"إمكان الأجسام"
١ - معنى إمكان الذوات والأجسام في اللغة:
سبق تعريف الممكن في اللغة، وقد بينت أن الإمكان في اللغة القدرة على الشيء١، كما سبق تعريف الجسم٢.
أما الذوات في اللغة فهي جمع ذات، وهي تأنيث ذو الذي بمعنى صاحب، قال الجوهري: "وأما ذو الذي بمعنى صاحب فلا يكون إلا مضافًا، فإن وصفت به نكرة، أضفته إلى نكرة، وإن وصفت به معرفة، أضفته إلى الألف واللام"٣. وقال الراغب: "ذو على وجهين: أحدهما: يتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس والأنواع، ويضاف إلى الظاهر دون المضمر، ويثنى ويجمع، ويقال في المؤنث ذات، وفي التثنية ذواتا، وفي الجمع ذوات، ولا يستعمل شيء منها إلا مضافًا، قال - تعالى -: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة - ٢٥١]، وقال: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم - ٦] " ٤.
وقد اختلف بعض العلماء في لفظ ذات هل هو من العربية أم هو لفظ مولد، ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما أنه لفظ مولد، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "وفصل الخطاب أنها ليست من العربية العرباء، بل من المولدة، كلفظ الموجود، ولفظ الماهية، والكيفية، ونحو ذلك، فهذا اللفظ يقتضي وجود صفات، تضاف الذات إليها، فيقال ذات علم، وذات قدرة، وذات كلام، والمعنى كذلك، فإنه لا يمكن وجود شيء قائم بنفسه في
_________________
(١) انظر: البحث ص٢٧٥.
(٢) انظر: البحث ص٢٤٩.
(٣) الصحاح ٦/٢٥٥١.
(٤) المفردات ص٣٣٣.
[ ٣٠٣ ]
الخارج، لا يتصف بصفة ثبوتية أصلًا، بل فرض هذا في الخارج، كفرض عرض يقوم بنفسه لا بغيره"١.
وقد ورد في السنة عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله - ﷿ -؛ قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات - ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء - ٦٣] .."٢، ومعنى في ذات الله أي "في جهة الله وناحيته، أي لأجل الله ولابتغاء وجهه، ليس المراد بذلك النفس، ونحوه في القرآن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال - ١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران - ١١٩] أي الخصلة والجهة التي هي صاحبة بينكم، وعليم بالخواطر، ونحوها، التي هي صاحبة الصدور، فاسم الذات في كلام النبي - ﷺ -، والصحابة، والعربية المحضة بهذا المعنى، ثم أطلقه المتكلمون وغيرهم على النفس بالاعتبار الذي تقدم، فإنها صاحبة الصفات، فإذا قالوا الذات فقد قالوا التي لها الصفات"٣. وقال الراغب: "وقد استعار أصحاب المعاني الذات، فجعلوها عبارة عن عين الشيء، جوهرًا كان أو عرضًا، واستعملوها مفردة، ومضافة إلى المضمر بالألف واللام، وأجروها مجرى النفس، والخاصة، فقالوا ذاته، ونفسه، وخاصته، وليس ذلك من كلام العرب"٤. فالذوات جمع ذات، وهي تأنيث ذو، فتكون بمعنى صاحبة.
ولم يرد دليل إمكان الذوات في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -.
_________________
(١) مجموع الفتاوى٦/٩٩، وانظر: المصدر نفسه ٥/٢٨٣، درء التعارض١٠/١٥٧، الصواعق المرسلة٤/١٣٨١ - ١٣٨٥، بدائع الفوائد ٢/٦ - ٨.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء - ١٢٥] ٢/٤٦١، ح ٣٣٥٨، ومسلم في كتاب الفضائل باب من فضائل إبراهيم الخليل ﵊ ٤/١٨٤٠، ح ٢٣٧١.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/٣٤٢.
(٤) المفردات ص٣٣٣.
