١ - معنى الفطرة في اللغة:
قال الخليل:" وفطر الله الخلق، أي خلقهم، وابتدأ صنعة الأشياء، وهو فاطر السماوات والأرض، والفطرة التي طبعت عليها الخليقة من الدين، فطرهم الله على معرفته بربوبيته..وانفطر الثوب وتفطر أيانشق، وتفطرت الجبال والأرضانصدعت"١.
وقال الجوهري: "والفِطْرة بالكسر الخلقة، وقد فطره يفْطُرُه بالضم فطرًا، أي خلقه. والفَطْر أيضا الشق، يقال فطرته فانفطر.. وتفَطَّر الشيء تشقق..والفَطْر الابتداء والاختراع، قال ابن عباس - ﵁ -: كنت لا أدري ما فاطر السماوات حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتها"٢.
وعلى هذا فلفظ فطر يدور معناه على الشق والابتداء والخلق.
٢ - معنى الفطرة في الشرع:
لقد ورد لفظ الفطرة في كتاب الله، في آية واحدة، هي قوله - تعالى -: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم - ٣٠]، كما ورد الفعل منه وهو فطر، ولفظ فاطر، وفطور، ومنفطر، في آيات كثيرة يدور معنى الفطر فيها على الخلق، والابتداء، والانشقاق.
وفي سنة الرسول - ﷺ - ورد لفظ الفطرة في أحاديث كثيرة، يهمنا منها حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة
_________________
(١) العين ٧/٤١٨.
(٢) الصحاح ٢/٧٨١، وانظر: العين ٧/٤١٧ - ٤١٨، لسان العرب ٥/٥٥ - ٥٨، المغرب ص٣٦٢، المصباح المنير ٢/٤٧٦ - ٤٧٧.
[ ٣٢١ ]
جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"، ثم يقول أبو هريرة - ﵁ -: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية [الروم - ٣٠] "١.
وقد اختلف العلماء في معنى الفطرة في حديث أبي هريرة، وهي المذكورة في الآية السابقة على عدة أقوال منها:
القول الأول: أن الفطرة هي الإقرار بمعرفة الله - تعالى -، وهي العهد الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم، حين مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى، فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعًا ومدبرًا وإن سماه بغير اسمه، قال - تعالى -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف - ٨٧] فكل مولود يولد على ذلك الإقرار٢.
القول الثاني: أن معنى كل مولود يولد على الفطرة، أي أن الله فطرهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان٣.
القول الثالث: أن الفطرة هي الإسلام لكنها خاصة بالمؤمنين؛ لأنه لو فطر الناس جميعًا على الإسلام لما كفر أحد منهم، وهذا خلاف ما دلت عليه النصوص من أنه - تعالى - خلق أقوامًا للنار، وأن غلام الخضر طبع كافرًا٤.
القول الرابع: أن الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود، من المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه، إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم، التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك، ومثل هذا القول من قال: المراد بالفطرة، أن كل مولود يولد على السلامة خلقة، وطبعا، وبنية، ليس معها كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ٥.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام ١/٤١٦، ح ١٣٥٨، وبنحوه مسلم في كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ٤/٢٠٤٧، ح ٢٦٥٨.
(٢) انظر: تأويل مختلف الحديث ص٧٣ - ٩٥، التمهيد لابن عبد البر ١٨/٩٠ - ٩١، الدرء ٨/٣٥٩ - ٣٦٠، شفاء العليل ص٢٨٣.
(٣) انظر: التمهيد لابن عبد البر ١٨/٨٨، شفاء العليل ص٢٩٣، أحكام أهل الذمة ٢/٥٧٥ - ٥٧٦.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٤/٢٦.
(٥) انظر: التمهيد ١٨/٦٨ - ٧٠، درء التعارض ٨/٤٤٢، شفاء العليل ص٢٨٩ - ٢٩٩، أحكام أهل الذمة ٢/٥٦٨ - ٥٦٩.
[ ٣٢٢ ]
القول الخامس: الفطرة يعني البدأة التي ابتدأهم عليها، يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقه، من أنه ابتدأهم للحياة والموت، والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم اعتقادهم. قالوا والفطرة في كلام العرب البداءة، والفاطر المبدئ والمبتدىء١.
القول السادس: أن الفطرة ها هنا الإسلام، قالوا وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل، وقد أجمعوا في تأويل قوله - ﷿ -: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم - ٣٠] على أن قالوا فطرة الله، دين الله الإسلام٢. واستدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة منها٣:
١ - قول أبي هريرة في هذا الحديث: "اقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم - ٣٠] "، وذكروا عن عكرمة، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم، والضحاك، وقتادة، في قول الله - ﷿ -: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم - ٣٠]، قالوا: فطرة الله، دين الله الإسلام.
٢ - ومما احتج به من ذهب إلى أن الفطرة في هذا الحديث الإسلام، قوله - ﷺ -: "خمس من الفطرة" ٤، يعني فطرة الإسلام.
٣ - والدلائل الدالة على أنه أراد على فطرة الإسلام كثيرة، كألفاظ الحديث التي في الصحيح مثل قوله "على الملة"، و"على هذه الملة" ٥.
٤ - ومثل قوله في حديث عياض بن حمار: "خلقت عبادي حنفاء كلهم" ٦، ومثل تفسيرأبي هريرة، وغيره، من رواة الحديث، ذلك، وهم أعلم بما سمعوا.
_________________
(١) انظر: التمهيد ١٨/٧٨، درء التعارض ٨/٣٨٦، شفاء العليل ص٢٨٤، أحكام أهل الذمة ٢/٥٦٩.
(٢) انظر: التمهيد ١٨/٧٢، الدرء ٨/٣٧٣، شفاء العليل ص٢٨٥، أحكام أهل الذمة ٢/٥٣٥، فتح الباري ٣/٢٤٨.
(٣) انظر: درء التعارض٨/٣٦٧ - ٣٧١.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب اللباس باب قص الشارب ٤/٧٢، ح ٥٨٨٩، ومسلم في كتاب الطهارة باب خصال الفطرة ١/٢٢١؛ ح ٢٥٧.
(٥) الروايتان أخرجهما مسلم في كتاب القدر، باب معنى "كل مولود يولد على الفطرة" ٤/٢٠٤٨، ح ٢٦٥٨.
(٦) جزء من حديث أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الخصال التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ٤/٢١٩٧، ح ٢٨٦٥.
[ ٣٢٣ ]
وأيضا فإنه لو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام؛ لما سألوا عقب ذلك: أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ لأنه لو لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة لما سألوا، والعلم القديم وما يجري مجراه لا يتغير.
وهذا القول هو الراجح في تفسير معنى الفطرة والله - تعالى - أعلم، وذلك لصراحة الأدلة التي استدلوا بها. والفطرة بهذا المعنى هي دليل من أدلة الربوبية التي غرسها الله - ﷿ - في بني آدم وخلقهم عليها، وهي توحيده - سبحانه - وعدم الشرك به، ثم تتغير هذه الفطرة بما يجتالها من شياطين الجن، والأهواء والشهوات.
وفي نهاية هذا الفصل أرجو أن أكون قد رسمت صورة واضحة عن أدلة توحيد الربوبية، من خلال شرح المصطلحات المتعلقة بها، والتي بفهمها يمكن فهم تلك الأدلة والحكم عليها.
[ ٣٢٤ ]