عقد ابْن بطة فِي هَذَا الْكتاب بَابا خَاصّا لبَيَان هَذَا الْمَعْنى وَهُوَ الْبَاب الأول من الْجُزْء الثَّانِي وعنوانه بَاب ذكر مَا أخبرنَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه أَنه ختم على قُلُوب من أَرَادَ من عباده فهم لَا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحق وَلَا يسمعُونَ وَلَا يبصرونه وَأَنه طبع على قُلُوبهم
وَلما كَانَت الْقَدَرِيَّة تنكر الْخَتْم والطبع ضمن مَا تنكره من الأقدار عقد ابْن بطة هَذَا الْبَاب فأورد فِيهِ أَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع تثبت الغشاوة على الْأَبْصَار والختم والطبع على الْقُلُوب كَمَا بَين ﵀ أَن مآل السُّعَدَاء الَّذين شرح الله صُدُورهمْ للْإيمَان إِلَى الْجنَّة ومصير الأشقياء الَّذين ختم الله
[ ٣ / ١٨٧ ]
على قُلُوبهم وَجعل الغشاوة على أَبْصَارهم سَيكون إِلَى النَّار فَللَّه الْمِنَّة وَالشُّكْر فِيمَا هدى وَأعْطى وَهُوَ الحكم الْعدْل فِيمَا منع وأضل وأشقى وَله الْحَمد والْمنَّة على من تفضل عَلَيْهِ وهداه وَله الْحجَّة الْبَالِغَة على من أضلّهُ وأشقاه فَجعل على سمعهم وأبصارهم غشاوة وَفِي آذانهم وقرا وحجابا فَلَا يبصرون طَرِيق الْهِدَايَة والرشاد وَلَا يسمعُونَ نِدَاء الْحق والفلاح على قُلُوبهم أكنة تحول بَينهم وَبَين الْهِدَايَة والرشاد وَللَّه الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي ذَلِك فَلَا يجوز لأحد أَن يَقُول لم فعل الله بهم ذَلِك
وَقد فرض الله على الْمُؤمن أَن يعلم أَن ذَلِك عدل وَحِكْمَة لِأَن الْخلق كُله لله ﷿ وَالْملك ملكه وَالْعَبْد عَبده يهدي من يَشَاء ويضل من يَشَاء ويعز من يَشَاء ويذل من يَشَاء ويحمد على السَّعَادَة ويشقي من يَشَاء ويذم على الشَّقَاء وَهُوَ عدل فِي ذَلِك لَا راد لحكمه وَلَا معقب لقضائه لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون
وَمن النُّصُوص الْوَارِدَة فِي إِثْبَات الْخَتْم والطبع على من شَاءَ من بعباده قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة فَمن يهديه من بعد الله أَفلا تذكرُونَ﴾
[ ٣ / ١٨٨ ]
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فطبع على قُلُوبهم فهم لَا يفقهُونَ﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين طبع الله على قُلُوبهم وَاتبعُوا أهواءهم﴾
هَذَا الصِّنْف من النَّاس لايهتدون وَلَا يُؤمنُونَ مهما أنذروا بِالْآيَاتِ القرآنية وشاهدوا من الْآيَات الكونية وَمهما سمعُوا وعاينوا من المعجزات النَّبَوِيَّة الْوَاضِحَة كَمَا قصّ الله تَعَالَى عَن هَؤُلَاءِ فِي غير آيَة من كِتَابه من ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿لقد حق القَوْل على أَكْثَرهم فهم لَا يُؤمنُونَ إِنَّا جعلنَا فِي أَعْنَاقهم أغلالا فَهِيَ إِلَى الأذقان فهم مقمحون وَجَعَلنَا من بَين أَيْديهم سدا وَمن خَلفهم سدا فأغشيناهم فهم لَا يبصرون وَسَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ﴾
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن تَدعهُمْ إِلَى الْهدى فَلَنْ يهتدوا إِذا أبدا﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عَلَيْهِم مَا كَانُوا بِهِ مُؤمنين كَذَلِك سلكناه فِي قُلُوب الْمُجْرمين لَا يُؤمنُونَ بِهِ حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم﴾
فَهَذَا وَنَحْوه فِي الْقُرْآن مِمَّا يسْتَدلّ بِهِ الْعُقَلَاء من عباد الله الْمُؤمنِينَ على أَن الله ﷿ خلق خلقا من عباده أَرَادَ بهم الشَّقَاء فَكتب ذَلِك عَلَيْهِم فِي أم الْكتاب عِنْده فختم على قُلُوبهم فحال بَينهم وَبَين الْحق أَن يقبلوه وغشى أَبْصَارهم عَنهُ فَلم يبصروه وَجعل فِي آذانهم الوقر فَلم يسمعوه وَجعل قُلُوبهم ضيقَة حرجة وَجعلهَا فِي أكنة ومنعها الطَّهَارَة وَصَارَت رجسه لِأَنَّهُ خلقهمْ للنار
