أثبت ابْن بطة هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَا أوردهُ من الْآيَات وَالْأَحَادِيث والْآثَار فِي الْبَاب الرَّابِع من الْجُزْء الثَّامِن وعنوانه بَاب ذكر مَا أعلمنَا الله تَعَالَى أَن مَشِيئَة الْخلق تبع لمشيئته وَأَن الْخلق لَا يشاؤون إِلَّا مَا شَاءَ الله
وَحَاصِل مَا قَرّرته النُّصُوص الَّتِي أوردهَا ابْن بطة فِي هَذَا الْبَاب أَن الله تَعَالَى لَهُ الْمَشِيئَة الْعَامَّة الشاملة لأفعال الْعباد وَغَيرهَا وَأَن الْعباد لَيست لَهُم مَشِيئَة مُسْتَقلَّة بل إِن مشيئتهم متوقفة على مَشِيئَته سُبْحَانَهُ فَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن
فَمن الْآيَات الدَّالَّة على هَذَا الْمَعْنى قَوْله تَعَالَى ﴿إِن هَذِه تذكرة فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا﴾
ثمَّ رد مشيئتهم إِلَى نَفسه فَقَالَ ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله إِن الله كَانَ عليما حكيما يدْخل من يَشَاء فِي رَحمته والظالمين أعد لَهُم عذَابا أَلِيمًا﴾
وَقَالَ ﷿ إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء وَهُوَ
[ ٣ / ٢٠١ ]
أعلم بالمهتدين)
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿إِن الله يسمع من يَشَاء وَمَا أَنْت بمسمع من فِي الْقُبُور إِن أَنْت إِلَّا نَذِير﴾
وَقَالَ وَلَو شَاءَ الله لجعلهم أمة وَاحِدَة وَلَكِن يدْخل من يَشَاء فِي رَحمته والظالمين مَا لَهُم من ولي وَلَا نصير
وَقَالَ أَيْضا فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداهم أَجْمَعِينَ
والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة جدا نكتفي بِهَذَا الْقدر خوف الإطالة فالرب ﷾ خلق خلقه لما شَاءَ وَكَيف شَاءَ خلقهمْ وَمَا يعْملُونَ فالمشيئة لَهُ وَحده فَهُوَ يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه قُلُوب الْعباد بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن يقلبها كَيفَ يَشَاء فَلهَذَا كَانَ ﷺ يكثر فِي دُعَائِهِ من القَوْل يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قلبِي على دينك ﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب﴾ فَسَأَلَ ﷺ الثَّبَات من ربه فَلَو كَانَ الْأَمر بيد العَبْد لَا يحْتَاج إِلَى مَشِيئَة الرب وإرادته كَمَا تدعيه الْقَدَرِيَّة الَّتِي تزْعم أَن للْعَبد مَشِيئَة مُسْتَقلَّة عَن مَشِيئَته سُبْحَانَهُ لما سَأَلَ ﷺ الثَّبَات والاستقامة من ربه فَفِي الْأَثر عَن الْحسن الْبَصْرِيّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة ﴿وحيل بَينهم وَبَين مَا يشتهون﴾ قَالَ حيل بَينهم وَبَين الْإِيمَان فالآية نصت على أَن الله
[ ٣ / ٢٠٢ ]
يحول بَين الْمَرْء وَقَبله وَلَيْسَ للْعَبد قدرَة يمْتَنع بهَا عَن ذَلِك فَلَو كَانَ الْأَمر إِلَيْهِ لما حيل بَينه وَبَين الْإِيمَان
وَقَالَ فِي تَفْسِير قَول الله تَعَالَى ﴿كَذَلِك سلكناه فِي قُلُوب الْمُجْرمين﴾ قَالَ فالشرك مسلكه فِي قُلُوبهم
