١ - معنى التغير في اللغة:
يقول ابن فارس: "قولنا هذا غير ذاك، أي هو سواه وخلافه. ومن الباب الاستثناء بغير، تقول: عشرة غير واحد، ليس هو من العشرة"١.
وقال الجوهري: "والغير أيضا الاسم من قولك غيرت الشيء فتغير..وتغايرت الأشياء، اختلفت، والغيار البدال"٢.
وفي اللسان: "وتغير الشيء عن حاله تحول. وغَيَّره: حوله وبدله، كأنه جعله غير ما كان، وفي التنزيل العزيز: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال - ٥٣]، قال ثعلب: معناه حتى يبدلوا ما أمرهم الله. والغير: الاسم منالتغير"٣.فالتغير في اللغة هو التحول من شيء إلى آخر.
٢ - معنى التغير في الشرع:
ولم يرد دليل التغير في الكتاب أو السنة، وقد ورد في كتاب الله لفظ يغير ومغير ويتغير، قال - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد - ١١]، قال الطبري: "يقول - تعالى ذكره - إن الله لا يغير ما بقوم من عافية، ونعمة، فيزيل ذلك عنهم ويهلكهم، حتى يغيروا ما بأنفسهم من ذلك، بظلم بعضهم بعضًا، واعتداء بعضهم على بعض، فتحل بهم حينئذ عقوبته وتغييره"٤.
وقال - تعالى -: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد - ١٥]، ويبين الراغب معنى التغيير فيقول: "والتغيير يقال على وجهين: أحدهما: لتغيير صورة الشيء دون ذاته. يقال غيرت
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ٤/٤٠٤، وانظر: العين ٨/٤٤١.
(٢) الصحاح ٢/٧٧٦.
(٣) لسان العرب ٥/٤٠.
(٤) تفسير الطبري ١٣/١٢١.
[ ٣٠٠ ]
داري: إذا بنيتها بناء غير الذي كان. والثاني: لتبديله بغيره. نحو: غيرت غلامي ودابتي، إذا أبدلتهما بغيرهما. نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد - ١١] "١.
٣ - معنى دليل التغير في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة:
يقول الرازي: "وأما الخليل - ﷺ -، فقد حكى الله - تعالى - عنه في كتابه، أنه استدل بحصول التغير في أحوال الكواكب، على حدوثها"٢.
ويستدل كثير من المتكلمين بقصة إبراهيم، ويقولون إن إبراهيم استدل بالأفول على الحدوث. كما أن ابن سينا استدل بالأفول على الإمكان، ويقولون: الحادث والممكن ليس بواجب. يقول شيخ الإسلام مبينًا كلامهم: "ثم إنه لما قال هؤلاء إن الأفول هو الحدوث، والأفول هو التغير، فبنى ابن سينا وأتباعه من الدهرية على هذا، وقالوا: ما سوى الله ممكن، وكل ممكن فهو آفل، فالآفل لا يكون واجب الوجود.. فيستدلون بالتغير على الإمكان، كما استدل الأكثرون من هؤلاء بالتغير على الحدوث، وكل من هؤلاء يقول: هذه طريقة الخليل"٣.
٤ - مناقشة الدليل:
أولًا: أن استدلالهم بقصة إبراهيم الخليل - ﵇ - باطل، فقد علم باتفاق أهل اللغة والمفسرين أن الأفول ليس هو الحركة، سواء كانت حركة مكانية وهي الانتقال، أو حركة في الكم كالنمو، أو في الكيف كالتسود والتبيض، ولا هو التغير، فلا يسمى في اللغة كل متحرك أو متغير آفلًا، ولا أنه أفل، لا يقال للمصلي أو الماشي إنه آفل، ولا يقال للتغير الذي هو استحالة؛ كالمرض، واصفرار الشمس، إنه أفول، وإنما يقال للشمس أفلت إذا غابت
_________________
(١) المفردات ص٦١٩.
(٢) أساس التقديس ص١/٥٢٧، وانظر: الإنصاف ص٣٠.
(٣) درء التعارض ١/١٠٢ - ١٠٣.
[ ٣٠١ ]
واحتجبت، وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب، أن آفلًا بمعنى غائب، وقد أفلت الشمس، تأفِلُ، وتأفُلُ، أفولًا، أي غابت١.
ثانيًا: أن قول القائل: "كل متحرك محدث، أو كل متحرك ممكن يقبل الوجود والعدم"، فهذه المقدمة ليست ضرورية فطرية باتفاق العقلاء، بل من يدعي صحة ذلك يقول إنها لا تعلم إلا بالنظر الخفي، ومن ينازع في ذلك يقول إنها باطلة عقلًا وسمعًا، ويمثل من مثل بها في أوائل العلوم الكلية لقصوره وعجزه، وأما قوله: "كل متغير محدث أو ممكن" فإن أراد بالتغير ما يعرف من ذلك في اللغة، مثل استحالة الصحيح إلى المرض، والعادل إلى الظلم، والصديق إلى العداوة، فإنه يحتاج في إثبات هذه الكلية إلى دليل، وإن أراد بالتغير معنى الحركة، أو قيام الحوادث مطلقًا، حتى تسمى الكواكب حين بزوغها متغيرة، ويسمى كل متكلم ومتحرك متغيرًا، فهذا مما يتعذر عليه إقامة الدليل فيه على دعواه٢.
فدليل التغير الذي زعموه دليلًا، فاسد، لأنهم بنوه على أن معنى الأفول هو التغير، وهذا ليس بصحيح، كما بنوه على أن التغير هو التحرك، والتكلم، ونحو ذلك، وهذا ظاهر الفساد؛ بل ويتعذر عليهم إقامة الدليل عليه. ومن لوازمه الفاسدة نفي الصفات الفعلية المتعلقة بالقدرة والمشيئة.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/١٠٩.
(٢) انظر: المرجع السابق ١/١١٢ - ١١٣.
[ ٣٠٢ ]