الباب الأول: المصادر والقواعد في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها عند أهل السنة ومخالفيهم:
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: مصادر أهل السنة وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
الفصل الثاني: مصادر المخالفين وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
الفصل الثالث: معنى الحد عند المنطقيين، ونقده عند أهل السنة.
الفصل الرابع: أشهر المؤلفات في مصطلحات العقيدة؛ عرض وتقويم.
[ ٥٨ ]
الفصل الأول: مصادر أهل السنة وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها:
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مصادر أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
المبحث الثاني: قواعد أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
[ ٥٩ ]
المبحث الأول: مصادر أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها:
المصدر الأول: القرآن الكريم.
المصدر الثاني: السنة النبوية.
المصدر الثالث: لغة العرب.
المصدر الرابع: آثار السلف.
[ ٦٠ ]
المصدر الأول: القرآن الكريم.
لقد أنزل الله - ﷿ - على نبي هذه الأمة محمد - ﷺ - القرآن الكريم، الذي نسخ به الكتب السابقة، وجعله تبيانًا لكل شيء، فكان المصدر الأول للمسلمين في عقائدهم وشرائعهم، وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - يأخذون العقيدة من القرآن بألفاظها، سيما وأنهم مخاطبون في القرآن بلغتهم العربية.
وهكذا كان سلف الأمة ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة، يعتمدون القرآن الكريم مصدرًا أولًا لألفاظ العقيدة، وبيان معانيها، وينصون على ذلك في كتبهم.
يقول الأمام أحمد - ﵀ -: "لست أتكلم إلا ما كان في كتاب الله، وسنة رسول الله - ﷺ -، أو عن أصحابه، أو عن التابعين، وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود"١. وهذا الإمام ابن خزيمة٢يصنف كتاب التوحيد وما فيه إلا آيات وأحاديث عن الرسول - ﷺ -، يقول - ﵀ -: "فاحتسبت في تصنيف كتاب يجمع هذين الجنسين من العلم بإثبات القول بالقضاء السابق، والمقادير النافذة قبل حدوث كسب العباد، والإيمان بجميع صفات الرحمن الخالق - جل وعلا -، مما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وبما صح وثبت عن نبينا - ﷺ - بالأسانيد الثابتة الصحيحة، بنقل أهل العدالة، موصولًا إليه - ﷺ -"٣. ومثل الإمام ابن خزيمة يوجد أيضًا عدد من أئمة السلف المتقدمين، الذين ألفوا في بيان عقيدة أهل السنة، لا يذكرون في كتبهم إلا آيات
_________________
(١) الإبانة لابن بطة ٢/٥٣٨ - ٥٣٩، وانظر المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة جمع عبد الإله الأحمدي ٢/٣٩٨.
(٢) محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، أبو بكر إمام الأئمة، ولد سنة ٢٢٣للهجرة في نيسابور وكان فقيهًا مجتهدًا محدثًا بارعًا، طاف بالبلدان والأمصار وأكثر من الشيوخ، له مصنفات كثيرة منها التوحيد وصحيح ابن خزيمة. توفي سنة ٣١١للهجرة. انظر: الأعلام ٦/٢٩، طبقات الشافعية للسبكي ٢/١٣٠.
(٣) التوحيد وإثبات صفات الرب لابن خزيمة ١/١٠ - ١١.
[ ٦١ ]
وأحاديث وآثار عن السلف، مزينة بتوضيح يسير منهم، مثل كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام اللالكائي١، وكتاب الشريعة للإمام الآجري، وخلق أفعال العباد للإمام البخاري، وغيرها كثير. وهم يشيرون إلى هذا المنهج في كتبهم التي ألفوها، يقول الإمام ابن عبد البر٢: "ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه، إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله - ﷺ -، أو أجمعت عليه الأمة"٣.
وهذا الإمام الإسماعيلي٤يبين عقيدة أهل السنة والجماعة ويذكر منها: "قبول ما نطق به كتاب الله - تعالى -، وما صحت به الرواية عن رسول الله - ﷺ -، لا معدل عما وردا به، ولا سبيل إلى رده، إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة"٥.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "فيأخذ المسلمون جميع دينهم من الاعتقادات والعبادات وغير ذلك من كتاب الله، وسنة رسوله، وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وليس ذلك مخالفًا للعقل الصريح، فإن ما خالف العقل الصريح فهو باطل، وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل"٦.
