١ - صورة القاعدة:
"إن الله ﷿ أنزل القرآن عربيًا لا عجمة فيه، بمعنى أنه جار في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب"١، ولن يعلم تفسير كتاب الله من جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها٢. لذا يهتم أهل السنة بمعرفة معاني اللغة، ودلالاتها، في ألفاظ العقيدة، ويلتزمونها.
٢ - فقه القاعدة:
يلتزم أهل السنة والجماعة معاني اللغة ودلالاتها؛ لأنهم يلتزمون ألفاظ الكتاب والسنة وقد جاءت تلك على لسان العرب. فهم عندما يريدون أن يبينوا معاني ألفاظ كتاب الله وسنة رسوله يعتمدون على معرفتهم بلغة العرب، وسعة معانيها، وتعدد ألفاظها، وجعلوا ذلك من شرائط الإمامة في الدين." قال علماء السلف: لا يكون الرجل إمامًا في الدين حتى يكون جامعًا لهذه الخصال: يكون حافظًا للغات العرب، واختلافها، ومعاني أشعارها، حافظًا لاختلاف الفقهاء والعلماء، ويكون عالمًا فقيهًا حافظًا للإعراب والاختلاف فيه.."٣.
ويقول الإمام الشاطبي٤ - ﵀ -: "..فعلى الناظر في الشريعة، والمتكلم فيها أصولًا وفروعًا، أمران: أحدهما: أن لا يتكلم في شيء من ذلك حتى يكون عربيًا، أو كالعربي، في كونه عارفًا بلسان العرب، بالغًا فيه مبالغ العرب، أو مبالغ الأئمة المتقدمين.. وليس المراد أن يكون حافظًا كحفظهم، وجامعًا كجمعهم، وإنما المراد أن يصير فهمه عربيًا في الجملة..والأمر الثاني: أنه إذا أشكل عليه في الكتاب، أو في السنة، لفظ أو معنى فلا يقدم
_________________
(١) ١ الإعتصام للشاطبي ٢/٢٩٣.
(٢) انظر: الرسالة ص ٥٠.
(٣) الحجة في بيان المحجة ١/٣٠٦.
(٤) هو الإمام إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشاطبي برع في علم أصول الفقه، من مؤلفاته الموافقات، الاعتصام، الإفادات، توفي سنة ٧٩٠ هجرية. انظر: شجرة النور الزكية ١/٢٣١، نيل الابتهاج ص ٤٦.
[ ٧٨ ]
على القول فيه دون أن يستظهر بغيره ممن له علم بالعربية، فقد يكون إمامًا فيها ولكنه يخفى عليه الأمر في بعض الأوقات"١.
ومن الأمثلة على التزام أهل السنة معاني اللغة، ودلالاتها، أثناء تقريرهم للعقيدة؛ قول الإمام ابن خزيمة - ﵀ - في تقرير صفة اليد لله - تعالى - والرد على من حرف معناها: ".. فزعم أن اليد هي القوة، وهذا من التبديل أيضًا وهو جهل بلغة العرب، والقوة إنما تسمى الأيد في لغة العرب لا اليد، فمن لا يفرق بين اليد والأيد فهو إلى التعليم والتسليم إلى الكتاتيب أحوج منه إلى الترؤس والمناظرة"٢.
ويقول شيخ الإسلام - ﵀ - في بيان معنى الأفول: "والأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير هو المغيب والاحتجاب؛ بل هذا معلوم بالاضطرار من لغة العرب التي نزل بها القرآن، وهو المراد باتفاق العلماء"١.