[ ٣ / ١٨٩ ]
فحال بَين قبُول مَا ينجيهم مِنْهَا فقد قَالَ الله ﷿ ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ﴾
قلت تَقْدِير الْهِدَايَة والإضلال وتسليط الشَّيْطَان على من يَشَاء من عباده وَكِتَابَة الْمعْصِيَة على آدم قبل خلقه وَجعل الْخَتْم والطبع على الْقُلُوب والغشاوة على الْأَبْصَار والحيلولة بَين الْمَرْء وَالْإِيمَان كل هَذَا وَغَيره مِمَّا ذكره ابْن بطة لَا يتنازع فِيهِ عُلَمَاء السّنة وَذَلِكَ لثُبُوته بأدلة من الْكتاب وَالسّنة كَمَا وضحه ابْن بطة فِي هَذِه الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة وَغَيرهَا من أَبْوَاب هَذَا الْكتاب
وَلَكِن الطائفتان الْقَدَرِيَّة والجبرية ضلت عَن الثَّوَاب فِي الْمَسْأَلَة لعدم دراستها لنصوص الْكتاب وَالسّنة فِي مسَائِل الْقدر دراسة شَامِلَة لجَمِيع جوابنها حَيْثُ أَن كل وَاحِدَة من الطَّائِفَتَيْنِ تَأْخُذ جانبا من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة تظن انه يُؤَيّد مذهبها فِي الْجَبْر أَو فِي نفي الْقدر وتترك الْجَانِب الآخر الَّذِي يكون حجَّة عَلَيْهَا فَزَعَمت الْقَدَرِيَّة أَنه لَيْسَ هُنَاكَ تَقْدِير للهداية والإضلال أزلا رغم وُرُود مئات من نُصُوص الْكتاب وَالسّنة تدل على ثُبُوت ذَلِك كُله كَمَا وضحها ابْن بطة وَغَيره من عُلَمَاء السّنة وَادعت أَن العَبْد هُوَ الَّذِي يخلق الْهِدَايَة والضلال لنَفسِهِ دون مَشِيئَة الله تَعَالَى وَتَقْدِيره الأزلي فَالله تَعَالَى فِي نظرهم لَيْسَ هاديا وَلَا مضلا للعباد وَلَا سُلْطَان للشَّيْطَان على أحد من خلقه وَلم يقدر الْمعْصِيَة على آدم وَغَيره من الْعباد وَلم يَجْعَل الْخَتْم والطبع والغشاوة والران والقفل على قُلُوبهم وَلَكِن الَّذِي يفعل ذَلِك كُله هُوَ العَبْد أَو الشَّيْطَان دون إِرَادَة من الله تَعَالَى إِذْ لَا يُمكن أَن يكون ذَلِك من الله لِأَن ذَلِك كَا يَقُولُونَ يتنافى مَعَ عَدَالَة الرب ﷿ وَقَالَت الجبرية أَن العَبْد مجبور لَا يَسْتَطِيع الْحَرَكَة نَحْو الْخَيْر وَالشَّر
[ ٣ / ١٩٠ ]
بِاخْتِيَارِهِ وإرادته ويستدلون على ذَلِك بِكَثِير من نُصُوص الْكتاب وَالسّنة الَّتِي يَزْعمُونَ أَنَّهَا تدل على مَذْهَبهم فِي الْجَبْر مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿من يشإ الله يضلله وَمن يَشَأْ يَجعله على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾
وَقَوله ﴿ذَلِك هدى الله يهدي بِهِ من يَشَاء من عباده وَلَو أشركوا لحبط عَنْهُم مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾
وَقَوله ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾
وَقَوله (وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم فيضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم)
وَيَقُول ﷿ ﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء ولتسألن عَمَّا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾
وَيَقُول ﷿ فَمن يهدي الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدا
وَقَوله من يهدي الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَأُولَئِك هم الخاسرون وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ أُولَئِكَ هم
[ ٣ / ١٩١ ]
الغافلون
وَقَوله ألم تَرَ أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزؤهم أزا
