وَقد تكلم الْمُؤلف عَن الْقَدَرِيَّة فِيمَا ذكره من الْآيَات وَالْأَحَادِيث والْآثَار المروية عَن الْأَئِمَّة فِي بَابَيْنِ من هَذَا الْكتاب وَهِي الْبَاب السَّابِع من الْجُزْء التَّاسِع وعنوانه بَاب مَا رُوِيَ فِي المكذبين بِالْقدرِ
وَالْبَاب الأول من الْجُزْء الْحَادِي عشر وموضوعه بَاب جَامع فِي الْقدر وَمَا رُوِيَ فِي أَهله
وَقد تضمن هَذَانِ البابان الْكَلَام فِي الموضوعات الْآتِيَة
١ - الرَّد على المكذبين بِالْقدرِ بإثباته عَن طَرِيق الْكتاب وَالسّنة وآثار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَا تضمنته بعض المناظرات بَين أهل السّنة والقدرية من الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة
٢ - بَيَان حكم الْقَدَرِيَّة فِي الدُّنْيَا
٣ - بَيَان جزائهم فِي الْآخِرَة
وَلَقَد قوبلت الْقَدَرِيَّة بِجَمِيعِ طوائفها بردود فعل عنيفة من قبل عُلَمَاء السّنة ابْتِدَاء من عهد الصَّحَابَة الَّذين أدركوا نشأتهم مثل عبد الله بن عمر وَابْن عَبَّاس وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة وَقد جمع ابْن بطة فِي هَذِه الْأَبْوَاب أَدِلَّة متنوعة
[ ٣ / ٢١٩ ]
فِي الرَّد على الْقَدَرِيَّة من الْآيَات وَالْأَحَادِيث والْآثَار المنقولة عَن الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ من فُقَهَاء الْمُسلمين وأئمتهم وَمن المحاورات والمناظرات وَمن كَلَام الْعَرَب وأشعارهم فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام فِي إِثْبَات الْقَضَاء وَالْقدر وَمن الرسائل الْمَكْتُوبَة من عُلَمَاء السّنة إِلَى المنكرين للقدر إِجَابَة عَن سُؤَالهمْ عَن الْقدر مثل رِسَالَة عمر بن عبد الْعَزِيز لعامله بعد أَن طلب ذَلِك مِنْهُ حث فِيهَا على لُزُوم السّنة ومجانبة الْبِدْعَة ورسالة أُخْرَى مُطَوَّلَة لعبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون توسع فِيهَا فِي الرَّد على الْقَدَرِيَّة على ضوء مفاهيم الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة كل ذَلِك أوردهُ ابْن بطة اسْتِدْلَالا بِهِ على وجوب إِثْبَات الْقدر وَلُزُوم الْإِيمَان والتصديق بِهِ وإيذانا بِأَنَّهُ لَا مجَال للشَّكّ فِي ثُبُوت الْقدر وَوُجُوب الْإِيمَان بِهِ بعد هَذِه الْأَدِلَّة اليقينية القاطعة الصَّرِيحَة فِي الْمَوْضُوع فَمن الْأَدِلَّة الصَّرِيحَة الْوَاضِحَة فِي إِثْبَات الْقدر قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ وَقد نزلت الْآيَة الْكَرِيمَة عِنْدَمَا قَالَ أَبُو جهل الْأَمر إِلَيْنَا إِن شِئْنَا استقمنا وَإِن شِئْنَا لم نستقم
وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء لما سُئِلَ عَن الْقدر يَكْفِي حجَّة ثَلَاث آيَات من كتاب الله وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾
وَقَوله ﷿ ﴿فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله إِن الله كَانَ عليما حكيما﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿كلا إِنَّهَا تذكرة فَمن شَاءَ ذكره﴾
جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله مَتى كنت نَبيا
[ ٣ / ٢٢٠ ]
فَقَالَ النَّاس مَه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ دَعْوَة كنت نَبيا وآدَم بَين الرّوح والجسد // صَحِيح // وَهَذَا يَعْنِي انه سببق فِي علم الله تَعَالَى قبل أَن يخلق نبيه وَكتب عِنْده فِي أم الْكتاب انه نَبِي هَذِه الْأمة ثمَّ خلقه الله ﷿ نَبيا مُرْسلا كَمَا علم أزلا فَالْحَدِيث دَلِيل صَرِيح فِي إِثْبَات الْقدر
وَفِي الْأَثر عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لقد أخرج الله آدم من الْجنَّة قبل أَن يدخلهَا يَعْنِي أَنه تَعَالَى قدر خُرُوج آدم من الْجنَّة قبل أَن يسكنهُ إِيَّاهَا لكَي يسكنهُ فِي الأَرْض مَعَ ذُريَّته إِلَى اجل مُسَمّى ثمَّ قَرَأَ ابْن عَبَّاس ﵁ هَذِه الْآيَة ﴿وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ الْآيَة
