١ - معنى المعدوم في اللغة:
قال الخليل: "العَدم فقدان الشيء، وذهابه، والعُدم لغة، إذا أرادوا التثقيل فتحوا العين، وإذا أرادوا التخفيف ضموها. عدمت فلانا أعدمه عدمًا أي فقدته، أفقده، فقدًا، وفقدانًا؛ أي غاب عنك بموت، أو فقد، لا يقدر عليه، وأعدمه الله مني كذا، أي أفاته، ورجل عديم لا مال له، وقد عدم ماله، وفقده، وذهب عنه، والعديم الفقير"١.
فالعدم إذًا يدل على الفقدان والانتفاء.
ولم يرد لفظ المعدوم في كتاب الله، وورد في كتب السنة قول خديجة لرسول الله - ﷺ -: "كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"٢. قيل: أرادت تكسب الناس الشيء المعدوم الذي لا يجدونه مما يحتاجون إليه، وقيل: أرادت بالمعدوم الفقير الذي صار من شدة حاجته كالمعدوم نفسه٣.
٢ - معنى المعدوم في الاصطلاح:
يعرف أهل السنة، وكثير من المتكلمين، المعدوم بتعريفات متقاربة، فيقول شيخ الإسلام: "المعدوم الذي لا وجود له"٢.
ويقول الباقلاني في تعريف المعدوم: "هو المنتفي الذي ليس بشيء" ٥.
ويقول الرازي عن المعدوم أنه: "نفي محض"٣.
_________________
(١) ١ – العين ٢/٥٦، وانظر: الصحاح ٥/١٩٨٢، لسان العرب ١٢/٣٩٢، القاموس المحيط ص١٤٦٧.
(٢) جزء من حديث أخرجه البخاري في مواضع كثيرة منها في كتاب بدء الوحي، الباب الثالث ١/١٤، ح ٣، وبنحوه مسلم في كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ١/١٣٩ - ١٤١، ح ١٦٠.
(٣) انظر: لسان العرب ١٢/٣٩٣.
(٤) درء التعارض ٦/١١٩، ٣/٤٠٩.
(٥) الإنصاف ص١٥.
(٦) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص٥٥.
[ ٢٧٠ ]
ويذكر الباقلاني أنواع المعدوم فيقول: "والمعدوم منتف ليس بشيء، فمنه معلوم معدوم لم يوجد قط، ولا يصح أن يوجد، وهو المحال الممتنع الذي ليس بشيء، وهو القول المتناقض، نحو اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين، وما جرى مجرى ذلك مما لم يوجد قط ولا يوجد أبدًا. ومنه معدوم لم يوجد قط ولا يوجد أبدًا، وهو مما يصح ويمكن أن يوجد، نحو ما علم الله أنه لا يكون من مقدوراته..ومعلوم معدوم في وقتنا هذا وسيوجد فيما بعد نحو الحشر والنشر"١.
ويرى كثير من المعتزلة، والرافضة، أن المعدوم شيء، يقول ابن رشد: "وهذا المعدوم الممكن، ليس هو ممكنًا من جهة ما هو معدوم، ولا من جهة ما هو موجود بالفعل، وإنما هو ممكن من جهة ماهو بالقوة. ولهذا قالت المعتزلة إن المعدوم هو ذات ما؛ أعني المعدوم في نفسه، من جهة ما هو بالقوة، أعني أنه من جهة القوة، والإمكان، الذي له، يلزم أن يكون ذاتًا ما في نفسه، فإن العدم ذات ما"٢.
ويقول الرازي: "المعدوم إما أن يكون ممتنع الثبوت، ولا نزاع في أنه نفي محض، وإما أن يكون ممكن الثبوت، وهو عندنا، وعند أبي الهذيل، وأبي الحسين البصري من المعتزلة، نفي محض، خلافًا للباقين من المعتزلة"٣.
والقول بأن المعدوم شيء ثابت في العدم، هو مذهب باطل بالعقل الموافق للكتاب والسنة والإجماع. فالعدم يضاد الوجود والثبوت، فكيف يكون المعدوم شيء ثابت في العدم؟ فهذا قول ظاهر التناقض.
وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها، وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب، في اللوح المحفوظ، وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله - تعالى -، ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله - ﷾ - كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق، قبل أن يخلقها، فيفرقون بين الوجود العلمي، وبين الوجود العيني٤. وبفهم ذلك يتضح حقيقة المعدوم، وأنه يعني المنتفي الذي لا وجود له.
_________________
(١) التمهيد ص٤٠.
(٢) تهافت التهافت ص٧٧.
(٣) المحصل ص٥٥، وانظر: الكليات ص٦٥٥، درء التعارض ٥/١٠٢.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى ٢/٤٦٩ - ٤٧٠، الجواب الصحيح ٤/٣٠٠، الدرء ٢/٢٨٩.
[ ٢٧١ ]