١ - معنى القِدَمُ في اللغة:
جاء في العين: "القَدَم ما يطأ عليه الإنسان، من لدن الرسغ فما فوقه، والقُدْمة والقَدَم أيضا السابقة في الأمر.. والقِدَم مصدر القديم من كل شيء، وتقول قَدُمَ يَقْدُم، وقَدَم فلان قومه، أي يكون أمامهم..والقُدُم المضي أمام أمام، وتقول يمضي قدما أي لا ينثني، والقُدوم الرجوع من السفر "١.
وقال ابن فارس: "القاف والدال والميم، أصل صحيح، يدل على سبق ورعف٢، ثم يفرع منه ما يقاربه، يقولون: القِدم خلاف الحدوث، ويقال: شيء قديم، إذا كان زمانه سالفًا"٣.والمُقَدَّم نقيض المؤخر، وقُدَّام: نقيض وراء٤.
فالقِدَم، مصدر القديم، وهو يعني السبق، والتقدم على الغير، كما يأتي في مقابل الحدوث.
٢ - معنى القدم في الشرع:
ورد لفظ القديم في القرآن الكريم، والقَدَم، والفعل منه بتصريفات عدة، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس - ٣٩]، وقوله - تعالى -: ﴿وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس - ٢]، ونحوها. قال الراغب: "وأكثر ما يستعمل القديم باعتبار الزمان نحو ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس - ٣٩]، وقوله ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس - ٢] أي سابقة فضيلة "٥. ومن السنة قوله - ﷺ -: "إن النذر لا يقدم شيئًا، ولا يؤخر، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل" ٦.
_________________
(١) العين ٥/١٢٢، وانظر: الصحاح ٥/٢٠٠٦، لسان العرب ١٢/٤٦٧.
(٢) الرعف يعني السبق والتقدم، انظر: معجم مقاييس اللغة ٢/٤٠٥.
(٣) معجم مقاييس اللغة ٥/٦٥، وانظر: الصحاح ٥/٢٠٠٧، لسان العرب ١٢/٤٦٥.
(٤) انظر: الصحاح ٥/٢٠٠٨، لسان العرب ١٢/٤٦٦، ٤٦٩.
(٥) المفردات ص٦٦١.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر ٤/٢٢٧، ح ٦٦٩٢، ومسلم في كتاب النذر باب النهي عن النذر وأنه لا يرد شيئًا ٣/١٢٦١، ح ١٦٣٩.
[ ٢٠٢ ]
فالقديم في الكتاب والسنة، يدل على السبق، والتقدم في الزمان، قال شيخ الإسلام عن لفظ القديم: "وأما لفظ القديم فهو في اللغة المشهورة، التي خاطبنا بها الأنبياء، يراد به ما كان متقدمًا على غيره تقدمًا زمانيًا، سواء سبقه عدم، أو لم يسبقه"١.
والأول الذي لم يزل موجودًا هو أحق بلفظ القدم من المسبوق بالعدم٢.
وقال شيخ الإسلام - ﵀ -: "ولفظ القديم والأزلي فيه إجمال؛ فقد يراد بالقديم الشيء المعين، الذي ما زال موجودًا ليس لوجوده أول، ويراد بالقديم الشيء الذي يكون شيئًا بعد شيء، فنوعه المتوالي قديم وليس شيء منه بعينه قديمًا، ولا مجموعه قديم، ولكن هو في نفسه قديم بهذا الاعتبار "٣.
فالقديم إذًا لفظ مجمل، قد يراد به الذي مازال موجودًا ليس لوجوده أول، المتقدم على غيره مطلقًا دون أن يسبقه عدم، وقد يراد به المتقدم على غيره، وإن غيرًا آخر متقدم عليه، وهذا يكون مسبوقًا بالعدم. وهو بالمعنى الأول يخبر به عن الله - ﷿ -، ولكن لا يعتبر من أسمائه وصفاته التي يدعى بها، لأن الله لم يسم نفسه به، ولم يصفه به رسوله - ﷺ
_________________
(١) الجواب الصحيح ٤/٤٨٣، وانظر: الدرء ١/٣٧٤، شرح الطحاوية ١/٧٧ - ٧٨.
