- القاعدة الثانية: التزام معاني اللغة ودلالاتها.
- القاعدة الثالثة: تجنب الألفاظ البدعية.
- القاعدة الرابعة: تجنب الألفاظ المجملة، والتفصيل فيها.
- القاعدة الخامسة: تجنب التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات.
[ ٧٣ ]
تمهيد:
لما كانت مصادر أهل السنة والجماعة هي الكتاب والسنة ولغة العرب وآثار السلف، فإن المتأمل في كتب أهل السنة والجماعة وأقوالهم يتبين له قواعد عامة لألفاظ العقيدة ومصطلحاتها عندهم، معتمدين في ذلك على طريقة القرآن والسنة في انتقاء الألفاظ ومنهج التعبير عن المعاني وكانت قواعدهم العامة كالآتي:
- القاعدة الأولى: التزام ألفاظ الشرع.
- القاعدة الثانية: التزام معاني اللغة ودلالاتها.
- القاعدة الثالثة: تجنب الألفاظ البدعية.
- القاعدة الرابعة: تجنب الألفاظ المجملة، والتفصيل فيها.
- القاعدة الخامسة: تجنب التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات.
[ ٧٤ ]
القاعدة الأولى: التزام ألفاظ الشرع.
١ - صورة القاعدة:
النصوص الإلهية من الكتاب والسنة فرقان فرق الله به بين الحق والباطل، ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه، فيثبتون ما أثبته الله ورسوله وينفون ما نفاه الله ورسوله١، وأن هذه النصوص حق يجب قبولها وإن لم يفهم معناها٢.
٢ - فقه القاعدة:
لقد سبق وأن ذكرت أن أهل السنة يجعلون مصدرهم لألفاظ العقيدة كتاب الله وسنة رسوله، ثم آثار السلف، ويستعينون بفهمهم للغة العرب، وقد التزموا ذلك وصار قاعدة لهم في ألفاظ العقيدة بشكل عام، فأما باب الأسماء والصفات فهو توقيفي، وأما سائر المسائل العقدية فإن أهل السنة يستعملون الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، أو ما ورد عن سلف الأمة، ويفضلونها على ما وافق معناها من ألفاظ أخرى، وقد يعبرون عن بعض المعاني بألفاظ أخرى موافقة للمعنى الشرعي، ولدلالات لغة العرب.
فهذا الإمام الأوزاعي٣ - ﵀ - عندما سئل عن الجبر قال: "ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن ولا السنة فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر، والخلق والجبل، فهذا يعرف
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٧٦.
(٢) انظر: المرجع السابق ١/٧٦.
(٣) عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، من قبيلة الأوزاع، أبو عمرو، إمام الديار الشامية في الفقه والزهد عرض عليه القضاء فامتنع، له كتاب "السنن" في الفقه، و"المسائل" ويقدر ما سئل عنه بسبعين ألف مسألة أجاب عليها كلها، توفي سنة ١٥٧هجرية، انظر: السير ٧/١٠٧ - ١٣٤، الأعلام ٣/٣٢٠.
[ ٧٥ ]
في القرآن والحديث عن رسول الله - ﷺ -"١. وأنكر سفيان الثوري - ﵀ - لفظ الجبر وقال: الله جبل العباد٢.
وقيل لأبي عبد الله: رجل يقول إن الله أجبر العباد، فقال هكذا لا نقول، وأنكر هذا وقال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل –٩٣] ٣.
وأهل السنة لا يرفضون الألفاظ غير الشرعية التي قد تحمل معنى صحيحًا، ولا يثبتونها، ويحاولون استبدال الألفاظ الشرعية بدلًا عنها، فالإمام الأوزاعي والإمام أحمد قالوا في لفظ الجبر؛ من قال إنه جبر فقد أخطأ، ومن قال لم يجبر فقد أخطأ بل يقال: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ونحو ذلك. وقالوا: ليس للجبر أصل في الكتاب والسنة وإنما الذي في السنة لفظ الجبل لا الجبر٤.
وكذلك لما سئل الأوزاعي - ﵀ - عن حديث النزول قال: يفعل الله ما يشاء، وقال حماد بن زيد٥: يدنو من خلقه كيف شاء٦.
ويقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص: فيثبت ما أثبته الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفى ما نفاه الله ورسوله كما نفاه، وهو أن يثبت النزول والإتيان والمجيء، وينفي المثل والسمي والكفؤ والند"٧.
ولذلك يقسم أهل السنة الألفاظ إلى نوعين:
_________________
(١) درء التعارض ١/٦٦.
(٢) انظر: المرجع السابق ١/٦٨.
(٣) انظر: المرجع السابق ١/٧٠.
(٤) انظر: المرجع السابق ١/٢٥٥.
(٥) حماد بن زيد بن درهم العلامة الحافظ الثبت، محدث الوقت أبو إسماعيل الأزدي، مولى آل جرير بن حازم البصري الأزرق الضرير، أحد الأعلام، أصله من سجستان، سبي جده درهم منها، من أئمة السلف ومن أتقن الحفاظ وأعدلهم، مولده في سنة ثمان وتسعين، ووفاته سنة تسع وسبعين بعد المائة. انظر: سير أعلام النبلاء ٧/٤٥٦ - ٤٦١.
(٦) انظر: الاستقامة ١/٧٦ - ٧٧.
(٧) بيان تلبيس الجهمية ١/٦٢٢.
[ ٧٦ ]
١ - نوع مذكور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع، فهذا يجب اعتبار معناه، وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحًا استحق صاحبه المدح وإن كان ذمًا استحق صاحبه الذم، وإن أثبت شيئًا وجب إثباته، وإن نفى شيئًا وجب نفيه.
٢ - الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع، فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم، والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع١.
فالقاعدة الأولى عند أهل السنة في ألفاظ العقيدة هي التزام ألفاظ الشرع.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/٢٤٠ - ٢٤١.
[ ٧٧ ]