لقد أثرت الفلسفة اليونانية على كثير من المتكلمين فأدخلوا بعض المصطلحات التي عربوها من الألفاظ اليونانية في العقيدة، وأبقوها على مدلولها المخالف للعقيدة الصحيحة، وقد عاصروا حركة ترجمة الكتب اليونانية، حيث إنه لما عربت الكتب اليونانية في حدود المئة الثانية وقبل ذلك، أخذها أهل الكلام وأدخلوا فيها من أنواع الباطل في الأمور الإلهية ما ضل به كثير منهم١.
فأبو الحسن الأشعري٢ يقرر أن مذهب أبي الهذيل العلاف٣ في الصفات أخذه عن أرسطاطاليس، والشهرستاني٤ يصل مذهب العلاف بالفلسفة اليونانية، وأنه وافق الفلاسفة في أن الباري - تعالى - عالم بعلم وعلمه ذاته٥. وأبو الهذيل أول من وضع مذهب الجزء الذي لا يتجزأ في الإسلام، وهو مذهب فلسفي اختلف في مصدره٦. وأما النظام٧ فيقول الشهرستاني عنه إنه "طالع كثيرًا من كتب الفلاسفة، وخلط
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٣٢٣.
(٢) هو الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم الأشعري، تنتهي نسبته إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري، ولد سنة ٢٦٠هجرية، متكلم بصري، صاحب مصنفات عديدة، أقام مدة على الاعتزال ثم رجع عنه وسلك طريقةابن كلاب وأيدها بمناهج كلامية، وعليها سار المنتسبون إليه من الأشاعرة، ثم إنه ترك ذلك كله وانتسب إلى الإمام أحمد، وأعلن رجوعه إليه في مؤلفاته الأخيرة كالإبانة. توفي سنة ٣٣٠ هجرية. انظر: تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص ٣٤، ١٤٦، شذرات الذهب ٢/٣٠٣، الملل والنحل١ /٣٢، درء التعارض ٢/١٦.
(٣) رأس المعتزلة أبو الهذيل محمد بن الهذيل البصري العلاف، صاحب التصانيف، الذي زعم أن نعيم الجنة وعذاب النار ينتهي، أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل تلميذ واصل بن عطاء الغزال، توفي سنة سبع وعشرين ومئتين، ويقال بقي إلى سنة خمس وثلاثين. انظر: السير١٠/٥٤٢ - ٥٤٣.
(٤) محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني، كان إمامًا في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة، ولد سنة ٤٦٧ هجرية، في شهرستان، اتهم بالإلحاد والتشيع ودافع عنه السبكي، له من المؤلفات الملل والنحل، ونهاية الإقدام في علم الكلام وغيرها، توفي في بلده سنة ٥٤٨ هجرية، انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/٣٢٣ - ٣٢٤، سير أعلام النبلاء ٢٠/٢٨٦، الأعلام ٦/٢١٥.
(٥) انظر: مقالات الإسلاميين ص ٤٨٤ - ٤٨٥، الملل والنحل ١/٣٠، نشأة الفكر الفلسفي للدكتور النشار ١/٤٤٤ - ٤٤٥.
(٦) انظر: نشأة الفكر الفلسفي للدكتور علي سامي النشار ١/٤٤٥.
(٧) شيخ المعتزلة صاحب التصانيف أبو إسحاق إبراهيم بن سيار، مولى آل الحارث بن عباد الضبعي البصري المتكلم، تكلم في القدر وانفرد بمسائل وهو شيخ الجاحظ، له تصانيف جمة منها كتاب الطفرة وكتاب الجواهر والأعراض، توفي سنة بضع وعشرين ومئتين. انظر: السير١٠/٥٤١ - ٥٤٢.
[ ٩٥ ]
كلامهم بكلام المعتزلة"١، ويقرر الشهرستاني أن النظاّم أخذ القول بالكمون والظهور٢ عن أصحاب هذا المذهب من الفلاسفة وخاصة الطبيعيين لا الإلهيين٣. كما وافق الفلاسفة في القول بنفي الجزء الذي لا يتجزأ٤.
وعموم نظار المسلمين المتقدمين من المعتزلة، والأشعرية، وغيرهم، لم يلتفتوا كثيرًا إلى الفلسفة اليونانية، ومنطق أرسطو، إلى أن جاء أبو حامد الغزالي فخلط منطق اليونان بأصول المسلمين٥، حيث ألف كتابه معيار العلم في المنطق، وقال في مقدمته: "رتبنا هذا الكتاب معيارًا للنظر والاعتبار، وميزانًا للبحث والافتكار، وصيقلًا للذهن، ومشحذًا لقوة الفكر والعقل، فيكون بالنسبة إلى أدلة العقول، كالعروض بالنسبة إلى الشعر..فكل نظر لا يتزن بهذا الميزان، ولا يعاير بهذا المعيار، فاعلم أنه فاسد العيار، غير مأمون الغوائل والأغوار"٦. وألف المستصفى في أصول الفقه، ووضع في أوله مقدمة منطقية، وزعم أن من لم يحط بها علمًا فلا ثقة بعلومه٧. كما صنف في ذلك محك النظر، والقسطاس المستقيم، وقد تأثر به من جاء بعده من المتكلمين، فتكلموا في الأصول بطريقة أهل المنطق اليوناني٨. مع أن الغزالي قد رجع عن طريقة الفلاسفة ورد عليهم في الإلهيات كما في كتابه تهافت الفلاسفة.
