١ - صورة القاعدة:
طريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فلا يعبرون في أبواب العقيدة بألفاظ مجملة مبتدعة، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا نسبوه إلى البدعة١.
٢ - فقه القاعدة:
إن من منهج أهل السنة والجماعة في ألفاظ أصول الاعتقاد الاتباع لا الابتداع، والابتداع المقصود هنا هو مخالفة الأدلة السمعية. وأصل كلمة البدعة من الاختراع، وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق، ولا مثال احتذي، ولا ألف مثله، وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة، وفيما تفعله الجوارح٢.
ويقول الإمام الشاطبي في تعريف البدعة: "فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله - سبحانه -"٣.
وقيل في تعريف البدعة إنها: "ما أحدث على خلاف الحق المتلقى عن رسول الله - ﷺ - من علم أو عمل أو حال، بنوع شبهة أو استحسان، وجعل دينًا قويمًا وصراطًا مستقيمًا"٤.
فأصول الدين قد جاءت موضحة في الكتاب والسنة وكلام السلف، فما كان فيه مخالفة لها فهو من الابتداع في أصول الاعتقاد.
يقول شيخ الإسلام: "وكل قول لم يرد لفظه ولا معناه في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة فإنه لا يدخل في الأدلة السمعية، ولا تعلق للسنة والبدعة بموافقته ومخالفته..
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/٢٥٤.
(٢) انظر: الحوادث والبدع للطرطوشي ص٣٤ - ٣٥.
(٣) الاعتصام ١/٣٧.
(٤) علم أصول البدع لعلي بن حسن عبد الحميد ص٢٥.
[ ٨٢ ]
وإنما السنة موافقة الأدلة الشرعية، والبدعة مخالفتها. وقد يقال عما لم يعلم أنه موافق لها أو مخالف: إنه بدعة، إذ الأصل أنه ما لم يعلم أنه من الشرع فلا يتخذ شريعة ودينا، فمن عمل عملًا لم يعلم أنه مشروع فقد تذرع إلى البدعة، وإن كان ذلك العمل تبين له فيما بعد أنه مشروع، وكذلك من قال في الدين قولًا بلا دليل شرعي، فإنه تذرع إلى البدعة، وإن تبين له فيما بعد موافقته للسنة"١.
ويذكر الإمام الإسماعيلي في عقيدة أهل السنة أنهم "يرون مجانبة البدعة والآثام"٢.
والإمام أحمد يقول: "كلما ابتدع رجل بدعة اتسع الناس في جوابها"٣، وقال: "يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة"٤، وأنكر على من رد بشيء من جنس الكلام إذ لم يكن له فيه إمام تقدم٥.
وعندما قيل لأبي حنيفة: "ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام والأعراض والأجسام؟ قال: مقالات الفلاسفة، عليك بالآية وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة"٦.
ويفصل ابن تيمية موقف أهل السنة من الألفاظ المحدثة في النفي والإثبات فيقول: "وأهل السنة وإن كانوا يعرفون بعقولهم من المعاني الصحيحة نقيض ما يقوله النفاة، فلا يعبرون عن صفات الله بعبارات مجملة مبتدعة، ولا يطلقون القول بأن الله جسم، وأنه تحله الحوادث، وأنه مركب، ولا نحو ذلك، ولا يطلقون من نفي ذلك ما يتناول نفي ما أثبته الرسول، ودلت العقول عليه. بل يفسرون المجملات، ويوضحون المشكلات، ويبينون المحتملات، ويتبعون الآيات البينات، ويعلمون موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح"٧.
_________________
(١) درء التعارض ١/٢٤٤.
(٢) اعتقاد أهل السنة للإسماعيلي ص ٥٣.
(٣) درء التعارض ١/٧١.
(٤) المرجع السابق ١/٧١.
(٥) انظر: المرجع السابق ١/٧١.
(٦) الحجة في بيان المحجة ١/١٠٥.
(٧) درء التعارض ٩/٣٣٥.
[ ٨٣ ]
وقد يكون المحدث هو اللفظ ودلالته، كلفظ الهيولى، أو يكون المحدث هو استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى، كلفظ أصول الدين، حيث أدخل فيه كل قوم من المسائل والدلائل ما ظنوه هم من أصول دينهم، وإن لم يكن من أصول الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه١.
وأما التعبير بعبارات صحيحة، وإن لم تكن في الكتاب والسنة، فلا يكره إذا احتيج إليه، فالإمام أحمد لا يكره إذا عرف معاني الكتاب والسنة أن يعبر عنها بعبارات أخرى، إذا احتيج إلى ذلك، بل هو قد فعل ذلك، بل يكره المعاني المبتدعة، مما خاض الناس فيه من الكلام في القرآن، والرؤية، والقدر، والصفات، إلا بما يوافق الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين٢.
أما الجواب على من يطلق ألفاظًا محدثة مجملة، تحتمل حقًا وباطلًا، فيختلف الموقف باختلاف الشخص الذي تناظره على ثلاثة أقسام:
أولًا: إذا كان الشخص ممن يتقيد بالشريعة، فيقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "وأما إذا كان الكلام مع من يتقيد بالشريعة، فإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا بدعة، وفي كل منهما تلبيس وإيهام، فلا بد من الاستفسار والاستفصال، أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات"٣.
ثانيًا: إذا كان المناظر في مقام دعوة الناس إلى قوله، وإلزامهم به، أمكن أن يقال له: لا يجب على أحد أن يجيب داعيا إلا إلى ما دعا إليه رسول الله - ﷺ -، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق.
ومثال ذلك ما أجاب به الإمام أحمد - ﵀ - مناظره أبا عيسى محمد بن عيسى برغوث٤حين ألزم الإمام بالتجسيم، وأنه إذا أثبت لله كلامًا غير مخلوق لزم أن يكون
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/٧٣.
(٢) انظر: المرجع السابق٧/١٥٥.
(٣) المرجع السابق ١/٢٣٢.
(٤) برغوث وهو رأس البدعة أبو عبد الله محمد بن عيسى الجهمي، أحد من كان يناظر الإمام أحمد وقت المحنة، صنف كتاب الاستطاعة، وكتاب المقالات، وكتاب الاجتهاد، وكتاب الرد على جعفر بن حرب، وكتاب المضاهاة، قيل توفي سنة أربعين ومئتين وقيل سنة إحدى وأربعين. انظر: السير١٠/٥٥٤.
[ ٨٤ ]
جسمًا. فأجاب الإمام أحمد بأن هذا اللفظ لا يدرى مقصود المتكلم به، وليس له أصل في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به، ولا بمدلوله، بل هو أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد؛ فلا أقول هو جسم وليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه، وإجابة من دعاهم إلى ما دعاهم الرسول - ﷺ - إليه، لا إجابة من دعاهم إلى قول مبتدع ومقصود المتكلم بها مجمل لا يعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها١.
ثالثًا: إذا كان المناظر معارضًا للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة أو ممن يدعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسنًا، وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم فبيان ضلالهم، ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ. فيقع في محاورته إطلاق هذه الألفاظ لأجل اصطلاح ذلك النافي ولغته، وإن كان المطلق لها لا يستجيز إطلاقها في غير هذا المقام٢.
فهذا هو الجواب على من يطلق ألفاظًا، أو معان محدثة، حيث يختلف الرد باختلاف حال الشخص.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/٢٢٩ - ٢٣١.
(٢) انظر: المرجع السابق ١/٢٣١.
[ ٨٥ ]