يعد الكشف المصدر الرئيس للمعرفة عند الصوفية، ومن دخل في التصوف من فلاسفة ومتكلمين، وما وافق الكشف عندهم من الكتاب والسنة أقروه، وما خالف كشفهم تأولوه!!.
والكشف عند الصوفية: هو الاطلاع على ما وراء الحجاب، من المعاني الغيبية والأمور الخفية الحقيقية وجودًا أو شهودًا١.
وكما نصب المتكلمون العقل حاكمًا على النقل، ينصب هؤلاء الصوفية الكشف حاكمًا على النقل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض رده على من قدم العقل على النقل: "وهذا الذي ذكره هذا في العقل، ذكره طائفة أخرى في الكشف، كما ذكرهأبو حامد في كتابه الإحياء، في الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول، وذكر أنه لا يستدل بالسمع على شيء من العلم الخبري، وإنما الإنسان يعرف الحق بنور إلهي يقذف في قلبه، ثم يعرض الوارد في السمع عليه، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه"٢.
قال أبو حامد في بيان الكشف الذي يحصل لبعض الخواص: "القلب مثل المرآة، واللوح المحفوظ مثل المرآة أيضًا، لأن فيه صورة كل موجود؛ وإذا قابلت المرآة بمرآة أخرى حلت صور ما في إحداهما في الأخرى، وكذلك تظهر صور ما في اللوح المحفوظ إلى القلب إذا كان فارغًا من شهوات الدنيا، فإن كان مشغولًا بها كان عالم الملكوت محجوبًا عنه، وإن كان في حال النوم فارغًا من علائق الحواس طالع جواهر عالم الملكوت، فظهر فيه بعض الصور التي في اللوح المحفوظ، وإذا أغلق باب الحواس كان بعده الخيال، لذلك يكون الذي يبصره تحت ستر القشر، وليس كالحق الصريح مكشوفًا، فإذا مات أي
_________________
(١) انظر: التعريفات للجرجاني ص ٢٣٥، التوقيف ص ٦٠٤، المعجم الصوفي د. الحفني ص ٢٠٨، ٢٣٨، معجم الكلمات الصوفية لأحمد النقشبندي ص ١٨٤، وانظر البحث ص ٤٦١وما بعدها.
(٢) درء التعارض ٥/٣٣٩ - ٣٤٠، وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٢١٢، الرد على المنطقيين ص ٥١٠.
[ ١٠١ ]
القلب بموت صاحبه، لم يبق خيال ولا حواس، وفي ذلك الوقت يبصر بغير وهم وغير خيال، ويقال له: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق - ٢٢] "١.
ويبين أنه عن طريق الرياضة والمجاهدة ينفتح له ذلك وأنه يبصر في اليقظة الذي يبصره في النوم فتظهر له أرواح الملائكة والأنبياء والصور الحسنة الجميلة الجليلة، وينكشف له ملكوت السموات والأرض، ويرى ما لا يمكن شرحه ولا وصفه - كما يقول -٢.
وهذا الذي يقع في قلوب الأولياء هنا يقع في قلوبهم بلا واسطة من حضرة الحق - تعالى - كما يقول الغزالي - فهم مثل علم الأنبياء٣. وهو هنا يقترب من الفلاسفة في تعريفهم للنبوة؛ وهو مما أغلظ فيه كثير من العلماء على الغزالي٤.
وهذا الكشف هو الحاكم على السمع، فما وافق الكشف أخذوه، وما خالف الكشف أولوه، يقول الغزالي: "وحد الاقتصاد بين هذا الانحلال كله وبين جمود الحنابلة دقيق غامض، لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي، لا بالسماع، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه، نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه. فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد، فلا يستقر له فيها قدم، ولا يتعين له موقف"٥.
ويقول الرازي في بيان الطريق للكشف وأنه من الطرق الموصلة إلى المعارف المقدسة: "اعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الطريق إليه من وجهين: أحدهما: طريق أصحاب النظر والاستدلال. والثاني: طريق أصحاب الرياضة والمجاهدة"٦.
وقال في الطريق الثاني: "وأما الطريق الثاني، وهو طريق أصحاب الرياضة فهو طريق عجيب أكيد قاهر، فإن الإنسان إذا اشتغل بتصفية قلبه عن ذكر غير الله، وداوم بلسان جسده، ولسان روحه على ذكر الله، وقع في قلبه نور وضوء وحالة قاهرة وقوة عالية،
_________________
(١) كيمياء السعادة للغزالي ص ٢٤، وانظر: إحياء علوم الدين ٣/٢١.
(٢) انظر: كيمياء السعادة ص ٢٥.
(٣) انظر: المرجع السابق ص٢٥ - ٢٧.
(٤) انظر: الرد على المنطقيين ص ٥١٠.
(٥) إحياء علوم الدين ١/١٠٤، وانظر تعليق ابن تيمية في الدرء ٥/٣٣٩ - ٣٤٠.
(٦) المطالب العالية ١/٥٣.
[ ١٠٢ ]
ويتجلى لجوهر النفس أنوار عالية علوية، وأسرار إلهية، وهي مقامات ما لم يصل الإنسان إليها، لا يمكنه الوقوف عليها على سبيل التفصيل"١. وقال أيضًا: "عند الرياضة الشديدة يحصل للنفس كمالات عظيمة، وتلوح لها الأنوار وتتكشف لها المغيبات"٢.
والنفس قد يحصل لها نوع من الكشف، بالزهد والعبادة والرياضة والتصفية والخلوة، وغير ذلك٣، لكن ينبغي أن يربط بالكتاب والسنة، وأن يعلم أن المعارف التي تحصل بالكشف متى خالفت الكتاب والسنة، أو خالفت العقل الصريح، فهي باطلة.
فالكشف إذًا من مصادر المعرفة عند الصوفية، وقد سلطوه على ألفاظ الشرع، فما خالف كشفهم تأولوه وحرفوه عن معناه الصحيح إلى ما يوافق كشفهم.
_________________
(١) المطالب العالية ١/٥٤.
(٢) معالم أصول الدين ص ٨٥.
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٢٦٦ - ٢٦٧، مجموع الفتاوى ١١/٣١٣.
[ ١٠٣ ]