قرر ابْن بطة هَذَا الْمَعْنى بِمَا أوردهُ من أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة والْآثَار عَن السّلف فِي أَرْبَعَة أَبْوَاب من هَذَا الْكتاب وَهِي الْبَاب الثَّانِي من الْجُزْء الثَّامِن وعنوانه بَاب ذكر مَا أعلمنَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه أَنه يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَأَنه لَا يهدي بِالْمُرْسَلين والكتب والآيات والبراهين إِلَّا من سبق فِي علم الله أَنه يهديه
وَالْبَاب الثَّالِث من الْجُزْء الثَّامِن وموضوعه بَاب ذكر مَا أخبرنَا الله تَعَالَى أَنه أرسل الْمُرْسلين إِلَى النَّاس يَدعُونَهُمْ إِلَى عبَادَة رب الْعَالمين ثمَّ أرسل الشَّيَاطِين تحرضهم على تَكْذِيب الْمُرْسلين فَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة
وَالْبَاب الأول من الْجُزْء التَّاسِع وعنوانه بَاب الْإِيمَان بِأَن الله ﷿ كتب على آدم الْمعْصِيَة قبل أَن يخلقه فَمن رد ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة
وَالْبَاب الْخَامِس من الْجُزْء التَّاسِع وموضوعه بَاب الْإِيمَان بَان الشَّيْطَان مَخْلُوق مسلط على بني آدم يجْرِي مِنْهُم مجْرى الدَّم إِلَّا من عصمه الله وَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة
وَحَاصِل مَا قَرّرته الْآيَات والْآثَار المروية من ابْن بطة فِي هَذِه الْأَبْوَاب أَن
[ ٣ / ١٨١ ]
الله تَعَالَى قدر الْهِدَايَة والضلال والمخالفة لأَمره سُبْحَانَهُ أزلا على من أَرَادَ من عباده وكل من الْهدى والضلال لم يكن إِلَّا بِإِذن الله تَعَالَى وَقَضَاء وَقدر مِنْهُ ﷿
وَقد أورد ابْن بطة فِي هَذِه الْأَبْوَاب كثيرا من الْآيَات القرآنية تربو عَن ثَلَاثِينَ آيَة تثبت لله ﷿ دون غَيره الْهِدَايَة والإضلال فَلَا هادي وَلَا مضل إِلَّا الله سُبْحَانَهُ وَلَو شَاءَ لهداهم أَجْمَعِينَ وَلَكِن لحكمة يعلمهَا ﷿ جعلهم فريقين فريقا على الْهدى وفريقا على الضلال لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون وَلِهَذَا لم يهتد كثير من النَّاس بدعوة الْمُرْسلين فِي الْأُمَم السَّابِقَة وَفِي هَذِه الْأمة أَيْضا رغم مَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ من الْبَيَان والبلاغة والفصاحة والبراهين القاطعة والحجج الْوَاضِحَة الَّتِي بعثوا بهَا من عِنْد الله تَعَالَى مؤيدين بالمعجزات الواضحات مثل الشَّمْس فِي رَابِعَة النَّهَار يدعونَ أمتهم إِلَى المحجة الْبَيْضَاء فَهَذَا أَبُو طَالب عَم رَسُول الله ﷺ مَعَ حرصه ﷺ على هدايته لم يكْتب الله لَهُ الْهِدَايَة وَلم يسْبق فِي علم الله أَنه يهديه وَفِي حَقه نزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة إِنَّك لاتهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء فِي حِين أننا نجد أَبَا بكر وَعمر بن الْخطاب وَغَيرهمَا من السُّعَدَاء من هَذِه الْأمة قد سبقت لَهُم من الله الْهِدَايَة أزلا فَدَخَلُوا فِي دين الله افواجا وَكَذَلِكَ الْحَال فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة كَمَا فِي قصَّة نَبِي الله نوح ﵇ مَعَ قومه وَابْنه الَّذِي كَانَ يتَمَنَّى لَهُ الْهِدَايَة والتوفيق وَلَكِن الله لم يرد لَهُ الْهِدَايَة حَتَّى مَاتَ كَافِرًا وَفِي حَقه يَقُول رب الْعِزَّة إِنَّه لَيْسَ من أهلك إِنَّه عمل غير صَالح فَلَا تَسْأَلنِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِنِّي أعظك أَن تكون من الْجَاهِلين
