لقد خاطب الله - ﷿ - الناس في القرآن الكريم بلغة العرب، وكان محمد - ﷺ - أفصح الناس لسانًا، وقد نشأ بين قريش أفصح العرب جميعًا، فكان لابد لبيان معاني كلام الله –تعالى -، وكلام رسوله - ﷺ -، من معرفة بلغة العرب، وفهمٍ لدلالتها على المعاني.
وعلى ضوء فهم لغة العرب وتشعب معانيها يمكن تفسير كلام الله، وكلام رسوله - ﷺ -. يقول الإمام الشافعي - ﵀ -: "وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره؛ لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها "١. ويقول شيخ الإسلام - ﵀ -: ".. الاستدلال بالقرآن إنما يكون على لغة العرب التي أنزل بها، بل قد نزل بلغة قريش، كما قال –تعالى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم –٤] وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء –١٩٥]، فليس لأحد أن يحمل ألفاظ القرآن على غير ذلك من عرف عام أو اصطلاح خاص"٢.
وكذلك ألفاظ السنة لا طريق لبيانها إلا بمعرفة لغة العرب ودلالتها على المعاني، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "والطريق إلى معرفة ما جاء به الرسول أن تعرف ألفاظه الصحيحة، وما فسرها به الذين تلقوا عنه اللفظ والمعنى، ولغتهم التي كانوا يتخاطبون بها، وما حدث من العبارات وتغير من الاصطلاحات"٣.
_________________
(١) الرسالة للإمام الشافعي ص٥٠.
(٢) بيان تلبيس الجهمية ١/٤٩٢.
(٣) المرجع السابق ١/١٥٩.
[ ٦٧ ]
فأهل السنة والجماعة يعبرون عن عقيدتهم بألفاظ الكتاب والسنة، وهي ألفاظ عربية، كما أنهم يعبرون عن المعنى الصحيح بألفاظ عربية، مطابقة لذلك المعنى. يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "بل كلامي فيه ألفاظ القرآن، والحديث، وألفاظ سلف الأمة، ومن نقل مذاهبهم، أو التعبير عن ذلك تارة بالمعنى المطابق، الذي يعلم المستمع أنه موافق لمعناهم"١.
ويقول - ﵀ -: "ونحن إنما نخاطب الأمم بلغتنا العربية، فإذا نقلوا عن أسلافهم لفظ الهيولى والصورة والمادة والعقل والنفس.. ونحو ذلك، بُيّن ما تحتمل هذه الألفاظ من المعاني"٢.
وأهل السنة يردون على المتكلمين وأمثالهم عندما يستخدمون ألفاظًا لمعان غير واردة في لغة العرب، ثم يفسرون بها كلام الله ورسوله، ويجعلونها من الاعتقاد. وكتب أهل السنة مليئة بالردود على مثل هذا الضلال؛ ومن ذلك كتب الإمام الدارمي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم - ﵏ -.
ومن الأمثلة على ذلك الرد على المتكلمين في زعمهم أن الواحد لا يكون جسمًا، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "ومن المعلوم المتواتر في اللغة الشائع بين الخاص والعام أنهم يقولون: درهم واحد، ودينار واحد، ورجل واحد، وامرأة واحدة، وشجرة واحدة، وقرية واحدة، وثوب واحد، وشهرة هذا عند أهل اللغة شهرة سائر ألفاظ العدد، فيقولون رجل واحد ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وأربعة رجال، وهذا من أظهر اللغة وأشهرها وأعرفها؛ فكيف يجوز أن يقال إن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام، وعامة ما يوصف بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام؟! وتحريف هؤلاء للفظ الواحد كتحريفهم للفظ المثل"٣.
_________________
(١) التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/٢٦.
(٢) درء التعارض ١/٢٩٩.
(٣) بيان تلبيس الجهمية ١/٤٩٣، وانظر: ١/٤٨٧ - ٤٨٨ من المرجع نفسه، درء التعارض ١/١١٣.
[ ٦٨ ]
وقال - ﵀ -: "أما في اللغة فإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو الذي لا يتميز جانب منه عن جانب، ولا يرى منه شيء دون شيء، إذ القرآن ونحوه من الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار في لغة العرب، وسائر اللغات، أنهم يصفون كثيرًا من المخلوقات بأنه واحد، ويكون ذلك جسمًا"١.
ويقول الإمام ابن القيم في الرد على من حرف معنى الاستواء: "هذا الذي قالوه باطل من اثنين وأربعين وجهًا:
أحدها: إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله –تعالى - بلغتهم، وأنزل بها كلامه "نوعان" مطلق ومقيد، فالمطلق ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص - ١٤] وهذا معناه كمل وتم، يقال استوى النبات واستوى الطعام. أما المقيد فثلاثة أضرب:
- أحدها: مقيد بإلى كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة –٢٩] وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف.
- الثاني: مقيد بعلى كقوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف–١٣] ..وهذا أيضًا معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.
- الثالث: المقرون بواو "مع" التي تعدي الفعل إلى المفعول معه؛ نحو استوى الماء والخشبة، بمعنى ساواها.
وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم، ليس فيها معنى استولى ألبته، ولا نقله أحد من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم، وإنما قاله متأخرو النحاة ممن سلك طريق المعتزلة والجهمية٢.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/٤٨٢، وانظر لأمثلة أخرى: رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد ص ٣٩، ٥٢، ٥٩، ٦٣، ٦٥، ٧٢، درء التعارض ١/١١٦، ٢٢٨، ٣١٤ - ٣١٥، ٦/٧، التوحيد لابن خزيمة ١/٥١ - ٥٣.
(٢) الجهمية هم المنتسبون إلى الجهم بن صفوان أبي محرز مولى بني راسب، وهو من أهل خراسان وتتلمذ على الجعد بن درهم، كما التقى بمقاتل بن سليمان، وقتل بمرو سنة١٢٨هجرية، والجهمية تطلق أحيانا بمعنى عام ويقصد بهم نفاة الصفاة عامة، وتطلق بمعنى خاص على أتباع الجهم بن صفوان في آرائه وأهمها: القول بنفي الصفات، والقول بالجبر، والقول بفناء الجنة والنار. انظر: مقالات الإسلامييين١/٢١٤، ٣٣٨، الملل والنحل١/٨٦ - ٨٨، الفرق بين الفرق ص٢١١ - ٢١٢، مجموعة فتاوى ابن تيمية الكبرى٥/٣١ - ٣٥.
[ ٦٩ ]
الوجه الثالث: إن أهل اللغة لما سمعوا ذلك أنكروه غاية الإنكار، ولم يجعلوه من لغة العرب. قال ابن الأعرابي١وقد سئل: هل يصح أن يكون استوى بمعنى استولى؟ فقال: لا تعرف العرب ذلك، وهذا هو من أكابر أئمة اللغة"٢.
وهذه الأمثلة وغيرها كثير يبين منهج أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، وأنهم يجعلون اللغة العربية معيارًا لقبول أو رد ما يطرح من ألفاظ ومعانٍ ترتبط بالعقيدة.
_________________
(١) محمد بن زياد، أبو عبد الله المعروف بابن الأعرابي، راوية ناسب علامة باللغة، من أهل الكوفة، كان يسأل ويقرأ عليه فيجيب من غير كتاب، توفي سنة ٢٣١ هجرية، له تصانيف منها تاريخ القبائل والنوادر. انظر: وفيات الأعيان ٤/٣٠٦، بغية الوعاة ١/١٠٥ - ١٠٦.
(٢) مختصر الصواعق المرسلة ٢/٣٢٠.
[ ٧٠ ]