١ - معنى العَرَض في اللغة:
قال الجوهري: "عَرَض له أمر كذا يعرض؛ أي ظهر، وعرضت عليه أمر كذا، وعرضت له الشيء، أي أظهرته له وأبرزته إليه"١.
وعَرَض الدنيا ماكان من مال، قل أو كثر٢. وعرضت الجند عرض العين: أي أمررتهم، لأنظر ما حالهم، ومن غاب منهم، وعرض الفرس في عدوه، إذا مر عارضًا على جنب واحد يعرض عرضًا، وعرض له خير أو شر بدا ٣.والعرض من أحداث الدهر؛ كالمرض ونحوه، سمي عرضًا لأنه يعترض، أي يأخذه فيما عرض من جسده، ورأيت فلانًا عرض العين أي لمحة٤.
ويلاحظ أن الفعل "عَرَض" يكون بمعنى ظهر أو بدا أو مر. وأما الاسم "عَرَض" فقد جاء بمعنى المال، أو المرض، ونحوه.
٢ - معنى العرض في الشرع:
لقد ورد لفظ العرض في كتاب الله، وفي سنة رسوله - ﷺ -، أما وروده في كتاب الله؛ فمثل قوله - تعالى -: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء - ٩٤] وقوله - تعالى -: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف - ١٦٩] .
وأما في السنة فمنه قوله - ﷺ -: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس" ٥، والعَرَض في هذا الحديث، وفي الآيات السابقة، متاع الدنيا وحطامها٦.
_________________
(١) الصحاح ٣/١٠٨٢، وانظر: العين١/٢٧١.
(٢) انظر: معجم مقاييس اللغة ٤/٢٧٠ - ٢٧٦، الصحاح ٣/١٠٨٢ - ١٠٨٣، لسان العرب ٧/١٦٩ - ١٧٠.
(٣) انظر: العين ١/٢٧١ - ٢٧٦، معجم مقاييس اللغة ٤/٢٧٠، لسان العرب ٧ /١٦٧.
(٤) انظر: معجم مقاييس اللغة ٤/٢٧٦، ٢٨٠، لسان العرب ٧/١٦٩ - ١٧٠، المصباح المنير ٢/٤٠٢.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب الغنى غنى النفس ٤م١٨٢، ح ٦٤٤٦، ومسلم في كتاب الزكاة باب ليس الغنى عن كثرة العرض ٢/٧٢٦، ح ١٠٥١.
(٦) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم٧/١٤٠، فتح الباري١١/٢٧٢.
[ ٢٦٥ ]
٣ - معنى العرض في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين:
إن تقسيم الموجودات إلى عرض، وجوهر، كان من ابتداع أرسطو، وأتباعه من الفلاسفة١، وقد جعلوا للفظ العرض معنى زائدًا عما هو معروف في لغة العرب، وعما جاء في الكتاب والسنة، يبين ذلك قول ابن سينا في معنى العرض: "العرض اسم مشترك، يقال عرض لكل موجود في محل، ويقال عرض لكل موجود في موضوع، ويقال عرض للمعنى المفرد الكلي المحمول على كثيرين، حملًا غير مقوم، وهو العرضي، ويقال عرض لكل معنى موجود للشيء، خارج عن طبعه، ويقال عرض لكل معنى يحمل على الشيء، لأجل وجوده في آخر يقارنه. ويقال عرض لكل معنى وجوده في أول الأمر لا يكون"٢.
ويقول الفارابي: "والعرض معناه هو الذي في موضوع"٣. ويبين سبب تسميته عرضًا فيقول: "وليس يسمى عرضًا لدوام وجوده، ولا لسرعة زواله، بل معنى أنه عرض هو أنه لا يكون داخلًا في ماهية موضوعه"٤.
ويشرح البغدادي، صاحب المعتبر، التعريف المختار عند الفلاسفة، فيقول: "والعرض هو الموجود في موضوع، وفسروا الموجود في موضوع؛ بالموجود في شيء ليس هو جزء منه، أعني من الشيء الذي هو فيه، ولا يصح وجوده دون ماهو فيه، أعني لا يصح وجود الشيء الواحد المعين منه، إلا في الشيء المعين الذي هو موجود فيه"٥.
فالعرض عند الفلاسفة هو الذي لا يقوم بنفسه بل يحتاج إلى موضوع يحل فيه.
وقد أخذ المتكلمون لفظ العرض عن الفلاسفة، كما أخذوا معناه عنهم، وجعلوا تقسيم الأشياء إلى جوهر وعرض - كما يقول الإمام أبو المظفر السمعاني -، أصل قاعدة علومهم٦.
_________________
(١) انظر: الصفدية ١/١٢٥، الجواب الصحيح ٥/٤٤، الحروف للفارابي ص ٩٣، ٩٥، المعتبر في الحكمة ١/٧٣.
(٢) الحدود لابن سينا ص٢٥٠، وانظر: معيار العلم ص٢٩٢.
(٣) الحروف ص ٩٣، وانظر: تفسير ما بعد الطبيعة لابن رشد ص ٥٥٩، ٨١٩.
(٤) الحروف ص٩٦.
(٥) المعتبر ١/٧٣.
(٦) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/١٣٢.
[ ٢٦٦ ]
يقول عبد القاهر البغدادي: "الأعراض هي الصفات القائمة بالجواهر؛ من الحركة والسكون والطعم والرايحة "١. ويقول الباقلاني: "العرض هو الذي يعرض في الجوهر، ولا يصح بقاؤه وقتين"٢.