_________________
(١) الملل والنحل ١/٥٣ - ٥٤.
(٢) من مذهب النظام أن الله - تعالى - خلق الموجودات دفعة واحدة، على ما هى عليه الآن، معادن ونباتًا وحيوانًا وإنسانًا، ولم يتقدم خلق آدم - ﵇ - خلق أولاده، غير أن الله - تعالى - أكمن بعضها فى بعض، فالتقدم والتأخر إنما يقع فى ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها. انظر: الملل والنحل ١/٥٦.
(٣) انظر: الملل والنحل ١/٥٦، نشأة الفكر الفلسفي للدكتور علي سامي النشار ١/٤٩٦، ٤٨٥، المباحث المشرقية ٢/٣٢٢. والفلاسفة الطبيعيون هم قوم أكثر بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات، وقد قالوا إن النفس تموت ولا تعود فجحدوا الآخرة، وأنكروا الجنة والنار والقيامة والحساب، وقد كفروا بذلك. والفلاسفة الإلهيون وهم المتأخرون مثل سقراط وهو أستاذ أفلاطون، وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس، وأرسطاطاليس هو الذي وضع التعاليم التي يقرونها من المنطق، والطبيعي والإلهي. وأشهر مقولاتهم التي كفروا بها هي القول بقدم العالم. انظر: المنقذ من الضلال ص٢٠ - ٢٢، الصفدية ١/٢٣٦ - ٢٣٧.
(٤) انظر: الملل والنحل ١/٥٦، وانظر كلامه عن الجاحظ ونقله عن الفلاسفة ١/٧٥، وانظر المرجع نفسه ١/٦٠.
(٥) انظر: الرد على المنطقيين ص ٣٣٧، شرح الأصفهانية ص ١٣٢.
(٦) معيار العلم ص ٢٦ - ٢٧.
(٧) انظر: المستصفى ١/١٠.
(٨) انظر: الرد على المنطقيين ص ١٥.
[ ٩٦ ]
ومن المتكلمين الذين تأثروا بالفلسفة اليونانية الفخر الرازي، والآمدي، والإيجي١ وغيرهم، يقول مقدم كتاب المحصل: الدكتور حسين آتاي عن الرازي: "إنه استوعب فلسفة أرسطو التقليدية، ثم كان أول من أدخل هذه الفلسفة في علم الكلام. ونتيجة لما قام به الرازي أصبح علم الكلام فلسفة، ويمكن أن نقول بعبارة أخرى إنه جعل تلك الفلسفة كلامًا. وهكذا امتزج علم الكلام بالفلسفة"٢. فالرازي يعرض أصول الاعتقاد ممزوجة بالفكر الفلسفي اليوناني، الذي روج له ابن سينا وأتباعه.
وقال شيخ الإسلام - ﵀ - عن الرازي: "أبو عبد الله الرازي فيه تجهم قوي، ولهذا يوجد ميله إلى الدهرية أكثر من ميله إلى السلفية، الذين يقولون إنه فوق العرش..يقرر ذلك أنه احتج في مقدمة هذا العلم الشريف بكلام أرسطو معلم المشائين من الدهرية. ولم يكن عنده من أثارة الأنبياء والمرسلين ما يقدمه على كلام الدهرية"٣.
ومع تأثر الرازي والآمدي بمصطلحات الفلاسفة، إلا أنهم كانوا يخالفونهم ويعترضون عليهم في كثير مما يذكرونه عنهم بحسب ما يسنح لهم٤.
أما الفلاسفة المنتسبون للإسلام أمثال الكندي٥، والفارابي٦، وابن سينا، فقد كان لهم السبق في نقل فلسفة أرسطو وأتباعه، وشرحها، وتأييدها. يقول شيخ الإسلام - ﵀ -:"والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا إنما هي فلسفة المشائين، أتباع أرسطو صاحب التعاليم"٧.
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو الفضل الإيجي، كان إمامًا في المعقول، قائمًا بالأصول والمعاني والعربية، مشاركًا في الفنون، من مؤلفاته: المواقف في علم الكلام، توفي سنة ٧٥٦هجرية، انظر: الدرر الكامنة ٢/٣٢٢، الأعلام ٣/٢٩٥.
(٢) نقلًا عن د. أحمد حجازي السقا في مقدمة المطالب العالية للرازي ١/٨.
(٣) بيان تلبيس الجهمية ١/١٢٢ - ١٢٣، وانظر: أساس التقديس للرازي ص ٢٥، ١٦، والمطالب العالية ١/٤١، ٥٧، ٥٩، ٢٢٩، ٢/٩٢، وقد أكثر في هذا الكتاب النقل عن الفلاسفة بما يوافقهم فيه تارة، ويعارضهم تارة أخرى.