[ ٣٠٤ ]
٢ - معنى إمكان الذوات في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين:
هذا الدليل هو عمدة الفلاسفة أمثال ابن سينا وأتباعه، وهو من الأدلة التي استدل بها متأخرو المتكلمين في إثبات وجود الله، وقد أخذوا هذا الدليل عن الفلاسفة، وهي طريقة لم يسلكها أرسطو، بل ولا سلكها جماهير الفلاسفة قبل ابن سينا١.
يقول الرازي: "الناس قد توصلوا إلى إثبات واجب الوجود بطرق. فمن الناس من توصل بطريقة الإمكان، وهي معتمد الحكماء"١. وقوله الحكماء هنا يحتاج إلى تعقيب، إذ كما أسلفت لم يسلك هذه الطريقة غير ابن سينا ومن جاء بعده. أما تعريف الإمكان فيقول الرازي: "إن مرادنا من لفظ الإمكان، هو كون الشيء بحيث يجوز أن يستمر على ما كان عليه قبل ذلك، ويجوز أن لا يبقى على ما كان عليه قبل ذلك"٣.
وهذا الدليل يعتمد على تقسيم الموجودات إلى واجب وممكن، وفي شرح هذا الدليل يقول الرازي: "نقول لا شك في وجود موجود، وكل موجود فإما أن تكون حقيقته مانعة من قبول العدم، وإما أن لا تكون. فالأول هو الواجب لذاته، والثاني هو الممكن لذاته. فثبت أنه لابد من الاعتراف بوجود موجود، وثبت أن كل موجود، فهو إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته، ينتج أن في الوجود إما موجود واجب الوجود لذاته، وإما موجود لذاته ممكن لذاته، إن كان الأول فهو المطلوب، وإن كان الثاني فنقول الممكن لذاته لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، وذلك المرجح إن كان واجبا لذاته فهو المطلوب. وإن كان ممكنًا لذاته عاد التقسيم الأول فيه، فإما أن يتسلسل، أو يدور، وهما محالان، وإما أن ينتهي إلى أن ينتهي إلى موجود، واجب الوجود لذاته، وهو المطلوب"٢.
ويعلق شيخ الإسلام - ﵀ - على هذا الدليل فيقول: "وأما القول بإمكان الأجسام فهو مبني على أن الموصوف ممكن، بناء على أن المركب ممكن، وعلى نفي الصفات، وهي
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٥/٢٩٢، ٣/٣٣٤ - ٣٣٥، الصفدية ٢/١٨٠ - ١٨١.
(٢) المباحث المشرقية ٢/٤٦٧ - ٤٦٨.
(٣) المطالب العالية ١/٢٠٥.
(٤) المرجع السابق ١/٧٢، وانظر: معالم أصول الدين ص٣٣، النجاة ص ٦٤، ٧٧ - ٧٨، الإشارات ٣/٤٨٢ - ٤٨٣، الدرء ٣/١٦٦- ١٦٧، الفتاوى ١/٤٩.
[ ٣٠٥ ]
طريقة أحدثها ابن سينا وأمثاله، وركبها من مذهب سلفهم، ومذهب الجهمية "١. فالمعتزلة قسموا الوجود إلى محدث وقديم، وبينوا ثبوت القديم، فأخذ ابن سينا يقسمه إلى واجب وممكن، وغرضه إثبات وجود الواجب، بدون إثبات حدوث العالم، وجعل وجود العالم ممكنًا، وخالف بذلك طريقة سلفه الفلاسفة، فإن الممكن عندهم لا يكون موجودًا٢.
٣ - مناقشة هذا الدليل:
دليل إمكان الذوات الذي يعتمده ابن سينا وأتباعه، باطل من وجوه:
الوجه الأول: أنه قد علم بالاضطرار من دين الرسول، والنقل المتواتر، أنه دعا الخلق إلى الإيمان بالله ورسوله، ولم يدع الناس بهذه الطريق، ولم يدع بها أحد من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، الذين هم خير هذه الأمة، وأفضلها علما وإيمانا. فهي طريق مبتدعة، فكيف يجوز أن يقال: إن تصديق الرسول موقوف عليها٣.