وفي بيان معنى اليد في قوله - تعالى -: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص - ٧٥] والرد على من تأولها بالنعمة يقول الإمام ابن القيم - ﵀ -: "ولا ريب أن العرب تقول لفلان عندي يد، وقال عروة بن مسعود للصديق: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، ولكن وقوع اليد في هذا التركيب الذي أضاف - سبحانه - فيه الفعل إلى نفسه، ثم تعدى الفعل إلى اليد بالباء التي هي نظير كتبت بالقلم، وهي اليد، وجعل ذلك خاصة خص بها صفيه آدم دون البشرفهذا مما يحيل تأويل اليد في النص بالنعمة، وإن كانت في تركيب آخر تصلح لذلك، فلا يلزم من صلاحية اللفظ لمعنى ما في تركيب، صلاحيته له في كل تركيب"٢.
_________________
(١) الاعتصام ٢/٢٩٧ - ٢٩٩.
(٢) التوحيد لابن خزيمة ١/١٩٩.
(٣) ببيان تلبيس الجهمية ١/٥٢٩.
(٤) الصواعق المرسلة ١/١٩٣.
[ ٧٩ ]
وأهل السنة والجماعة يجعلون التأويل قسمين:
الأول: التأويل الصحيح، وهو حقيقة المعنى وما يؤول إليه في الخارج، أو تفسيره وبيان معناه، وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص، وجاءت به السنة، ويطابقها، هو التأويل الصحيح١.
ولا يقبل التأويل الذي فيه صرف للفظ عن ظاهره إلا إذا توفرت فيه أمور٢:
١ - بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوله في ذلك التركيب الذي وقع فيه.
٢ - تعيين ذلك المعنى إذا كان محتملًا لعدة معان. فلا بد من دليل على تعيينه.
٣ - إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره.
٤ - الجواب عن المعارض.
الثاني: التأويل الفاسد هو الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة، ومنه ما كان صرف للفظ عن ظاهره مع فقده للشروط السابقة أو بعضها٣.
كما ذكر أهل السنة أنواعًا للتأويل الباطل مما يكون فيه مخالفة للمعروف في لغة العرب، من حيث دلالة التركيب والسياق، فذكروا من التأويل الباطل٤:
١ - مالم يحتمله اللفظ بوضعه، ومثاله قوله - ﷺ -: "حتى يضع رجله فتقول قط قط قط" ٥، بأن الرجل جماعة من الناس فإن هذا لا يعرف في لغة العرب.
٢ - مالم يحتمله اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع، وإن احتمله مفردًا كتأويل قوله - تعالى -: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص - ٧٥] بالقدرة.
٣ - مالم يحتمله سياقه وتركيبه، وإن احتمله في غير ذلك السياق، كتأويل قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام - ١٥٨] بأن إتيان الرب إتيان بعض آياته.
_________________
(١) انظر: الصواعق المرسلة ١/١٨١ - ١٨٧.
(٢) انظر: المرجع السابق ١/٢٨٨ - ٢٩٣.
(٣) انظر: المرجع السابق ١/١٨٧، ٢٨٨ وما بعدها.
(٤) انظر هذه الضوابط في الصواعق المرسلة ١/١٨٧ - ٢٠١.
(٥) رواه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير "تفسير سورة ق"، باب ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق - ٣٠] ٣/٢٩٦، ح ٤٨٥٠، وفي لفظ "قدمه" ح ٤٨٤٨ ٤٨٤٩، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء ٤/٢١٨٦ - ٢١٨٧، ح ٣٦.
[ ٨٠ ]
٤ - التأويل الذي يوجب تعطيل المعنى الذي هو في غاية العلو والشرف، ويحطه إلى معنى دونه بمراتب كثيرة، مثل تأويل الجهمية قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام - ١٨] ونظائرها بأنها فوقية الشرف، كقولهم الدينار فوق الدرهم.
والتأويلات التي هي من جنس الأمثلة السابقة واضحة الفساد والبطلان، وذلك لمخالفتها قواعد لغة العرب من حيث احتمال التركيب والسياق للمعنى. وتنبيه أهل السنة على أنواع التأويل الباطل يبين مدى التزامهم معاني اللغة ودلالاتها.
[ ٨١ ]