وَمِمَّا أبطل بِهِ الْعلمَاء حجج المكذبين بِالْقدرِ وَمَا يَظُنُّونَهُ من ظلم الله لعَبْدِهِ إِذا جازاه على مَا قدره عَلَيْهِ من الضلال مِمَّا أبطل بِهِ الْعلمَاء ذَلِك مَا يرَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو عِصَام الْعَسْقَلَانِي وَغَيرهمَا من أهل الْعلم من أَن الظُّلم والجور إِنَّمَا يكونَانِ من صِفَات الله لَو قُلْنَا بِوُجُوب هِدَايَة الله وعصمته للْعَبد أما وَإِن ذَلِك فِي حَقِيقَته تفضل مِنْهُ ﷾ فَأمر الْفضل إِلَيْهِ يؤتيه من يَشَاء من عباده ويمنعه من يَشَاء وَلَا لوم يلْحقهُ فِي ذَلِك
وَمن الْأَشْعَار الَّتِي جَاءَ فِيهَا إِثْبَات الْقدر قَول لبيد
(إِن تقوى رَبنَا خير نفل وبإذن الله ريثي وَعجل)
(من هداه سبل الْخَيْر اهْتَدَى ناعم البال وَمن شَاءَ أضلّ)
وَقَول نَابِغَة أَيْضا
(وَلَيْسَ امْرُؤ نائلا من هَوَاهُ شَيْئا إِذا هُوَ لم يكْتب)
[ ٣ / ٢٢١ ]
أما حكم الْقَدَرِيَّة فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُم يعاملون مُعَاملَة الْكفَّار فَلَا تُعَاد مرضاهم وَلَا تشيع موتاهم وَلَا يصلى خَلفهم وَلَا يجالسون وَلَا يكلمون وَلَا ينْكحُونَ وَذَلِكَ لقَوْله ﷺ إِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشهدوهم وَلَا تصلوا عَلَيْهِم وهم شيعَة الدَّجَّال وَحقّ على الله أَن يلحقهم بالدجال // حسن لغيره //
وَأفْتى مَالك ﵀ أَن لَا يصلى خلف القدري وَلَا ينْكح لَهُ وَسُئِلَ الْأَوْزَاعِيّ عَن القدري فَقَالَ لَا تُجَالِسُوهُمْ وَمنع غير وَاحِد من السّلف عَن مجالسة الْقَدَرِيَّة وَقد بَين ابْن بطة أَن الابتعاد عَن الْقَدَرِيَّة وَترك مجالستهم يعْصم الْمَرْء عَن فتنتهم اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا كَانَ ذَلِك من رجل عَالم يُرِيد إِقَامَة الْحجَّة على الْقَدَرِيَّة وإجراء المناظرة مَعَهم لكَي يبين لَهُم فَسَاد مَذْهَبهم وخطر رَأْيهمْ الَّذِي قد يخفى على كثير من النَّاس فَلَا مَانع حِينَئِذٍ من إِجْرَاء المناظرة والمناقشة مَعَ الْقَدَرِيَّة اما جَزَاء المكذبين بِالْقدرِ فِي الْآخِرَة فَإِنَّهُ كفار من أَصْحَاب النَّار اسْتشْهد ابْن بطة على ذَلِك بِكَثِير من أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة والْآثَار المنقولة عَن السّلف من ذَلِك قَوْله تَعَالَى إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم ذوقوا مس سقر إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ جَاءَ مُشْرِكُوا قُرَيْش إِلَى رَسُول الله ﷺ يخاصمونه بِالْقدرِ فَنزلت هَذِه الْآيَة ﴿يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم ذوقوا مس سقر﴾ الْآيَة
[ ٣ / ٢٢٢ ]
وقرأمحمد بن كَعْب الْقرظِيّ هَذِه الْآيَة ثمَّ قَالَ مَا نزلت إِلَّا تعبيرا لأهل الْقدر
وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ فوَاللَّه مَا نزلت هَذِه الْآيَة إِلَّا فيهم يَعْنِي فِي الْقَدَرِيَّة
وَقَالَ ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة عَاق وَلَا مدمن خمر وَلَا مكذب بِالْقدرِ // حَدِيث حسن //
كَمَا وَردت عدَّة رِوَايَات أُخْرَى عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم تنص على أَن الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة من ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن عمر وَحُذَيْفَة وَأَبُو هُرَيْرَة بطرق مُتعَدِّدَة ان النَّبِي ﷺ قَالَ إِن لكل أمة مجوسا ومجوس هَذِه الْأمة الْقَدَرِيَّة فَإِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشيعوهم وَلَا تصلوا عَلَيْهِم
وَقَالَ ابْن مَسْعُود مَا كَانَ كفر بعد نبوة إِلَّا كَانَ مفتاحه التَّكْذِيب بِالْقدرِ
وَقَالَ نَافِع مولى ابْن عمر اولئك قوم كفرُوا بعد إِيمَانهم يَعْنِي
[ ٣ / ٢٢٣ ]
الْقَدَرِيَّة
وَجَاء رجل إِلَى عبد الله بن عمر ﵄ فَقَالَ نَاس يَتَكَلَّمُونَ بِالْقدرِ فَقَالَ أُولَئِكَ القدريون وَأُولَئِكَ يصيرون إِلَى أَن يَكُونُوا مجوس هَذِه الْأمة
[ ٣ / ٢٢٤ ]