ويقول - ﵀ - في الرد على من اتهمه بإطلاق لفظ الجهة والتحيز على الله: "بل كلامي فيه ألفاظ القرآن والحديث، وألفاظ سلف الأمة ومن نقل مذاهبهم. أو التعبير
_________________
(١) هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي أبو القاسم اللالكائي من حفاظ الحديث وفقهاء الشافعية، من أهل طبرستان، استوطن بغداد، من مؤلفاته أسماء رجال الصحيحين، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، توفي سنة ٤١٨ هجرية، انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/٤١٩، شذرات الذهب ٣/٢١١، الأعلام ٨/٧١.
(٢) يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، أبو عمر من كبار حفاظ الحديث، مؤرخ أديب بحاثة، من كتبه الدرر في اختصار المغازي والسير، والاستيعاب، توفي بشاطبة سنة ٤٦٣هجرية، انظر: وفيات الأعيان ٧/٦٦، الأعلام ٨/٢٤٠.
(٣) جامع بيان العلم وفضله ص٤١٧.
(٤) أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل، أبو بكر الإسماعيلي حافظ ثبت إمام من أهل جرجان، ولد سنة ٢٩٧ هجرية، وجمع بين الفقه والحديث، له مؤلفات منها المستخرج على صحيح البخاري، توفي سنة ٣٧١ هجرية. انظر: الوافي بالوفيات ٦/٢١٣، الأعلام ١/٨٦.
(٥) كتاب اعتقاد أهل السنة للإسماعيلي ص٣١.
(٦) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١١/٤٩٠ - ٤٩١.
[ ٦٢ ]
عن ذلك تارة بالمعنى المطابق الذي يعلم المستمع أنه موافق لمعناهم"١، ويقول - ﵀ - وهو يتحدث عن الصفات ومسائل العقيدة: "وأنا لا أقول إلا ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة"٢.
ويقول الإمام ابن أبي العز - ﵀ -: "بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه، ويعقله، ويعرف برهانه، ودليله، إما العقلي وإما الخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا، ويجعل أقوال الناس التي توافقه وتخالفه متشابهة مجملة، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد"٣.
وألفاظ كلام الله –تعالى - ورسوله - ﷺ - لها خاصية ليست لغيرها من الألفاظ، فأهل السنة والجماعة يجزمون بأنه لابد من الإيمان بلفظ نصوص الكتاب والسنة، سواء علم معناها أو لم يعلم، وأنه لا يتوقف الإيمان بالنص وألفاظه إلى حين معرفة معناه، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "إن الناس عليهم أن يجعلوا كلام الله ورسوله هو الأصل المتبع، والإمام المقتدى به، سواء علموا معناه أو لم يعلموه، فيؤمنون بلفظ النصوص وإن لم يعرفوا حقيقة معناها، وأما ما سوى كلام الله ورسوله فلا يجوز أن يجعل أصلًا بحال، ولا يجب التصديق بلفظ له حتى يفهم معناه، فإن كان معناه موافقًا لما جاء به الرسول كان مقبولًا، وإن كان مخالفًا كان مردودًا، وإن كان مجملًا مشتملًا على حق وباطل لم يجز إثباته أيضًا، ولا يجوز نفي جميع معانيه بل يجب المنع من إطلاق نفيه وإثباته، والتفصيل، والاستفسار"٤.
ويجعل هذا قاعدة من قواعد أهل السنة في باب الأسماء والصفات فيقول: "القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه - ﷿ - فإنه يجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو
_________________
(١) التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/٢٦.
(٢) المرجع السابق ٥/٣.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية ١/٢٣٩ - ٢٤٠.
(٤) التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/١٤، وانظر: درء التعارض ١/٢٤١ - ٢٤٢.
[ ٦٣ ]
لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه. وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة، متفقًا عليه بين سلف الأمة، وما تنازع فيه المتأخرون، نفيًا وإثباتًا، فليس على أحد بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظ أونفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًا قبل وإن أراد باطلًا رُدّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقًا ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى"١.
فأهل السنة يراعون المعنى الصحيح كما يراعون الألفاظ الشرعية، ويحاولون أن يكون التعبير عن المعنى الصحيح بلفظ شرعي، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا نسبوه إلى البدعة أيضًا، وقالوا إنما قابل بدعة ببدعة، ورد باطلًا بباطل"٢.
فهذا هو منهج أهل السنة في استمداد ألفاظ العقيدة، مصدرهم الأول لها كتاب الله - تعالى -.
_________________
(١) التدمرية ص ٦٥ - ٦٦، وانظر: درء التعارض ١/٢٤١ - ٢٤٢.
(٢) درء التعارض ١/٢٥٤.
[ ٦٤ ]