة إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره، كما لو قال: ما يأتينى من رجل مسلم إلا أكرمته، وما آكل إلا طعامًا حلالًا، ونحو ذلك، ويعلم أن المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي، ولكنه الذي أنزل جديدًا، فإن الله كان ينزل القرآن شيئًا بعد شيء، فالمنزل أولًا هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرًا، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، كما قال: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس - ٣٩]، وقال: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف - ٩٥]، وقال: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف - ١١] "٤.
فالمحدث في الشرع جاء بمعنى جديد الإنزال. كما قد يراد بالمحدث المخلوق المسبوق بالعدم.
_________________
(١) تفسير الطبري ٢٨/١٣٥، وانظر: تفسير ابن كثير ٤/٤٠٣.
(٢) وذلك حسب إطلاعي.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب "كل يوم هو في شأن" ٤/٤١٠.
(٤) مجموع الفتاوى ١٢/٥٢٢.
[ ٢٨٩ ]
٣ - معنى حدوث العالم في الاصطلاح:
أ - معنى "حدوث العالم" عند أهل السنة:
ذكرت فيما سبق أن لفظ العالم لا يوجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -، ولا في كلام الصحابة، والمعنى الصحيح المفهوم من هذه العبارة "العالم حادث" أن كل ما سوى الله مخلوق، حادث كائن بعد أن لم يكن، وأن الله وحده القديم الأزلي، وهذا المعنى هو المعروف عن الأنبياء، وأتباع الأنبياء، من المسلمين، واليهود، والنصارى، وهو مذهب كثير من الفلاسفة وغيرهم١، يقول ابن تيمية - ﵀ -: "والمشهور من مقالة أساطين الفلاسفة، قبل أرسطو، هو القول بحدوث العالم، وإنما اشتهر القول بقدمه عنه، وعن متبعيه كالفارابي، وابن سينا، والحفيد، وأمثالهم"٢.
ب - معنى "حدوث العالم" عند المتكلمين:
معنى الحدوث عند المتكلمين هو الخروج من العدم إلى الوجود، أو هو حصول الشيء بعد أن لم يكن٣، وفي التعريفات للجرجاني:"الحدوث عبارة عن وجود الشيء بعد عدمه"٤.
وعندما يقال: العالم حادث، يُضَمّن المتكلمون معنى غير صحيح لهذا المصطلح؛ فالمعتزلة يرون أن صفات الله مخلوقة، بائنة عنه، وكثير من المتكلمين من الأشاعرة يجعل صفات الله الفعلية، بائنة عن ذات الله، وأنها مخلوقة داخلة في مسمى العالم٥، ومن ضمن ما يعنونه بقولهم "العالم حادث": أن كل ما سوى الله مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وأن الله لم يزل لا يفعل شيئًا، ولا يتكلم بمشيئته، ثم حدثت الحوادث من غير سبب يقتضي ذلك، وأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها. فهذا المعنى هو الذي يعنيه أهل الكلام من الجهمية، والمعتزلة، ومن اتبعهم من الأشاعرة، بحدوث العالم. وهذا المعنى الذي أضافوه معنى باطل لا يوجد في كتاب الله، ولم يعرف عن الأنبياء، ولا يوجد في حديث عن النبي
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/١٢٥.
(٢) انظر: الصفدية ١/١٣٠.
(٣) انظر: الكليات ص٤٠٠، موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص٣٤٥.
(٤) التعريفات ص١١٦.
(٥) انظر: الإرشاد ص١٧، الأسماء والصفات ص١٣٨، شرح الأصول الخمسة ص١٥١، ١٨٣، ٥٢٨.
[ ٢٩٠ ]
- ﷺ -، ولا أثر عن صحابته - ﵃١. وقد جعلوا حدوث العالم الدليل الأكبر على وجود الله، لكن طريقة تقريرهم لهذا الدليل لم تكن صحيحة، ولذلك رد عليها كثير من النظار من أهل السنة، ومن المتكلمين أنفسهم، ومن الفلاسفة٢.
ج - معنى "حدوث العالم" عند الفلاسفة المتأخرين:
لقد أحدث الفلاسفة المتأخرون؛ كابن سينا، وأمثاله، لهذه العبارة معنى مبتدعًا باطلًا، حيث قالوا: العالم محدث: أي معلول لعلة قديمة، أزلية، أوجبته فلم يزل معها، وأن العالم معلول، ممكن بنفسه، واجب بغيره، وأن وجوده من غيره، لا من نفسه٣.
يقول الآمدي مبينًا معنى حدوث العالم عند الفلاسفة: "وأما الحادث فقد يطلق ويراد به ما يفتقر إلى العلة، وإن كان غير مسبوق بالعدم كالعالم، وعلى ما لوجوده أول وهو مسبوق بالعدم. فعلى هذا العالم إن سمي عندهم قديمًا فباعتبار أنه غير مسبوق بالعدم، وإن سمي حادثًا فباعتبار أنه مفتقر إلى العلة في وجوده"٤.
وقسموا الحدوث إلى نوعين:
١ - حدوث ذاتي: وهو كون الشيء مفتقرًا في وجوده إلى الغير، وهي العلة عندهم٥.