الوجه الثاني: أن هذا الدليل مبني على نفي الصفات، ومعلوم أن أكثر العقلاء ينازعونهم في هذا، ويقولون هذا قول باطل، فيمتنع أن يكون العلم بالصانع موقوفا على طريق فاسد٤.
الوجه الثالث: أن جماهير العقلاء من المسلمين واليهود والنصارى، والفلاسفة القدماء والمتأخرين، يقدحون في موجب هذا الدليل، وليس هو طريقة أرسطو وقدماء الفلاسفة، ولا طريقة ابن رشد وأمثاله من المتأخرين، بل هذا المسلك عند جمهور العالم من أعظم الأقوال فسادا في الشرع والعقل٥، يقول الغزالي: "وأما الفلاسفة فقد رأوا أن العالم قديم، ثم أثبتوا له صانعا مع ذلك، وهذا المذهب بوضعه متناقض، لا يحتاج فيه إلى إبطال"٦. فابن سينا في هذا الدليل، قد قسم الوجود إلى واجب وممكن، وأثبت الواجب بهذا الطريق، ولكن هذا بناء على
_________________
(١) درء التعارض ١/٩٨ - ٩٩.
(٢) انظر: الصفدية ٢/١٩.
(٣) انظر: درء التعارض١/٩٧ - ٩٨.
(٤) انظر: المرجع السابق١/٩٨ - ٩٩.
(٥) انظر: المرجع السابق ٥/٢٩٣.
(٦) تهافت الفلاسفة ص٧٩.
[ ٣٠٦ ]
أن القديم ممكن، وله ماهية تقبل الوجود والعدم، وهذا مما خالفه فيه جمهور العقلاء من الفلاسفة، والمتكلمين وغيرهم، حتى أنه هو تناقض في ذلك فوافق سلفه وجميع العقلاء، وصرح بأن الممكن لا يكون إلا ما يقبل الوجود والعدم، ثم تناقض بقوله أن ذات الممكن قد تكون قديمة أزلية واجبة بغيرها١. والقدم ووجوب الوجود متلازمان عند عامة العقلاء، الأولين والآخرين، ولم يعرف عن طائفة منهم نزاع في ذلك إلا ما أحدثه هؤلاء، فإنا نشهد موجودات كثيرة، حدثت بعد أن لم تكن، ونشهد عدمها بعد أن كانت، وما كان معدوما أو سيكون معدوما لا يكون واجب الوجود، ولا قديما أزليا٢.
الوجه الرابع: أن هؤلاء إذا قدر أنهم أثبتوا واجب الوجود، فليس في دليلهم أنه مغاير للسماوات والأفلاك، وهذا مما بين تهافتهم فيه الغزالي وغيره، لكن عمدتهم أن الجسم لا يكون واجبا، لأنه مركب، والواجب لا يكون مركبا، هذا عمدتهم وهو قول باطل، وما زال النظار يبينون فساد هذا القول، كل بحسبه، كما بين الغزالي فساده بحسبه٣.
فهذا الدليل الذي اعتمده الفلاسفة في إثبات وجود الله باطل عقلا وشرعا، وهو غير محصل للمقصود، كما أنهم قد تناقضوا في أهم مصطلحات هذا الدليل وهو لفظ الإمكان، إذ قد جعلوا الممكن قديما أزليا، وهذا يدل بجلاء على تخبط وفساد مذهب الفلاسفة في الإلهيات.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٣/٣٣٥ - ٣٣٧.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ١/٤٩.
(٣) انظر رد الغزالي في تهافت الفلاسفة ص٧٩ - ٨٢. وانظر: مجموع الفتاوى ١/٤٩ - ٥٠.
[ ٣٠٧ ]