وَعَن ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله ﷿ ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء﴾ يَقُول كَمَا لَا يَسْتَطِيع ابْن آدم أَن يبلغ السَّمَاء فَكَذَلِك لَا يقدر أَن يدْخل التَّوْحِيد وَالْإِيمَان فِي قلبه حَتَّى يدْخلهُ الله ﷿ فِي قلبه وَلَقَد كَانَ النَّبِيُّونَ والأمم الْمَاضِيَة وقريش فِي جاهليتهم يثبتون الْمَشِيئَة لله تَعَالَى وَأَنَّهُمْ لَا يشاؤون إِلَّا مَا شَاءَ الله فَلم يَقع النقاش والنزاع بَين الْأَنْبِيَاء وأممهم حول مَشِيئَة الرب وإرادته بل كَانُوا يحتجون بِمَشِيئَة الله تَعَالَى فِي عدم الْإِيمَان بهم فَقَالَت قُرَيْش احتجاجا على رَسُول الله ﷺ فِي عدم إيمَانهَا بربها لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم حَتَّى ذاقوا بأسنا . الْآيَة
وَقَالَ قوم نوح ﴿يَا نوح قد جادلتنا فَأَكْثَرت جدالنا فأتنا بِمَا تعدنا إِن كنت من الصَّادِقين﴾ فَقَالَ نوح ﵇ مجيبا لَهُم ﴿إِنَّمَا يأتيكم بِهِ الله إِن شَاءَ وَمَا أَنْتُم بمعجزين وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت أَن أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم هُوَ ربكُم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾
[ ٣ / ٢٠٣ ]
فَلَو كَانَ الْأَمر كَمَا تزْعم الْقَدَرِيَّة كَانَت الْحجَّة قد ظَهرت على نوح من قومه ولقالوا لَهُ إِن كَانَ الله هُوَ الَّذِي يُرِيد أَن يغوينا فَلم أرسلك إِلَيْنَا وَلم تدعونا إِلَى خلاف مُرَاد الله لنا
وَقَالَ شُعَيْب مُخَاطبا قومه قد افترينا على الله كذبا إِن عدنا فِي ملتكم بعد إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا وسع رَبنَا كل شَيْء علما
ثمَّ قَالَ شُعَيْب فِي مَوضِع آخر وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب
وَقَالَ إِبْرَاهِيم ﵇ فِي محاجته لِقَوْمِهِ وحاجه قومه قَالَ أتحاجوني فِي الله وَقد هدان وَلَا أَخَاف مَا تشركون بِهِ إِلَّا أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئا وسع رَبِّي كل شَيْء علما أَفلا تذكرُونَ
هَكَذَا يثبت الْقُرْآن الْكَرِيم أَن الْأَنْبِيَاء جَمِيعًا والأمم الْمَاضِيَة كَانُوا يثبتون لله الْمَشِيئَة ويقرون أَن مَشِيئَة العَبْد تَابِعَة لمشيئة الله تَعَالَى فَلَيْسَ لِلْخلقِ مَشِيئَة دون مَشِيئَة الله بل كَانَ إِبْلِيس اللعين يثبت لله تَعَالَى الْمَشِيئَة ويعترف أَنه تَعَالَى هُوَ الَّذِي اغواه وأضله حَيْثُ قَالَ ﴿رب بِمَا أغويتني﴾ فَلم يثبت الغواية لنَفسِهِ وَلَا لغيره من الْمَخْلُوقَات هَذَا كُله مَا يُؤمن بِهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة اتِّفَاقًا كَمَا وضحه ابْن بطة ﵀ فِي هَذَا الْبَاب
قلت أثبت الله لنَفسِهِ الْمَشِيئَة الْمُطلقَة الْعَامَّة لجَمِيع الأكوان فِي غير آيَة من كتاب الله تَعَالَى وَأثبت لَهُ رَسُوله فِي سنته فِي أَحَادِيث كَثِيرَة من ذَلِك قَوْله تَعَالَى من يَشَأْ يضلله وَمن يَشَأْ يَجعله على صِرَاط مُسْتَقِيم
[ ٣ / ٢٠٤ ]
وَقَوله ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾
وَقَوله ﴿وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِن الله يفعل مَا يُرِيد﴾
وَقَوله وَلَو شَاءَ الله لجعلهم على الْهدى فَلَا تكونن من الْجَاهِلين
وَقَوله ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا أشركوا وَمَا جعلناك عَلَيْهِم حفيظا وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بوكيل﴾
وَقَوله وَلَو شَاءَ رَبك لجعل النَّاس أمة وَاحِدَة وَلَا يزالون مُخْتَلفين إِلَّا من رحم رَبك
