يعتمد أهل السنة على الآثار المنقولة عن السلف؛ من الصحابة والتابعين، في بيان كلام الله ورسوله - ﷺ -، فهم الأعلم بها من غيرهم، وهكذا فألفاظهم في العقيدة مأخوذة من كلام الله ورسوله، أو مبينة لها بعبارات صحيحة، بناءً على لغتهم العربية الفصيحة، وصحة فهمهم للألفاظ الشرعية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "والطريق إلى معرفة ما جاء به الرسول أن تعرف ألفاظه الصحيحة، وما فسرها به الذين تلقوا عنه اللفظ والمعنى، ولغتهم التي كانوا يتخاطبون بها، وما حدث من العبارات وتغير من الاصطلاحات"١.
ويقول أيضًا: "إن المرجع في ثبوت هذه الأسماء عن الشارع، وفي بيان معناها إلى من نقل عنه القرآن والحديث لفظه ومعناه، وهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين تلقوا الإيمان والقرآن والحديث بعضهم عن بعض حتى يصل إليه، أو أخذ ذلك هو بلغته التي كان يخاطب بها"٢.
وهكذا كان السلف المتقدمون، يأخذون عن سلفهم من الصحابة والتابعين ألفاظهم في العقيدة، يقول الإمام أحمد - ﵀ -: "لست أتكلم إلا ما كان في كتاب الله، وسنة رسول الله - ﷺ - أو عن الصحابة أو عن التابعين، وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود"٣.
ويقول الإمام ابن القيم - ﵀ -: "فإذا كان الصحابة تلقوا عن نبيهم معاني القرآن كما تلقوا عنه ألفاظه، لم يحتاجوا بعد ذلك إلى لغة أحد، فنقل معاني القرآن عنهم كنقل
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/١٥٩.
(٢) المرجع السابق ١/١٩٠.
(٣) الإبانة لابن بطة ٢/٥٣٨ - ٥٣٩.
[ ٧١ ]
ألفاظه سواء، ولا يقدح في ذلك تنازع بعضهم في بعض معانيه، كما وقع من تنازعهم في بعض حروفه، وتنازعهم في بعض السنة لخفاء ذلك على بعضهم"١.
ويقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "إن ما نطق به الكتاب وبينه، أو ثبت بالسنة الصحيحة، أو اتفق عليه السلف الصالح، فليس لأحد أن يعارضه معقولًا ونظرًا أو كلامًا وبرهانًا وقياسًا عقليًا أصلًا، بل كل ما يعارض ذلك فقد علم أنه باطل علمًا كليًا عامًا"٢.
وهو يقول عن نفسه في التزامه ذلك: "وأنا لا أقول إلا ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة"٣.
والسلف الصالح يعلمون من مراد الله ورسوله مالا يعلمه غيرهم، وهم الذين نقلوا ألفاظ الرسول، ومعاني ألفاظه، فكانوا أحرى بالاتباع. يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "إن أهل العلم والإيمان يعلمون من مراد الله ورسوله بكلامه، أعظم مما يعلمه الأطباء عن كلام جالينوس، والنحاة من كلام سيبويه.. وجماع هذا أن يعلم أن المنقول عن الرسول - ﷺ - شيئان: ألفاظه وأفعاله، ومعاني ألفاظه ومقاصده بأفعاله، وكلاهما منه ما هو متواتر عند العامة والخاصة، ومنه ما هو متواتر عند الخاصة ومنه ما يختص بعلمه بعض الناس"٤.
فآثار السلف الصالح هي المصدر الرابع لألفاظ العقيدة عند أهل السنة، وانطلاقًا من هذه المصادر بنى أهل السنة قواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، وهي ما سأبينه في المبحث التالي - إن شاء الله -.
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة ٢/٤٥٩.
(٢) بيان تلبيس الجهمية ١/٢٤٧.
(٣) التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/٣، ٢٦.
(٤) درء التعارض ١/١٩٦.
[ ٧٢ ]