ويقول القاضي عبد الجبار، مبينًا معنى العرض في الاصطلاح: "وأما في الاصطلاح فهو ما يعرض في الوجود، ولا يجب لبثه كلبث الجواهر والأجسام"٣.
ويقول الرازي: "العرض هو الموجود في موضوع"٤.
وفي التعريفات للجرجاني: "العرض الموجود، الذي يحتاج في وجوده إلى موضع، أي محل يقوم به، كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يحله، ويقوم به"٥.
وتقسيم الموجودات إلى جواهر وأعراض قال به النصارى أيضًا، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "ولفظ العرض في اصطلاح النظار يراد به ما قام بغيره، سواء كان صفة لازمة، أو عارضة، وهذا موجب تقسيم النصارى، كما هو قول الفلاسفة"٦.
فمدار لفظ العرض عند الفلاسفة والمتكلمين، هو ما قام بغيره، وقد يكون صفة لازمة أو قد يكون صفة عارضة.
_________________
(١) أصول الدين ص ٣٣، وانظر: لمع الأدلة ص٨٧.
(٢) الإنصاف ص ١٦، وانظر: لمع الأدلة ص٨٧.
(٣) شرح الأصول الخمسة ص ٢٣٠.
(٤) المباحث المشرقية ١/٢٣٦، وانظر: المبين للآمدي ص١١٠.
(٥) التعريفات ص١٩٣، وانظر: التوقيف على مهمات التعاريف ص٥١٠، الكليات ص ٦٢٥.
(٦) الجواب الصحيح ٥/٤٤، وانظر: الإنصاف للباقلاني ص٧٨ - ٧٩، الإرشاد لأبي المعالي ص ٤٦ - ٤٧.
[ ٢٦٧ ]
٤ - إطلاق العرض على صفات الله:
لقد تبين في الصفحات السابقة المعنى الوارد في الكتاب والسنة للفظ العرض، وتبين مغايرة المعنى الشرعي له عن المعنى الذي يريده الفلاسفة والمتكلمون بهذا اللفظ. كما اتضح بعد المخالفين عن دلائل اللغة، وتحريفهم لمعاني الألفاظ وتقليد بعضهم بعضًا في ذلك.
والسلف والأئمة لم يطلقوا لفظ العرض في حق الله، لا بنفي، ولا بإثبات، بل بدّعوا أهل الكلام بذلك، وذموهم غاية الذم١.
بينما يطلق نفاة الصفات لفظ الأعراض على صفات الله، قالوا: والأعراض لا تقوم إلا بجسم، مركب، والمركب ممكن محتاج، وذلك عين النقص، ولذلك قالوا بنفي الصفات عن الله، اعتمادًا على هذه الشبهة، وغيرها من شبهاتهم الباطلة.
وللمثبتة للصفات ثلاث طرق في إطلاق لفظ العرض على صفات الله - تعالى -:
منهم من يمنع أن تكون أعراضًا، ويقول بل هي صفات، وليست أعراضًا، كما يقول ذلك الأشعري، وكثير من الفقهاء، من أصحاب الإمام أحمد وغيره.
ومنهم من يطلق عليها لفظ الأعراض، كهشام، وابن كرام وغيرهما.
ومنهم من يمتنع من الإثبات والنفي، كما قالوا في لفظ الغير، وكما امتنعوا عن مثل ذلك في لفظ الجسم ونحوه، فإن قول القائل العلم عرض بدعة، وقوله ليس بعرض بدعة، كما أن قوله الرب جسم بدعة، وقوله ليس بجسم بدعة٢.
والجواب لمن يطلق هذا اللفظ، أن يقال: أتعني بقولك أنها أعراض، أنها قائمة بالذات، أو صفة للذات، ونحو ذلك، من المعاني الصحيحة، أم تعني بها أنها آفات ونقائص، أم تعني بها أنها تعرض، وتزول، ولا تبقى زمانين. فإن عنيت الأول فهو صحيح، وإن عنيت الثاني فهو ممنوع، وإن عنيت الثالث فهذا مبني على قول من يقول العرض لا يبقى زمانين، فمن قال ذلك وقال: هي باقية، قال: لا أسميها أعراضًا، ومن قال: بل العرض يبقى زمانين، لم يكن هذا مانعا من تسميتها أعراضًا٣.
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/١٠٠.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٦/١٠٢.
(٣) انظر: المرجع السابق ٦/١٠٣.
[ ٢٦٨ ]
ويقال له: ما تعني بقولك هذه الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم؟ أتعني بالجسم المركب، الذي كان مفترقًا فاجتمع، أو ما ركبه مركب، فجمع أجزاءه، أو ما أمكن تفريقه، وتبعيضه، وانفصال بعضه عن بعض، ونحو ذلك، أم تعني به ما هو مركب من الجواهر الفردة، أو من المادة والصورة، أو تعني به ما يمكن الإشارة إليه، أو ما كان قائمًا بنفسه، أو ما هو موجود، فإن عنيت الأول لم نسلم أن هذه الصفات التي سميتها أعراضًا، لا تقوم إلا بجسم، بهذا التفسير، وإن عنيت به الثاني لم نسلم امتناع التلازم فإن الرب - تعالى - موجود، قائم بنفسه، مشار إليه عندنا، فلا نسلم انتفاء التلازم على هذا التقدير١.
فالعرض إذًا من الألفاظ المجملة عند أهل الكلام والفلسفة، وهم يريدون من خلاله نفي صفات الله، لذا يجب الاستفصال عن مراد المتكلم بهذا اللفظ نفيًا وإثباتًا.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٦/١٠٣ - ١٠٤.
[ ٢٦٩ ]