الْآثَار المروية عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من عُلَمَاء السّنة فِي إِثْبَات الْقدر وَالرَّدّ على الْقَدَرِيَّة كَثِيرَة جدا أَتَى بهَا ابْن بطة فِي هَذَا الْكتاب على منهجين
الْمنْهَج الأول ذكره لَهَا عقب إِيرَاد الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة حَيْثُ يسْتَدلّ أَولا على مَا تضمنته أَبْوَاب الْكتاب من مَوْضُوعَات الْقدر بِالْآيَاتِ القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة ثمَّ يقفى عَلَيْهَا بالآثار المروية عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة وَقد يَسُوق هَذِه الْآثَار خلال مَا يذكرهُ من الْآيَات وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة
الْمنْهَج الثَّانِي أَنه خص الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة من الْجُزْء التَّاسِع من هَذَا الْكتاب وَجَمِيع الْجُزْء الْعَاشِر وَفِيه ثَلَاثَة أَبْوَاب يذكر أَقْوَال هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعي التَّابِعين وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة الْمَشْهُورين من عُلَمَاء الحَدِيث وَالْفِقْه وَالتَّفْسِير فَبَدَأَ أَولا بِبَيَان مَذْهَب الشَّيْخَيْنِ أَبُو بكر وَعمر ﵄ ثمَّ أتبع ذَلِك بِكَلَام بَقِيَّة أجلاء الصَّحَابَة مثل عَليّ بن أبي طَالب وَعبد الله بن عَبَّاس وَابْن عمر وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن سَلام وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وسلمان الْفَارِسِي وَأبي الدَّرْدَاء وَسَعِيد بن أبي وَقاص وَأبي هُرَيْرَة وَعمْرَان بن
[ ٣ / ٢١٣ ]
الْحصين وَأبي بن كَعْب وَزيد بن ثَابت وَأبي ذَر وبلال بن رَبَاح وَحُذَيْفَة ابْن الْيَمَان وَغَيرهم من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
ثمَّ أعقب ذَلِك بِبَيَان مَذْهَب التَّابِعين فِي الْقدر مِنْهُم الْحسن الْبَصْرِيّ ومطرف بن شخير وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمُجاهد بن جبر وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ ووهب بن مُنَبّه وطاووس الْيَمَانِيّ وَمَكْحُول وَعِكْرِمَة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَأَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ ثمَّ يَلِي ذَلِك بَيَان مَذْهَب من بعد التَّابِعين من الْمُحدثين والمفسرين وَالْفُقَهَاء مثل الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَمَالك بن أنس وسُفْيَان الثَّوْريّ وَحَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة وَالْإِمَام الشَّافِعِي وَغَيرهم من فُقَهَاء الْأمة ومحدثيهم مِمَّن يطول ذكر أسمائهم تَفْصِيلًا وَفِيمَا يَلِي موجز لمَذْهَب هَؤُلَاءِ السّلف فِي الْقدر كَمَا بَينه ابْن بطة من خلال أَقْوَالهم الَّتِي رَوَاهَا عَنْهُم فهم يُؤمنُونَ جَمِيعًا بِأَن الله تَعَالَى قدر مقادير الْخَلَائق كلهَا قبل خلق السَّمَاوَات وَالْأَرضين بِخَمْسِينَ ألف سنة وَأَنه تَعَالَى خَالق كل شَيْء فَلَا يُوجد فِي ملكه إِلَّا مَا يُرِيد وَقدر الْخَيْر وَالشَّر وأفعال الْعباد جَمِيعًا فَالْعَبْد لَا يملك لنَفسِهِ الْهِدَايَة والضلال والضر والنفع والسعادة والغواية فَالله تَعَالَى هُوَ الَّذِي يقدر ذَلِك وَحده فَالْعَبْد دَائِما أمره تَحت مَشِيئَة الله تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يخلق الْإِنْسَان شقيا أَو سعيدا ويخلق فريقا من النَّاس للجنة وفريقا للسعير وَقد أَخذ ذُرِّيَّة آدم من ظَهره فَبين أهل الْجنَّة من أهل النَّار وَيسر عمل السَّعَادَة للسعداء فجعلهم بذلك من أهل الْجنَّة وَيسر عمل الشَّقَاء للأشقياء فجعلهم بذلك من أهل النَّار يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَيخْتم على قُلُوب من أَرَادَهُ من عباده وَيجْعَل الغشاوة عَلَيْهِم فَلَا يسمعُونَ نِدَاء الْحق وَلَا يبصرون نور الْهِدَايَة ويؤمنون بضرورة نَفاذ الْقدر الإلهي فَلَو أطبق الْعَالم على خلاف مُرَاده ﷿ لَا ينفذ إِلَّا مَا يُريدهُ وهم يُؤمنُونَ كَذَلِك بَان إِزَالَة الْجَبَل من مَكَانَهُ أَهْون من إِزَالَة مَا قدره الله أزلا وانه ﷾ كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن من رزق وقحط وإحياء وإماتة يُؤْتِي الْملك من يَشَاء وينزعه مِمَّن يَشَاء
[ ٣ / ٢١٤ ]
ويعز من يَشَاء ويذل من يَشَاء وَأَنه تَعَالَى خلق آدم للْأَرْض يَوْم ان خلق فَلَا بُد من ان يَأْكُل من الشَّجَرَة الَّتِي كَانَت سَببا لِخُرُوجِهِ من الْجنَّة
وَقدر الأقوات والأرزاق قبل الأجساد وَكَانَ الْقدر قبل الْبلَاء وأنزلهم الغرف قبل أَن يطيعوه وَالنَّار قبل أَن يعصوه وكل مقتول لَا يقتل إِلَّا فِي أَجله الْمَكْتُوب وموعده المحدد لَهُ دون تَقْدِيم وَلَا تَأْخِير عَن أَجله الْمُسَمّى فالخلق أدق شَأْنًا من أَن يعصوا الله ﷿ طرفَة عين بِمَا لَا يُرِيد وَالْإِيمَان بِالْقدرِ عِنْد هَؤُلَاءِ السّلف الصَّالح هُوَ العروة الوثقى لَا انفصام لَهَا وَمن لم يُؤمن بِالْقدرِ كَانَ ذَلِك عِنْدهم نقضا للتوحيد لِأَن الْإِيمَان بِالْقدرِ هُوَ نظام التَّوْحِيد وَقد اوضحوا ذَلِك للْأمة خير توضيح فِي خطبهم ورسائلهم وَفِي محاوراتهم مَعَ المنكرين للقدر مِمَّا رَوَاهُ ابْن بطة عَنْهُم وهم يُؤمنُونَ بِأَن كل امرىء يعْمل فِيمَا فرغ مِنْهُ علما وتقديرا وَكِتَابَة وَمَعَ ذَلِك فهم يَعْتَقِدُونَ بِأَنَّهُ كَذَلِك لَا بُد من الْعَمَل بتكاليف الشَّرِيعَة فَلَا يتم إِيمَان امرىء إِلَّا بِالْجمعِ بَين الْإِيمَان بِالْقدرِ وَالْعَمَل بتكاليف الشَّرِيعَة أمرا ونهيا ويؤمنون بِأَن السُّعَدَاء يدْخلُونَ الْجنَّة مهما عمِلُوا من عمل أهل النَّار إِذْ يخْتم لَهُم بِعَمَل أهل السَّعَادَة وَبِأَن الأشقياء يكون مآلهم إِلَى النَّار مهما عمِلُوا من عمل أهل الْجنَّة إِذْ يخْتم لَهُم بِعَمَل أهل النَّار وكل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وَأَن أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو ينصرَانِهِ إِذا أَرَادَ الله لَهُ ذَلِك أزلا وَإِلَّا فَلَا وَأَنه تَعَالَى لَو عذب أهل سماواته وَأهل أرضه عذبهم وَهُوَ غير ظَالِم لَهُم وَلَو أدخلهم الْجنَّة كَانَت رَحمته بهم أوسع من أَعْمَالهم وَخيرا لَهُم من تِلْكَ الْأَعْمَال وَلَو كَانَ لامرىء مثل أحد ذَهَبا يُنْفِقهُ فِي سَبِيل الله لَا يقبل الله مِنْهُ حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره وَمِمَّا اعْتمد عَلَيْهِ ابْن بطة فِي إِيضَاح مَذْهَب السّلف فِي الْقدر مَا نقل إِلَيْنَا كثيرا فِي هَذَا الْبَاب من تَفْسِير السّلف لآيَات الْقدر فِي الْقُرْآن الْكَرِيم بِمَا يُوَافق مَذْهَب السّلف من إِثْبَات الْقدر وَالرَّدّ على الْقَدَرِيَّة نقل ذَلِك إِلَيْنَا عَن مشاهير أَئِمَّة الْمُفَسّرين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة بأسانيد مُتَّصِلَة إِلَيْهِم مِنْهُم حبر الْأمة عبد الله بن عَبَّاس وَمُجاهد بن