(٢) انظر: الصفدية٢/٨٤.
(٣) المرجع السابق ٢/٤٧.
[ ٢٠٣ ]
٣ - معنى القدم في اصطلاح المتكلمين:
القديم في اصطلاح المتكلمين هو الذي لا أول لوجوده، أو الشيء الذي لم يسبق بعدم، وتنازعوا في المتقدم على غيره هل يسمى قديم حقيقةً، أم مجازًا؟ على قولين١.
يقول الباقلاني: "فالقديم هو المتقدم في الوجود على غيره، وقد يكون لم يزل، وقد يكون مستفتح الوجود"٢. وقال الجويني: "ذهب بعض الأئمة إلى أن القديم هو الذي لا أول لوجوده، وقال شيخنا - رحمة الله عليه - كل موجود استمر وجوده وتقادم زمنًا متطاولًا، فإنه يسمى قديمًا في إطلاق اللسان، قال الله - تعالى -: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس - ٣٩] "٣.
وقال القاضي في معنى القديم: "وأما في اصطلاح المتكلمين: فهو ما لا أول لوجوده "٤.
وقال الرازي: "واعلم أن القديم هو الذي لا أول لوجوده، وقد يراد به: الذي طالت مدة وجوده"٥.
ويرى كثير من المعتزلة أن القديم هو أخص وصف للإله٦.كما أن كثيرًا من المتكلمين أدخلوا لفظ القديم في أسماء الله٧.
أما المتأخرون من المتكلمين أمثال الرازي والآمدي، فقد وافقوا الفلاسفة في تعريف القديم، وسيأتي شرح ذلك عند لفظ قدم العالم.
٤ - نقد تعريف المتكلمين، وموقفهم من لفظ القديم:
يرى بعض المتكلمين أن القديم هو المتقدم الذي لم يسبقه عدم، كما جعله عموم المتكلمين من أسماء الله - تعالى، ويرى المعتزلة أن لفظ القديم أخص صفات الإله، وبنوا
_________________
(١) انظر: الصفدية ٢/٨٤، الشامل لأبي المعالي ص١٣٧، الجواب الصحيح لابن تيمية ٣/٢٦٩، مجموع الفتاوى ١/٢٤٥.
(٢) التمهيد ص٤١.
(٣) الإرشاد ص٣٢، وانظر: الأسماء والصفات للبيهقي ص٢٣.
(٤) شرح الأصول الخمسة ص١٨١، وانظر: المغني ٤/٢٥٠.
(٥) المطالب العالية ٣/٢٤٧.
(٦) انظر: شرح الأصول الخمسة ص١٨١، مجموع الفتاوى ٣/٧٠، درء التعارض ٥/٤٩ - ٥٠، شرح المقاصد ٢/٩.
(٧) انظر: شرح أسماء الله الحسنى ص٣٥٨.