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ قَالَ قُلُوب الْعباد بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن كقلب وَاحِد يصرفهَا كَيفَ يَشَاء
وَفِي حَدِيث النواس بن سمْعَان سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من قلب إِلَّا بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن إِن شَاءَ أَقَامَهُ وَإِن شَاءَ أزاغه وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قُلُوبنَا على دينك
وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ الله ﵎ لَا يقل ابْن آدم يَا خيبة الدَّهْر فَإِنِّي أَنا الدَّهْر أرسل اللَّيْل وَالنَّهَار فَإِذا شِئْت قبضتهما إِلَى غير ذَلِك من الآحاديث الْكَثِيرَة الدَّالَّة على إِثْبَات الْمَشِيئَة لَهُ
وَأثبت الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ أَيْضا الْمَشِيئَة والإرادة وَالِاخْتِيَار فِي كثير من الْآيَات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَقل الْحق من ربكُم فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر﴾
[ ٣ / ٢٠٥ ]
وكما فِي قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة ثمَّ صرفكم عَنْهُم ليبتليكم﴾
وَقَوله ﴿وَمن يرد ثَوَاب الْآخِرَة نؤته مِنْهَا وسنجزي الشَّاكِرِينَ﴾
وَيَقُول أَيْضا ﴿من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا وهم فِيهَا لَا يبخسون﴾
وَيَقُول ﴿من كَانَ يُرِيد العاجلة عجلنا لَهُ فِيهَا مَا نشَاء لمن نُرِيد﴾
وَيَقُول ﴿من كَانَ يُرِيد العاجلة عجلنا لَهُ فِيهَا مَا نشَاء لمن نُرِيد ثمَّ جعلنَا لَهُ جَهَنَّم يصلاها مذموما مَدْحُورًا وَمن أَرَادَ الْآخِرَة وسعى لَهَا سعيها وَهُوَ مُؤمن فَأُولَئِك كَانَ سَعْيهمْ مشكورا﴾
كَمَا يَقُول سُبْحَانَهُ ﴿من كَانَ يُرِيد حرث الْآخِرَة نزد لَهُ فِي حرثه وَمن كَانَ يُرِيد حرث الدُّنْيَا نؤته مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة من نصيب﴾
ظنت الْقَدَرِيَّة والجبرية التَّعَارُض بَين المشيئين مَشِيئَة العَبْد ومشيئة الرب فنفت الْقَدَرِيَّة مَشِيئَة الرب لأفعال الْعباد كَمَا نفت الجبرية الْمَشِيئَة عَن عباده فضل كل من الطَّائِفَتَيْنِ عَن الصَّوَاب فهدى الله اهل السّنة إِلَى مَا فِيهِ الصَّوَاب فأثبتوا كلا من المشيئتين كَمَا أثبت الله وَرَسُوله إِذْ لَا تعَارض بَين
[ ٣ / ٢٠٦ ]
المشيئتين أصلا لِأَن مَشِيئَة الله عَامَّة شَامِلَة لجَمِيع الأكوان دون حُدُود وَلَا اسْتثِْنَاء ومشيئة الْعباد محدودة مُقَيّدَة بِمَشِيئَة الله تَعَالَى فَلَا مُنَافَاة بَين الْمُقَيد وَالْمُطلق وَبَين الْعَام وَالْخَاص وَلِأَن نفس مَشِيئَة العَبْد هِيَ من الله تَعَالَى فَهُوَ الَّذِي جعل الْعباد يختارون ويريدون فالمشيئة الْعَامَّة الشاملة لله رب الْعَالمين وَحده والمشيئة المحدودة الْمقيدَة بِالْمَشِيئَةِ الْعَامَّة هِيَ مَشِيئَة الْأَنْسَاب إِن الْإِنْسَان هُوَ صَنْعَة الله ومشيئته من مَشِيئَته فَهُوَ فِي مَشِيئَته وإرادته وأفكاره ونوازعه مَخْلُوق لله بِمَشِيئَة الله وَمَعَ هَذَا فَإِن الْإِنْسَان مطَالب من دَاخل ذَاته وخارجها أَن يسْتَعْمل عقله كَمَا يسْتَعْمل جوارحه من سمع وبصر وذوق وشم فالعقل هُوَ الْعين الَّتِي يبصر بهَا الْإِنْسَان وُجُوه الغايات الَّتِي تحرّك نَحْوهَا إِرَادَته وَيعْمل لَهَا كل قواه كَمَا يسْتَعْمل عَيْنَيْهِ فِي النّظر إِلَى الْأَشْيَاء ويحرك يَده لتناولها أَو رجله للسعي نَحْوهَا