٢ - حدوث زماني: وهو كون الشيء مسبوقًا بالعدم سبقًا زمانيًا٦.
فحقيقة قولهم هي أن العالم قديم غير مخلوق، وكونه محدثًا يعني افتقاره إلى العلة وإن لم يسبق بالعدم.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/١٢٥ - ١٢٦.
(٢) انظر في الرد على براهينهم في حدوث العالم: درء التعارض ٢/٣٤٤وما بعدها، ٣/٣ - ٢٣، ٤٤٨ - ٤٤٩، ٤/١٩، ٢٦٧ - ٢٦٨ نقض التأسيس ١/١١٧، التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/٢٥٤ - ٢٥٥، شرح الأصفهانية ص٧٠ - ٧٣، مناهج الأدلة ص٤٧ - ٤٨.
(٣) انظر: درء التعارض ١/١٢٥ - ١٢٦، الصفدية ١/٢٤٠.
(٤) المبين ص١١٩، وانظر: موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص٣٤٥.
(٥) انظر: الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي للدكتور الأعسم ص٢٦٢، النجاة لابن سينا ٢/٧٥، تعريفات الجرجاني ص١١٦، موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص ٣٤٥.
(٦) انظر: الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي للدكتور الأعسم ص٢٦٢، النجاة لابن سينا ٢/٧٠ - ٧١، تعريفات الجرجاني ص١١٦، موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص٣٤٥.
[ ٢٩١ ]
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - مبينًا حقيقة مذهبهم: "وحقيقة الخلق منتفية عندهم عن العقل الأول، بل عن العالم وإنما هو عندهم معلول ومبدع، لكنهم يحرفون الكلم عن مواضعه فيقولون العالم محدث ومخلوق، ويعنون بقولهم محدث أنه معلول ممكن بنفسه واجب بغيره، وأن وجوده من غيره لا من نفسه، وكذلك يعنون بقولهم مخلوق، لكن من المعلوم بالاضطرار أن أهل اللغة لا يريدون بقولهم هو محدث، ومخلوق، هذا المعنى المتضمن أنه قديم أزلي لم يزل ولا يزال، بل الحدوث عندهم يناقض القدم، وكذلك الخلق، ولا تحتمل اللغة بوجه من الوجوه أن القديم الذي لم يزل ولا يزال يقال له محدث ومخلوق. والمخلوق عندهم أبلغ من المحدث والحادث؛ فكل مخلوق فهو محدث وحادث باتفاق أهل اللغة وأهل الكلام، وأما أن كل حادث ومحدث فهو مخلوق فهذا مما تنازع فيه أهل الكلام، والنظر، واللغة، لا يوجب أن كل ما كان حادثًا يسمى مخلوقًا؛ لأن المخلوق هو الذي خلقه غيره، والخلق يجمع معنى الإبداع ومعنى التقدير، وأما لفظ حادث فلا يقتضي أنه مفعول، ولو قيل محدث فمعنى الخلق أخص من معنى الحدوث"١.
وقولهم في معنى الحدوث باطل لأمور:
أولًا: لمخالفته للغة العرب، فمن المعلوم بالاضطرار أن أهل اللغة لا يريدون بقولهم هو محدث، ومخلوق، هذا المعنى، المتضمن أنه قديم أزلي، لم يزل ولا يزال، بل الحدوث عندهم يناقض القدم، وكذلك الخلق، ولا تحتمل اللغة بوجه من الوجوه أن القديم الذي لم يزل ولا يزال يقال له محدث ومخلوق٢.
ثانيًا: القول بأن العالم محدث بالمعنى الذي ذكروه، ليس قول أحد من الأنبياء، ولا أتباعهم، ولا أمة من الأمم العظيمة، ولا طائفة من الطوائف المشهورة، التي اشتهرت مقالاتها في عموم الناس، بحيث كان أهل مدينة على هذا القول، وإنما يقول هذا طوائف قليلة مغمورة في الناس، وهذا القول إنما هو معروف عن طائفة من المتفلسفة المليينكابن سينا، وأمثاله، وقد يحكون هذا القول عن أرسطو، وقوله الذي في كتبه أن العالم قديم، وجمهور الفلاسفة قبله يخالفونه ويقولون إنه محدث٣.
_________________
(١) الصفدية ١/٢٤٠.
(٢) انظر: المرجع السابق نفس الجزء والصفحة، درء التعارض ١/١٢٦.
(٣) انظر: درء التعارض ١/١٢٦.
[ ٢٩٢ ]
ثالثًا: أنهم جعلوا العالم معلول لعلة تامة أزلية، والعلة التامة الأزلية، يلزم مقارنة معلولها لها، وكل ما سواه معلول له، فيلزم أن لا يكون في الوجود حادث، أو أن لا يكون للحوادث محدث، وكلاهما معلوم الفساد بالضرورة١.
هذا مجمل ما يمكن أن يرد به قولهم هذا إذ المقام لا يقتضي تفصيل الرد والمناقشة.
_________________
(١) انظر: الصفدية ١/٢٨٠.
[ ٢٩٣ ]