[ ٢٠٤ ]
على ذلك شبهتهم في نفي الصفات، حيث قالوا إن إثبات الصفات يستلزم تعدد القدماء، وهذا باطل. وقد رد عليهم أهل السنة في ذلك، ومن الوجوه التي ردوا بها عليهم:
أولًا: لقد أخطأ بعض المتكلمين عندما حصروا معنى القدم في الذي لم يسبقه عدم، أو الشيء الذي لا أول له. إذ لفظ القديم في اللغة يراد به المتقدم على غيره، وإن كان مسبوقا بالعدم. يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "والواجب على من أراد أن يعرف مراد المتكلم أن يرجع إلى لغته، وعادته التي يخاطب بها، لا يفسر مراده بما اعتاده هو من الخطاب، فما أكثر ما دخل من الغلط في ذلك على من لا يكون خبيرا بمقصود المتكلم ولغته، كما أصاب كثيرا من الناس في قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء - ٢] فإنهم ظنوا أن المحدث والقديم في لغة العرب، التي نزل بها القرآن، هو المحدث والقديم في اصطلاح المتكلمين، هو ما لا أول لوجوده وما لم يسبقه عدم، فكل ما كان بعد العدم فهو عندهم محدث، وكل ما كان لوجوده ابتداء فهو عندهم محدث، ثم تنازعوا فيما تقدم على غيره، هل يسمى قديمًا حقيقةً، أو مجازًا، على قولين لهم. وأما اللغة التي نزل بها القرآن، فالقديم فيها خلاف المحدث، وهما من الأمور النسبية، فالشيء المتقدم على غيره قديم بالنسبة إلى ذلك المحدث، والمتأخر محدث بالنسبة إلى ذلك القديم، وإن كانا كلاهما محدثين بالنسبة إلى من تقدمهما، وقديمين بالنسبة إلى من تقدماه، ولم يوجد في لغة القرآن لفظ القديم مستعملًا إلا فيما يقدم على غيره، وإن كان موجودًا بعد عدمه، لكن ما لم يزل موجودًا هو أحق بالقدم"١. فإطلاق القديم على الأول الذي لم يسبق بعدم إطلاق صحيح، لكن لا يحصر لفظ القديم على هذا المعنى وحده.
ثانيًا: يصف كثير من المتكلمين الله بأنه قديم٢، كما أدخل المتكلمون في أسماء الله - تعالى - القديم، وليس هو من الأسماء الحسنى، فإن القديم في لغة العرب، التي نزل بها القرآن، هو المتقدم على غيره، فيقال هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم. وقد أنكر ذلك على أهل الكلام كثير من السلف والخلف منهم ابن حزم. ولا ريب أنه إذا كان لفظ القديم مستعملًا في نفس التقدم، فإن ما تقدم على الحوادث كلها، فهو أحق بالتقدم من غيره،
_________________
(١) الصفدية ٢/٨٤ وانظر مجموع الفتاوى ١٢/١٠٥.
(٢) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي ص٢٣، المفردات للراغب ص٦٦١.
[ ٢٠٥ ]
لكن أسماء الله - تعالى - هي الأسماء الحسنى، التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق، لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه الأول، وهو أحسن من القديم، لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه وتابع له، بخلاف القديم، والله - تعالى - له الأسماء الحسنى، لا الحسنة١.
ثالثًا: أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات، يقولون كل من أثبت لله صفة قديمة، فهو مشبه ممثل، فمن قال إن لله علمًا قديمًا، أو قدرةً قديمةً، كان عندهم مشبهًا ممثلًا، لأن القديم عند جمهورهم هو أخص وصف الإله، ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون أخص وصفه، ما لا يتصف به غيره، مثل كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إله واحد، ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك، ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات أنها قديمة، بل يقول الرب بصفاته قديم، ومنهم من يقول هو قديم، وصفته قديمة، ولا يقول هو وصفاته قديمان، ومنهم من يقول هو وصفاته قديمان، ولكن يقول: ذلك لا يقتضى مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه، فإن القدم ليس من خصائص الذات المجردة، بل من خصائص الذات الموصوفة بصفات، وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم، فضلا عن أن تختص بالقدم، وقد يقولون الذات متصفة بالقدم، والصفات متصفة بالقدم، وليست الصفات إلهًا ولا ربًا، كما أن النبي محدث، وصفاته محدثة، وليست صفاته نبيًا٢.
وبهذا يتبين ما لدى المتكلمين من أخطاء حول مفهومهم للفظ القديم.
_________________
(١) انظر: شرح الطحاوية ١/٧٧ - ٧٨، الصفدية ٢/٨٥.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٣/٧٠، الدرء ٥/٤٩ - ٥٠، الصواعق المرسلة ٣/٩٣٨.
[ ٢٠٦ ]