فَهَذِهِ الْآيَات السَّابِقَة تضع الْإِرَادَة الْحَادِثَة أَمَام ضدين من الْأَفْعَال أَحدهمَا يُؤَدِّي فعله إِلَى الْحُصُول على الدُّنْيَا وَالْآخر نتيجة الْفَوْز بِالآخِرَة فَإِذا نَحن وَضعنَا هَذِه الْآيَات الَّتِي تثبت تَخْيِير الله سُبْحَانَهُ للإرادة البشرية بَين الضدين بِجَانِب آيَات الْمَشِيئَة الإلهية الْمُطلقَة فهمنا كَيفَ تعْمل هَذِه الْمَشِيئَة فِي حَيَاة الْبشر وَكَيف تخْتَار بعض النَّاس للهدى وَالْبَعْض الآخر للضلال
إِن الله يهدي من يَشَاء وَقد شَاءَ ﷾ بِنَصّ آيَات الْإِرَادَة أَن يهدي من يخْتَار الْآخِرَة وَهُوَ يضل من يَشَاء كَمَا تنص على ذَلِك آيَات الْمَشِيئَة الْمُطلقَة وَقد شَاءَ سُبْحَانَهُ أَن الَّذِي يختاره الله من النَّاس للضلال كَمَا هُوَ وَاضح صَرِيح بِنَصّ آيَات الْإِرَادَة الإنسانية المخيرة
هم الَّذين يُرِيدُونَ الدُّنْيَا وَزينتهَا وحرثها وثوابها كَمَا قَالَ أَيْضا ﷾ مُبينًا الَّذين يختارهم للهدى ويمدهم بِهِ وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه وَالله
[ ٣ / ٢٠٧ ]
بِكُل شَيْء عليم) أَي أَن الْهدى الإلهي لَا يمده الله بِهِ إِلَّا من يخْتَار الْإِيمَان كَمَا لَا يمْنَع الله الْهدى إِلَّا عَن الْكَافرين من النَّاس وَذَلِكَ حَيْثُ يَقُول ﴿إِن الَّذين كفرُوا سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ فَبين هُنَا أَن الْخَتْم على الْقُلُوب لَا يَجعله الله إِلَّا للَّذين اخْتَارُوا الْكفْر على الْإِيمَان
كَمَا قَالَ أَيْضا ﴿سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا وَإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلا وَإِن يرَوا سَبِيل الغي يتخذوه سَبِيلا ذَلِك بِأَنَّهُم كذبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غافلين﴾ فَأثْبت فِي هَذِه الْآيَة أَن الصّرْف عَن آيَات الله أَو الْخَتْم على الْقلب أَو الْإِمْدَاد بالضلال إِنَّمَا يتنزل على العَبْد بِنَاء على اخْتِيَاره حَيْثُ بَين أَن الصّرْف عَن آيَاته وَعَن الْحق إِنَّمَا يتنزل على العَبْد نتيجة لاختياراته فِي مَوَاقِف الِابْتِلَاء حَيْثُ تكبر فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَحَيْثُ اخْتَار سَبِيل الغي وَترك سَبِيل الرشد كَمَا قَالَ تَعَالَى أَيْضا فِي بني إِسْرَائِيل ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيَات الله وقتلهم الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غلف بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم فَلَا يُؤمنُونَ إِلَّا قَلِيلا وبكفرهم وَقَوْلهمْ على مَرْيَم بهتانا عَظِيما﴾
وَذَلِكَ يثبت مَا سبق أَن ذَكرْنَاهُ من أَن الإضلال أَو الْهدى والختم والطبع إِنَّمَا يطبعه على قُلُوب الْعباد بكفرهم وَقد يظنّ الْبَعْض فِي هَذِه الْآيَات السَّابِقَة شُبْهَة الْجَبْر وَذَلِكَ ناتج من عدم فهم سنة الله فِي مُعَاملَة الْعباد وَالَّتِي تحدثنا عَنْهَا
[ ٣ / ٢٠٨ ]