[ ٣ / ٢١٥ ]
جبر وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَزيد بن أسلم وَأَبُو الْعَالِيَة وضحاك بن مُزَاحم وَكثير غَيرهم موضحا بذلك مَذْهَب السّلف بِالْقدرِ خير توضيح وَقد جَاءَ التحذير فِي كَلَام كثير من السّلف عَن الْجِدَال فِي الْقدر وَالِاسْتِمَاع إِلَى كَلَام الْقَدَرِيَّة ومجالستهم وعيادة مرضاهم وتشييع موتاهم وَالصَّلَاة خَلفهم وَعَلَيْهِم إِذا مَاتُوا وعللوا ذَلِك بِأَنَّهُم نَصَارَى هَذِه الْأمة ومجوسها وَمِنْهُم من شبههم باليهود تَارَة وبالمنانية أُخْرَى وقرروا رد شَهَادَتهم إِذا شهدُوا على شَيْء وَقد نقل ابْن بطة عَن السّلف الصَّالح أَنهم كَانُوا لَا يكلمون من كَانَ مُتَّهمًا بِالْقدرِ
وَمن السّلف من يرى أَنه يجب أَن تسل ألسنتهم من أقفيتهم وَفِي رِوَايَة عَنْهُم أَنهم يستتابون فَإِن تَابُوا وَإِلَّا نفوا عَن ديار الْمُسلمين وَهُنَاكَ رَأْي آخر لَهُم انهم يستتابون وَإِلَّا ضربت أَعْنَاقهم وَيَقُولُونَ إِن النَّصَارَى أشركت الْمَسِيح وَالْيَهُود أشركت عَزِيزًا والقدرية أشركت نَفسهَا والشيطان وَقد أفتى جمَاعَة من السّلف مِنْهُم حَمَّاد بن سَلمَة وَحَمَّاد بن زيد وَيزِيد بن زُرَيْع وَبشر بن الْمفضل والمعتمر بن سُلَيْمَان أَن من زعم أَنه يَسْتَطِيع أَن يَشَاء خلاف مَشِيئَة الله فِي ملكه فقد أصبح مُشْركًا حَلَال الدَّم إِلَّا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان فَإِنَّهُ قَالَ الْأَحْسَن من السُّلْطَان استتابته وَقد أفتى مَالك عدم جَوَاز تَزْوِيج الْقَدَرِيَّة مستدلا بقوله تَعَالَى ﴿ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك وَلَو أعجبكم أُولَئِكَ يدعونَ إِلَى النَّار وَالله يَدْعُو إِلَى الْجنَّة وَالْمَغْفِرَة بِإِذْنِهِ وَيبين آيَاته للنَّاس لَعَلَّهُم يتذكرون﴾
كَمَا أفتى بِعَدَمِ جَوَاز الصَّلَاة خَلفهم وَأمر الْبَعْض من السّلف وَهُوَ جَعْفَر ابْن مُحَمَّد رجلا صلى خلف القدري خمسين سنة ان يُعِيد صَلَاة خمسين سنة الَّتِي صلاهَا خَلفه وحذر وَاثِلَة بن الْأَسْقَع وَهُوَ صَاحب رَسُول الله ﷺ عَن
[ ٣ / ٢١٦ ]
الصَّلَاة خلف القدري كَمَا حذر وَكِيع أَيْضا أَن لَا يُصَلِّي خلف قدري وَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي عِنْدَمَا رأى قوما يتجادلون فِي الْقدر بَين يَدَيْهِ لِأَن يلقى الله ﷿ العَبْد بِكُل ذَنْب مَا خلا الشّرك بِاللَّه خير من ان يلقاه بِشَيْء من هَذَا الْأَهْوَاء كَانَ هَذَا قَلِيلا من كثير مِمَّا شرح بِهِ ابْن بطة مَذْهَب السّلف فِي مَسْأَلَة الْقَضَاء وَالْقدر وَهُوَ فِي حَقِيقَته يرجع إِلَى مَدْلُول الْكتاب وَالسّنة الَّذِي تقدم بَيَانه من خلال دراستنا لنصوص الْكتاب وَالسّنة الَّتِي أوردهَا ابْن بطة فِي أَبْوَاب هَذَا الْكتاب
وَكَانَ مَقْصُود ابْن بطة ﵀ من إِيرَاد مَذْهَب السّلف وَشرح موقفهم من مَسْأَلَة الْقدر بعد عرضه لأدلة الْكتاب وَالسّنة كَانَ مَقْصُوده بذلك التَّنْبِيه على أَن مَذْهَب السّلف لَا يخْتَلف عَن مَدْلُول نُصُوص الْكتاب وَالسّنة فِي مَسْأَلَة الْقدر كَمَا هُوَ الْحَال فِي سَائِر مسَائِل العقيدة
[ ٣ / ٢١٧ ]