وَقد دَعَا نوح ﵇ قومه مُدَّة ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما فَلم يُؤمن بِهِ إِلَّا أنَاس معدودون من قومه أَرَادَ الله لَهُم الْهِدَايَة وَكثير مِنْهُم أَعرضُوا عَن الْإِيمَان وعتوا عتوا كَبِيرا كَمَا حكى الله ذَلِك عَنْهُم بقوله ﷿ على لِسَان
[ ٣ / ١٨٢ ]
نوح ﵇ ﴿وَإِنِّي كلما دعوتهم لتغفر لَهُم جعلُوا أَصَابِعهم فِي آذانهم واستغشوا ثِيَابهمْ وأصروا واستكبروا استكبارا﴾ وَذَلِكَ لِأَن الله لم يرد لَهُم الْهِدَايَة كَمَا قَالَ نوح ﵇ مُخَاطبا لَهُم وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت ان أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم هور بكم وَإِلَيْهِ ترجعون
أما الْهِدَايَة المنسوبة فِي الْقُرْآن الْكَرِيم إِلَى رَسُول الله ﷺ وَإِلَى كِتَابه الْعَزِيز فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿إِن هَذَا الْقُرْآن يهدي للَّتِي هِيَ أقوم﴾ فَالْمُرَاد بهَا هُنَا هِدَايَة إرشاد وَدلَالَة لَا هِدَايَة توفيق لِأَن الْهِدَايَة بِمَعْنى التَّوْفِيق خَاصَّة بِهِ ﷿ لَا يملكهَا أحد غير الله تَعَالَى فَلِذَا جَاءَ نَفيهَا عَن غير الله فِي غير آيَة من الْقُرْآن الْكَرِيم من ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ فبذلك نعلم أَن الْهِدَايَة فِي الْقُرْآن لَهَا مَعْنيانِ الْهِدَايَة بِمَعْنى الْإِرْشَاد وَالْبَيَان وَالدّلَالَة فَهَذِهِ لِلْقُرْآنِ وَالْمُرْسلِينَ وَمن يقوم مقامهم فِي الدعْوَة إِلَى الله وَالثَّانِي الْهِدَايَة بِمَعْنى التَّوْفِيق فَهَذِهِ خَاصَّة بِاللَّه تَعَالَى لَا يقدر عَلَيْهَا أحد إِلَّا الله تَعَالَى وَمن هُنَا نعلم أَن مهمة الرُّسُل مَقْصُورَة على الْإِنْذَار وتبيلغ الرسَالَة مَعَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَنْت مُنْذر وَلكُل قوم هاد﴾ وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده
وَقد نبه ابْن بطة إِلَى أَن الله إِذا أَرَادَ للعباد السَّعَادَة وَقدر لَهُم الْهِدَايَة فِي الْأَزَل ألان قُلُوبهم وَفتح أذهانهم لتقبل الْهِدَايَة الَّتِي جَاءَت بهَا الرُّسُل فينتفعون بدعوة الْمُرْسلين فَيجْعَل لَهُم من أنفسهم وازعا وداعيا إِلَى الْهدى وكما أرسل الله الرُّسُل بالهداية أرسل الشَّيَاطِين لإضلال من أَرَادَ إضلاله فِي الْأَزَل خلافًا لما تدعيه الْقَدَرِيَّة من أَن الْهِدَايَة والإضلال والسعادة والشقاء بيد الْعباد لَا بيد الله تَعَالَى فالشياطين هم الَّذين يغوون من شاؤوا دون إِرَادَة من الله تَعَالَى ومشيئته فِي الْأَزَل وَلَكِن دلّت على بطلَان هَذِه الدعْوَة نُصُوص
[ ٣ / ١٨٣ ]
كَثِيرَة من كتاب الله وَسنة رَسُوله والْآثَار المنقولة عَن السّلف والمفسرين الدَّالَّة على أَن الله تَعَالَى أرسل الشَّيَاطِين على الْكَافرين بدعوتهم إِلَى الشّرك وَالْمقَام على الْكفْر والمعاصي كل ذَلِك ليتم مَا علم وَلَا يكون إِلَّا مَا قدر وَعلم فسبحان من جعل هَذَا هَكَذَا وحجب قُلُوب الْخلق ومنعهم على مُرَاده فِي ذَلِك وَجعله سره المخزون وَعلمه الْمكنون وَيصدق لذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزهم أزا﴾ أَي تهيجهم وتحرضهم على الْمعاصِي وَالْكفْر
وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿وقيضنا لَهُم قرناء فزينوا لَهُم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَحقّ عَلَيْهِم القَوْل فِي أُمَم قد خلت من قبلهم من الْجِنّ وَالْإِنْس إِنَّهُم كَانُوا خاسرين﴾
وَقَالَ ﷿ ﴿وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين وَإِنَّهُم ليصدونهم عَن السَّبِيل وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون﴾
فقد أخبرنَا ﷿ أَنه يُرْسل الشَّيَاطِين فتْنَة للْكَافِرِينَ الَّذين حق عَلَيْهِم القَوْل وَمن سبقت عَلَيْهِم الشقوة حَتَّى يؤزرهم أزا ويحرضوهم على الْكفْر تحريضا ويزينوا لَهُم سوء أَعْمَالهم فَهَذَا كَلَام الله ﷿ وإخباره عَن فعله فِي خلقه يعلمهُمْ أَن الْمفْتُون من فتْنَة الله والمهتدي من هداه الله والضال من أضلّهُ الله وَحَال بَينه وَبَين الْهدى فَعَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن الْبَصْرِيّ ﵄ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم﴾ قَالُوا لَا تفتنون إِلَّا من قدر لَهُ أَن يصلى الْجَحِيم وَعَن عمر ابْن عبد الْعَزِيز أَن الله ﷿ لَو أَرَادَ أَن لَا يَعْصِي مَا خلق إِبْلِيس وَذَلِكَ لكَونه
[ ٣ / ١٨٤ ]
مصدر كل شَرّ وَقد وكل لكل إِنْسَان قرينه من الْجِنّ يجْرِي مِنْهُم مجْرى الدَّم حَتَّى رَسُول الله ﷺ كَمَا أخبر بذلك فِيمَا رَوَاهُ عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من أحد إِلَّا وكل بِهِ قرينه من الْجِنّ قَالُوا وَأَنت يَا رَسُول الله قَالَ وَأَنا إِلَّا أَن الله أعانني عَلَيْهِ فَأسلم فَلَيْسَ يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَير // رَوَاهُ مُسلم وَأحمد الدَّارمِيّ //
وَقدر الله على آدم أَن يَأْكُل من الشَّجَرَة بوسوسة من الشَّيْطَان وَأمره أَن لَا يقرب مِنْهَا عِنْدَمَا ادخله الْجنَّة فوسوس إِلَيْهِ الشَّيْطَان فَخَالف آدم أَمر ربه فَأكل من الشَّجَرَة قَالَ تَعَالَى فعصى آدم ربه فغوى فَأخْرجهُ الله بِسَبَب ذَلِك من الْجنَّة وَكَانَ ذَلِك قدرا مَقْدُورًا فَعَاتَبَهُ على ذَلِك نَبِي الله مُوسَى ﵇ قَائِلا أَنْت الَّذِي أغويت النَّاس وأخرجتهم من الْجنَّة فَأجَاب آدم على العتاب قَائِلا أتلومني على أَمر قد كتب عَليّ قبل أَن أخلق بِخَمْسِينَ ألف سنة
فَقَالَ الرَّسُول ﷺ فحج آدم مُوسَى ثَلَاث مَرَّات أَي أَقَامَ عَلَيْهِ الْحجَّة فِي الْإِجَابَة على مُعَاتَبَته لَهُ وكما قدر الله على آدم الْمُخَالفَة لأَمره فِي الْأَزَل فِي أكل الشَّجَرَة قدر لَهُ التَّوْبَة من الْخَطِيئَة وَقبل مِنْهُ التَّوْبَة بعدذ لَك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَعصى آدم ربه فغوى ثمَّ اجتباه ربه فَتَابَ عَلَيْهِ وَهدى﴾ وكل من الْخَطِيئَة الأولى وإلهام التَّوْبَة وَالْهِدَايَة بعد الْخَطِيئَة الأولى وإهباطه على وَجه الأَرْض بعد قبُول تَوْبَته كَانَ بِقدر من الله تَعَالَى أزلا ليسكن هُوَ وَذريته فِيهَا إِلَى قيام السَّاعَة كل ذَلِك كَانَ من الله قدرا مَقْدُورًا ومكتوبا عِنْده تَعَالَى فِي أم الْكتاب قبل خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة
[ ٣ / ١٨٥ ]
قلت وَلما كَانَ مَوْضُوع هَذَا الْفَصْل مرتبطا بموضوع الْفَصْل التَّالِي فقد رَأَيْت أَن أجعَل التَّعْلِيق عَلَيْهَا وَاحِدًا وَأَن أجعله فِي نِهَايَة الْفَصْل التَّالِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ٣ / ١٨٦ ]