فِي الْفَصْل السَّابِق حَيْثُ تبين لنا أَن الأقدار الجبرية تنزل بِنَا على اختيارهم وشبهة الجبرية الناجمة فِي أذهان الْبَعْض عَن هَذِه الْآيَات السَّابِقَة نتيجة ظنهم أَن الْكفْر والضلال إِنَّمَا نتج عَن الطَّبْع والختم وَالصرْف الالهي عَن الْحق وَلَكِن الْآيَات تثبت صَرَاحَة أَن الْخَتْم والطبع وَالصرْف لَا تصيب إِلَّا الَّذين بدؤوا بِاخْتِيَار الْكفْر والضلال والتكبر فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَذَلِكَ يَعْنِي أَن أَفعَال الله النفسية فيهم وَالَّتِي عبر عَنْهَا بالطبع والختم وَالصرْف عَن الْحق لَيست سوى الْإِمْدَاد الإلهي بِمَا يخْتَار الْإِنْسَان لنَفسِهِ وَحَيْثُ أَن هَؤُلَاءِ قد اخْتَارُوا سَبِيل الغي وَتركُوا سَبِيل الرشد اَوْ اخْتَارُوا الْكفْر وَتركُوا الْإِيمَان فَإِن الله حسب سنته قد أمدهم بِمَا يطْلبُونَ من ثَوَاب الدُّنْيَا وحرمهم من ثَوَاب الْآخِرَة وَذَلِكَ بالطبع والختم على قُلُوبهم وصرفهم عَن آيَاته وَمن ثمَّ تكون هَذِه الْآيَات دَلِيلا قَوِيا على الِاخْتِيَار وَمن ثمَّ فَلَيْسَ بَين المجموعتين مَجْمُوعَة آيَات الْمَشِيئَة الإلهية ومجموعة آيَات الْإِرَادَة الإنسانية أدنى تعَارض أَو تنَافِي وَلذَلِك فقد جمع الله فِي آيَة وَاحِدَة عمل إِرَادَة الْإِنْسَان المتمشية والمتناسقة والداخلة فِي المجال اللامحدودة لإرادته سُبْحَانَهُ وَذَلِكَ حَيْثُ يَقُول جلّ وَعلا ﴿كلا إِنَّه تذكرة فَمن شَاءَ ذكره وَمَا يذكرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء الله هُوَ أهل التَّقْوَى وَأهل الْمَغْفِرَة﴾
وَيَقُول أَيْضا ﴿إِن هَذِه تذكرة فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله إِن الله كَانَ عليما حكيما يدْخل من يَشَاء فِي رَحمته والظالمين أعد لَهُم عذَابا أَلِيمًا﴾
كَمَا يَقُول ﴿إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾
[ ٣ / ٢٠٩ ]
فَهَذِهِ الْمَجْمُوعَة من الْآيَات تثبت للْإنْسَان إِرَادَته ومشيئته الْحرَّة المختارة وَلكنهَا تؤكد بانطوائها ككل شَيْء فِي الْوُجُود تَحت مَشِيئَته سُبْحَانَهُ وَمن ثمَّ نجد أننا يجب علينا أَن نرْجِع إِلَى هَذِه الْآيَات جَمِيعًا وَلَيْسَ إِلَى بَعْضهَا لكَي نَعْرِف الْحَقِيقَة الْكَامِلَة
وَيَقُول شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية توضيحا لعدم التَّعَارُض بَين المشيئتين وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ لَا يدل على أَن العَبْد لَيْسَ بفاعل لفعله الِاخْتِيَارِيّ وَلَا أَنه لَيْسَ بِقَادِر عَلَيْهِ وَلَا أَنه لَيْسَ بمريد بل يدل على أَنه لَا يشاؤه إِلَّا ان يَشَاء الله وَهَذِه الْآيَة رد على الطَّائِفَتَيْنِ الْمُجبرَة الْجَهْمِية والمعتزلة الْقَدَرِيَّة فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم﴾ فَأثْبت للْعَبد مَشِيئَة وفعلا ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ فَبين أَن مَشِيئَة العَبْد معلقَة بِمَشِيئَة الله وَالْأولَى رد على الجبرية وَهَذِه رد على الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ قد يَشَاء العَبْد مَا لَا يشاؤه الله كَمَا يَقُولُونَ إِن الله يَشَاء مَا لَا يشاؤون
