تعتبر السنة النبوية المصدر الثاني من مصادر ألفاظ العقيدة عند أهل السنة والجماعة، وفي الصفحات السابقة ذكرت نصوص أهل السنة في اعتمادهم القرآن الكريم مصدرًا للعقيدة وألفاظها، وكان فيها ذكر السنة واعتمادها مع القرآن الكريم في ذلك.
وهنا سأذكر مزيدًا من النصوص عن أهل السنة تبين مكانة السنة عندهم، واستقاءهم ألفاظ العقيدة منها، فهذا الإمام الدارمي - ﵀ - يقول: "وقد علمتم - إن شاء الله -، أنه لا يستدرك سنن رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وأحكامهم، وقضاياهم، إلا هذه الآثار والأسانيد على ما فيها من الاختلاف، وهي السبب إلى ذلك، والنهج الذي درج عليه المسلمون، وكانت إمامهم في دينهم بعد كتاب الله –﷿ -، منها يقتبسون العلم، وبها يقضون، وبها يفتون، وعليها يعتمدون، وبها يتزينون، يورثها الأول منهم الآخر، ويبلغها الشاهد منهم الغائب احتجاجًا بها، واحتسابًا في أدائها إلى من لم يسمعها، يسمونها السنن والآثار، والفقه والعلم، ويضربون في طلبها شرق الأرض وغربها، يحلون بها حلال الله، ويحرمون بها حرامه، ويميزون بها بين الحق والباطل، والسنن والبدع، ويستدلون بها على تفسير القرآن ومعانيه وأحكامه، ويعرفون بها ضلالة من ضل عن الهدى"١. وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: "سيأتي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فجادلوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله"٢.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "ومن الوجوه الصحيحة أن معرفة الله بأسمائه وصفاته على وجه التفصيل لا تعلم إلا من جهة الرسول - ﵊ -، إما
_________________
(١) الرد على الجهمية للدارمي ص ١٠٦ - ١٠٧، وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٣٥٥.
(٢) الإبانة لابن بطة ١/٢٥٠، الشريعة للآجري ص ٧٤، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي ١/١٢٣.
[ ٦٥ ]
بخبره، وإما بخبره وتنبيهه ودلالته على الأدلة العقلية، ولهذا يقولون: لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله - ﷺ -"١.
فأهل السنة يلتزمون ألفاظ الكتاب والسنة في العقيدة ما أمكنهم ذلك، ويردون ما عارضها ويجعلونها الأصل، وقد سبق بيان ذلك، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - وهو يتحدث عن الأدب مع رسول الله - ﷺ -: "ومن الأدب معه أن لا يستشكل قوله، بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس بل تهدر الأقيسة، وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولًا، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبول ما جاء به رسول الله - ﷺ - على موافقة أحد. فكل هذا من قلة الأدب معه - ﷺ - وهو عين الجرأة"٢.
فمصدر أهل السنة الثاني لألفاظ العقيدة هو كلام رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/٢٤٨.
(٢) مدارج السالكين ٢/٣٩٠.
[ ٦٦ ]