(٤) انظر: الرد على المنطقيين ص ٣٣٦.
(٥) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الصباح، فيلسوف وأحد أبناء ملوك كندة، اشتهر بالطب والفلسفة والموسيقى والهندسة، ضرب زمن المتوكل وأخذت كتبه لاتهامه في الدين، ثم ردت إليه، وأصاب عند المأمون منزلة عظيمة. من مؤلفاته: رسالة في الحدود، إلهيات أرسطو، توفي سنة ٢٦٠هـ. انظر: لسان الميزان ٦/٣٠٥، الأعلام ٩/٢٥٥ - ٢٥٦، المصطلح الفلسفي عند العرب ص٣٧.
(٦) هو محمد بن محمد بن طرخان، أبو نصر الفارابي، تركي الأصل، ولد في فاراب سنة ٢٦٠ هجرية، وانتقل إلى بغداد فنشأ فيها، يلقب بالمعلم الثاني لشرحه مؤلفات المعلم الأول أرسطو، كان يقول بالمعاد الروحاني وخصه بالأرواح العالمة دون الجاهلة، ويزعم أن الفيلسوف أكمل من النبي؛ وبهذا وغيره كفره شيخ الإسلام، توفي سنة ٣٣٩ هجرية. انظر: البداية والنهاية ١١/٢٢٤، مجموع الفتاوى ٢ /٦٧، ٨٦، الأعلام ٧ /٢٤٢ - ٢٤٣.
(٧) درء التعارض ١/١٢٦، وانظر: الرد على المنطقيين ص٣٣٥، تهافت الفلاسفة ص ١٢.
[ ٩٧ ]
كما كان إعجابهم بمنطق أرسطو كبيرًا، ولهذا ألف كل واحد منهم رسالة في الحدود على قواعد منطق أرسطو ومصطلحاته، وبدءًا من جابر بن حيان المتوفى سنة١٦٠هجرية، يتبين لنا تدرج دخول المصطلحات الفلسفية إلى العرب، بما فيها من مصطلحات تخص العلم الإلهي - كما يسمونه -، ورسالته في الحدود تبين انتساب جابر إلى الفلاسفة، حيث يؤيد ذلك النصوص الفلسفية التي تألفت منها تلك الرسالة، وهي تدل دلالة أكيدة على أن معرفة جابر بالفلسفة اليونانية وثيقة وأكيدة١.
ثم ننتقل إلى رسالة الحدود والرسوم للكندي المتوفى سنة٢٦٠ هجرية، ونجد أن كثيرًا من التعريفات التي ضمنها رسالته يرجع إلى الفلسفة اليونانية٢. أما الفارابي المتوفى سنة ٣٣٩ هجرية فقد امتلأت رسائله الصغيرة، وكتبه المطولة، على السواء بعدد ضخم من الحدود والرسوم للمصطلحات الفلسفية٣. كما نجد الخوارزمي الكاتب المتوفى سنة ٣٨٧ هجرية قد ألف كتاب مفاتيح العلوم، وأفرد فيه بابًا للألفاظ الفلسفية، وبابًا للمنطق. وابن سينا ألف رسالة في الحدود والرسوم على نسق رسالة الكندي في الحدود والرسوم، فهي مأخوذة من الفلسفة الأرسطية٤، كما ألف الشفا والنجاة في المنطق والإلهيات وهي مليئة بالمصطلحات الفلسفية.
يقول ابن سينا في مقدمة كتابه النجاة: "فبدأت بإيراد الكفاية من صناعة المنطق لأنه الآلة العاصمة للذهن عن الخطأ فيما نتصوره ونصدق به، والموصلة إلى الاعتقاد الحق بإعطاء أسبابه ونهج سبله"١.
فهؤلاء الفلاسفة خلطوا علوم المسلمين بعلوم اليونان، وجعلوا فلسفة اليونان هي الأصل الذي تبنى عليه العلوم، فأفسدوا بذلك، وحرفوا كثيرًا من الألفاظ والمصطلحات في أصول الدين وعلوم الشريعة.
_________________
(١) انظر: المصطلح الفلسفي عند العرب للدكتور الأعسم ص ١٧ - ١٨، ٢١، الفهرست لابن النديم ص٤٩٨ - ٤٩٩، كشف الظنون ٢/١٤٥٠، ١٩١١، وانظر رسالة الحدود لجابر بن حيان، وهي مطبوعة ضمن كتاب المصطلح الفلسفي ص ١٦٤ - ١٨٥.
(٢) انظر: المصطلح الفلسفي عند العرب ص٣٧، رسالة الحدود والرسوم للكندي ضمن المصطلح الفلسفي ص ١٨٩ - ٢٠٣.
(٣) انظر: المصطلح الفلسفي عند العرب ص٤٧، وانظر رسالة الألفاظ المستعملة في المنطق للفارابي وغيرها من مؤلفاته.
(٤) انظر: المصطلح الفلسفي عند العرب ص ٦٧.
(٥) النحاة ١/٦.
[ ٩٨ ]