وَقَالَ أَيْضا وَمِمَّا اتّفق عَلَيْهِ سلف الْأمة وأئمتها مَعَ إِيمَانهم بِالْقضَاءِ وَالْقدر وَأَن الله خَالق كل شَيْء وَأَنه مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَأَنه يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء ان الْعباد لَهُم مَشِيئَة وقدرة يَفْعَلُونَ بمشيئتهم وقدرتهم مَا أقدرهم الله عَلَيْهِ مَعَ قَوْلهم أَن الْعباد لَا يشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿كلا إِنَّه تذكرة فَمن شَاءَ ذكره وَمَا يذكرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ الْآيَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن هَذِه تذكرة فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله إِن الله كَانَ عليما حكيما﴾
وَقَالَ إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا
[ ٣ / ٢١٠ ]
تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين)
وَالْقُرْآن قد أخبر بِأَن الْعباد يُؤمنُونَ ويكفرون ويفعلون ويعملون ويكسبون ويطيعون ويعصون ويقيمون الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة ويحجون ويعتمرون وَيقْتلُونَ ويزنزن وَيَسْرِقُونَ ويصدقون ويكذبون ويأكلون وَيَشْرَبُونَ ويقاتلون ويحاربون فَلم يكن من السّلف وَالْأَئِمَّة من يَقُول أَن العَبْد لَيْسَ بفاعل وَلَا مُخْتَار وَلَا مُرِيد وَلَا قَادر وَلَا قَالَ أحد مِنْهُم أَنه فَاعل مجَازًا بل من تكلم مِنْهُم بِلَفْظ الْحَقِيقَة وَالْمجَاز متفقون على أَن العَبْد فَاعل حَقِيقَة وَالله تَعَالَى خَالق ذَاته وَصِفَاته وأفعاله فَكل مَا يَقع من الْعباد بإرادتهم ومشيئتهم فَهُوَ الَّذِي جعلهم فاعلين لَهُ بمشيئتهم وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يكرههم على مَا لَا يريدوه كَمَا يكره الْمَخْلُوق الْمَخْلُوق وَمن قَالَ لَا مَشِيئَة فِي الْخَيْر وَلَا فِي الشَّرّ فقد كذب وَمن قَالَ أَنه يَشَاء شَيْئا من الْخَيْر وَالشَّر بِدُونِ مَشِيئَة الله فقد كذب بل لَهُ مَشِيئَة لكل مَا يَفْعَله بِاخْتِيَارِهِ من خير وَشر وكل ذَلِك إِنَّمَا يكون بِمَشِيئَة الله وَقدرته فَلَا بُد من الْإِيمَان بِهَذَا وَهَذَا ليحصل الْإِيمَان بِالْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد وَالْإِيمَان بِالْقدرِ خَيره وشره وَإِن مَا أصَاب العَبْد لم يكن ليخطئه وَمَا أخطأه لم يكن ليصيبه
وَقَالَ ابْن الْقيم إِن مرتبَة الْمَشِيئَة قد دلّ عَلَيْهَا إِجْمَاع الرُّسُل من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم وَجَمِيع الْكتب الْمنزلَة من عِنْد الله والفطرة الَّتِي فطر الله عَلَيْهَا خلقه وأدلة الْعُقُول والعيان وَلَيْسَ فِي الْوُجُود مُوجب وَمُقْتَضى إِلَّا مَشِيئَة الله وَحده فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن هَذَا عُمُوم التَّوْحِيد الَّذِي لَا يقوم إِلَّا بِهِ والمسلمون من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم مجمعون على أَنه مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا
[ ٣ / ٢١١ ]
لم يَشَأْ لم يكن وَخَالفهُم فِي ذَلِك من لَيْسَ مِنْهُم فِي هَذَا الْموضع وَإِن كَانَ مِنْهُم فِي مَوضِع آخر فجوزوا أَن يكون فِي الْوُجُود مَا لَا يَشَاء الله وَإِن يَشَاء مَا لَا يكون وَخَالف الرُّسُل كلهم وأتباعهم من نفي مَشِيئَة الله بِالْكُلِّيَّةِ وَلم يثبت لَهُ سُبْحَانَهُ مَشِيئَة واختيارا أوجد بهَا الْخلق كَمَا يَقُوله طوائف من أَعدَاء الرُّسُل من الفلاسفة وأتباعهم
[ ٣ / ٢١٢ ]