١ - معنى العلم والنظر في اللغة:
سبق التعريف بلفظ العلم، فهو في اللغة نقيض الجهل، وهو المعرفة١، أما النظر فيقول ابن فارس: "النون والظاء والراء أصل صحيح، يرجع فروعه إلى معنى واحد، وهو تأمل الشيء، ومعاينته"٢.
وقال الخليل بن أحمد: "نظر إليه ينظر نظرًا..وتقول نظرت إلى كذا، وكذا، من نظر العين، ونظر القلب"٣. والنظر حس العين٤.
وقال الجوهري: "النظر تأمل الشيء بالعين، وكذلك النظران بالتحريك، وقد نظرت إلى الشيء. والنظر الانتظار"٥. والنظر الفكر في الشيء تقدره وتقيسه٦.
فالنظر في اللغة، هو تأمل الشيء بالعين، ومعاينته، وقد يكون بالقلب، بمعنى التفكر في الشيء، كما يعني الانتظار.
ولم يرد مصطلح العلم النظري بهذا التركيب في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -.
٢ - معنى العلم النظري في الاصطلاح:
يقول الباقلاني في تعريف العلم النظري أنه: "ما احتيج في حصوله إلى الفكر والروية، وكان طريقه النظر والحجة، ومن حكمه جواز الرجوع عنه والشك في متعلقه"٧. وقال
_________________
(١) انظر ص٢٢٤من البحث.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٥/٤٤٤.
(٣) العين ٨/١٥٤.
(٤) انظر: لسان العرب ٥/٢١٥.
(٥) الصحاح ٢/٨٣٠، وانظر: لسان العرب ٥/٢١٥ - ٢١٦.
(٦) انظر: لسان العرب٥/٢١٧.
(٧) الإنصاف ص١٤.
[ ٢٢٦ ]
شيخ الإسلام: "العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة بدون النظر"١.
والعلم النظري يعتمد على العلم الضروري، فالبرهان الذي ينال بالنظر فيه العلم، لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضروية فطرية، فإن كل علم ليس بضروري لا بد أن ينتهي إلى علم ضروري، إذ المقدمات النظرية لو أثبتت بمقدمات نظرية دائمًا، لزم الدور القبلي، أو التسلسل في المؤثرات في محل له ابتداء، وكلاهما باطل بالضرورة واتفاق العقلاء. فإن العلم النظري الكسبي، هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة، بدون النظر، إذ لو كانت تلك المقدمات أيضًا نظرية؛ لتوقف على غيرها، فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الإنسان، والإنسان حادث كائن بعد أن لم يكن، والعلم الحاصل في قلبه حادث، فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قبله؛ للزم أن لا يحصل في قلبه علم ابتداء، فلا بد من علوم بديهية أولية يبتدؤها الله في قلبه وغاية البرهان أن ينتهي إليها٢.
_________________
(١) درء التعارض ٣/٣٠٩.
(٢) انظر: المرجع السابق نفس الجزء والصفحة.
[ ٢٢٧ ]