١ - معنى واجب الوجود في اللغة:
سبق بيان معنى الوجود في اللغة١، وأما لفظ واجب فيقول الجوهري: "وجب الشيء أي لزم، يجب وجوبًا، وأوجبه الله..ووجب الميت إذا سقط ومات، ويقال للقتيل واجب"٢.
وقال ابن فارس: "الواو والجيم والباء أصل واحد، يدل على سقوط الشيء ووقوعه، ثم يتفرع"٣، وفي اللسان: "وجب الشيء يجب وجوبًا أي لزم، وأوجبه هو، أو استوجبه أي استحقه"٤. فالوجوب في اللغة هو اللزوم، كما يأتي بمعنى السقوط.
ولم يرد لفظ واجب الوجود في القرآن الكريم، ولم يرد في أحاديث الرسول - ﷺ -. وورد لفظ وجب في القرآن في قوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج - ٣٦] .
وورد لفظ الواجب في السنة نحو قوله - ﷺ -: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" ٥، أي لازم وثابت٦.
_________________
(١) انظر: البحث ص١٨٧.
(٢) الصحاح ١/٢٣٢، وانظر: العين ٦/١٩٣.
(٣) معجم مقاييس اللغة ٦/٨٩.
(٤) لسان العرب١/٧٩٣.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان ١/٢٨٥، ح ٨٩٥، ومسلم في كتاب الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة ٢/٥٨٠، ح ٨٤٦.
(٦) النهاية في غريب الحديث ٥/١٥٢.
[ ٢٨٠ ]
٢ - معنى واجب الوجود في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين:
قد بينت فيما سبق أن تقسيم الموجودات إلى واجب وممكن مستحدث من ابن سينا ومن جاء بعده، وفي تعريف الواجب يقول ابن سينا: "إن الواجب الوجود، هو الموجود الذي متى فرض غير موجود، عرض منه محال..والواجب الوجود هو الضروري الوجود"١.
ويقسم واجب الوجود إلى قسمين فيقول: "ثم إن الواجب الوجود قد يكون واجبًا بذاته، وقد لا يكون بذاته، أما الذي هو واجب الوجود بذاته فهو الذي بذاته، لا لشيء آخر، أي شيء كان يلزم محال من فرض عدمه. وأما الواجب الوجود لا بذاته، فهو الذي لو وضع الشيء مما ليس هو، صار واجب الوجود"٢. وتابعه على هذا التقسيم بعض متأخري المتكلمين كالرازي٣.
ويقول الرازي: "..فسرنا واجب الوجود بذاته، بأنه الموجود الذي تكون حقيقته غير قابلة للعدم البتة"٤.
وعرفه الرازي أيضًا بأنه الذي يكون غنيًا في وجوده عن السبب٥. وقال التفتازاني: "الوجوب ضرورة الوجود أو اقتضاؤه أو استحالته العدم"٦. وفي الصحايف: "الواجب بالذات ما يقتضي لذاته وجوده في الخارج"٧.
٣ - موقف أهل السنة من لفظ واجب الوجود:
لفظ واجب الوجود غير وارد في كلام الله - تعالى -، ولا في كلام رسوله - ﷺ - كما أسلفت، وقد استحدثه الفلاسفة المتأخرون، يقول شيخ الإسلام: "وأما الكلام بلفظ الواجب الوجود، وممكن الوجود، فهذا من كلام ابن سينا وأمثاله، الذين اشتقوه من كلام المتكلمين المعتزلة ونحوهم، وإلا فكلام سلفهم، إنما يوجد فيه لفظ العلة والمعلول"٨.
_________________
(١) النجاة ٢/٧٧، وانظر: معيار العلم ص٣٣١، المبين ص٧٩.
(٢) النجاة ٢/٧٧، وانظر: معيار العلم ص٣٣١ - ٣٣٢، المبين ص٧٩، التعريفات ص٣٠٤.
(٣) انظر: المباحث المشرقية١/٢١٤.
(٤) المطالب العالية ١/١٣٤.
(٥) انظر: المرجع السابق ١/١٣٤.
(٦) شرح المقاصد ١/٤٥٨.
(٧) الصحايف الإلهية ص١٢٤.
(٨) الصفدية ٢/١٨٠، وانظر: منهاج السنة النبوية ٢/١٣٢.
[ ٢٨١ ]
فالفلاسفة المتأخرون غالب ما يسمون الرب - تعالى - بواجب الوجود١، وقلدهم في ذلك متأخرو الأشاعرة٢، وهذا غير صحيح؛ لعدم ورود هذا اللفظ، فضلًا عن أن يكون من الأسماء الحسنى.
وأهل السنة قد يطلقون واجب الوجود على الله، من باب الإخبار عن الله، وذلك في المناظرات، والمناقشات، مع من يستخدم هذا اللفظ. كما أنهم يرون أن الوجوب الذي دل عليه الدليل هو وجوده - سبحانه - بنفسه، واستغناؤه عن موجد. بينما يضيف الفلاسفة إلى هذا اللفظ معاني أخرى غير صحيحة.
يقول شيخ الإسلام عن ابن سينا: "فسلك طريق تقسيم الوجود إلى الواجب والممكن، كما يقسمونه هم إلى القديم والمحدث٣. وتكلم على خصائص واجب الوجود بكلام بعضه حق وبعضه باطل، لأن الوجوب الذي دل عليه الدليل، إنما هو وجوده بنفسه، واستغناؤه عن موجد، فحمل هو هذا اللفظ ما لا دليل عليه، مثل عدم الصفات، وأشياء غير هذه. وهذا اشتقه من كلام المعتزلة في القديم، فلما أثبتوا قديمًا، وأخذوا يجعلون القدم مستلزمًا لما يدعونه من نفي الصفات، جعلوا الوجود٤ الذي ادعاه، كالقدم الذي ادعوه، وليس في واحد منهما ما يدل على مقصود الطائفتين"٥.
ولفظ واجب الوجود فيه إجمال؛ فقد يراد به الموجود بنفسه، الذي لا فاعل له، ولا علة فاعلة له، وذات الرب - ﷿ - وصفاته واجبة الوجود بهذا الاعتبار. ويراد به مع ذلك المستغني عن محل يقوم به، والذات بهذا المعنى واجبة دون الصفات. ويراد به ما لا تعلق له بغيره، أو ما لا يلازم غيره لينفوا بذلك صفاته اللازمة له وهذا باطل٦. ولذلك لابد من الاستفصال عن المراد بهذا اللفظ.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٢/٣٩١.
(٢) انظر: شرح أسماء الله الحسنى ص٣٥٩.
(٣) أي كما يقسمه المتكلمون من المعتزلة وأمثالهم.
(٤) لعلها الوجوب.
(٥) الصفدية ٢/١٨١، وانظر: منهاج السنة النبوية ٢/١٣١ - ١٣٢.
(٦) انظر: الجواب الصحيح ٣/٢٨٩ - ٢٩٠، منهاج السنة ٢/١٣١ - ١٣٢، درء التعارض٨/١٢٣ - ١٢، الصفدية٢/٢٨ - ٢٩.
[ ٢٨٢ ]