وَقَوله تَعَالَى ﴿واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك وأجلب عَلَيْهِم بخيلك ورجلك وشاركهم فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد وعدهم وَمَا يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا﴾
إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات القرآنية الَّتِي تزْعم الجبرية أَنَّهَا تدل على الْجَبْر وَلَيْسَ للْعَبد اخْتِيَار وَلَا مَشِيئَة فِي كل مَا يفعل
وَمن هَذَا الْبَاب إخْبَاره سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ طبع على قُلُوب الْكَافرين وَختم عَلَيْهَا وَأَنه أصمها عَن الْحق وأعمى أبصارها عَنهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة﴾
وَكَقَوْلِه ﷿ ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة﴾
وَقَوله وَقَالُوا قلبونا غلف بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم
وَقَالَ ﷿ ﴿كَذَلِك يطبع الله على قُلُوب الْكَافرين﴾ كَذَلِك يطبع الله على قُلُوب الْمُعْتَدِينَ ﴿ونطبع على قُلُوبهم فهم لَا يسمعُونَ﴾
وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن على بعض الْقُلُوب أقفالا تمنعها من أَن تنفتح لدُخُول الْهدى إِلَيْهَا وَقَالَ ﴿قل هُوَ للَّذين آمنُوا هدى وشفاء وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ فِي آذانهم وقر وَهُوَ عَلَيْهِم عمى﴾ غهذا الوقر والعمى حَال بَينهم وَبَين أَن يكون لَهُم
[ ٣ / ١٩٢ ]
هدى وشقاء والقدرية ترد هَذَا كُله إِلَى الْمُتَشَابه وتجعله من متشابه الْقُرْآن وتتأوله على غير تَأْوِيله بِمَا يقطع بِبُطْلَانِهِ وَعدم إِرَادَة الْمُتَكَلّم لَهُ مِمَّا لَا مجَال لذكره هُنَا لطوله
والجبرية تستدل بهَا على أَن العَبْد لَا مَشِيئَة وَلَا إِرَادَة لَهُ دون الْتِفَات إِلَى مئات من الْآيَات القرآنية الَّتِي تدل على أَن للْعَبد مَشِيئَة وَإِرَادَة واختيارا وَهِي كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿كلا إِنَّهَا تذكرة فَمن شَاءَ ذكره﴾
وَقَوله ﴿إِن هَذِه تذكرة فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا﴾
وَقَوله ﴿من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا وهم فِيهَا لَا يبخسون﴾
وَقَوله ﴿من كَانَ يُرِيد العاجلة عجلنا لَهُ فِيهَا مَا نشَاء لمن نُرِيد ثمَّ جعلنَا لَهُ جَهَنَّم يصلاها مذموما مَدْحُورًا وَمن أَرَادَ الْآخِرَة وسعى لَهَا سعيها وَهُوَ مُؤمن فَأُولَئِك كَانَ سَعْيهمْ مشكورا﴾
فهدى الله أهل السّنة لما اخْتلفُوا فِيهِ فحملوا الْآيَات الْمُتَقَدّمَة الدَّالَّة على الإضلال والختم والطبع على محمل صَحِيح وبينوا أَنَّهَا لَا تدل على الْجَبْر بِالْمَعْنَى الَّذِي يريدونه بل أَن العَبْد لَهُ مَشِيئَة وَإِرَادَة وَفِيمَا يَلِي بَيَان ذَلِك مفصلا
وضح ابْن الْقيم الْمَعْنى الْمَقْصُود من هَذِه الْآيَات الَّتِي تستدل بهَا الجبرية
[ ٣ / ١٩٣ ]
على أَن العَبْد مجبور مسلوب الْإِرَادَة وَالِاخْتِيَار وضح ذَلِك بقوله وَالْقُرْآن من أَوله إِلَى آخِره إِنَّمَا يدل على أَن الطَّبْع والختم والغشاوة لم يَفْعَلهَا الرب سُبْحَانَهُ بِعَبْدِهِ من أول وهلة حِين أمره بِالْإِيمَان أَو بَين لَهُ وَإِنَّمَا فعله بعد تكْرَار الدعْوَة مِنْهُ سُبْحَانَهُ والتأكيد فِي الْبَيَان والإرشاد وتكرار الْأَعْرَاض مِنْهُم وَالْمُبَالغَة فِي الْكفْر والعناد فَحِينَئِذٍ يطبع على قُلُوبهم وَيخْتم عَلَيْهَا فَلَا تقبل الْهدى بعد ذَلِك والإعراض وَالْكفْر الأول لم يكن مَعَ ختم وطبع بل كَانَ اخْتِيَارا فَلَمَّا تكَرر مِنْهُم صَار طبيعة وسجية
ثمَّ سَاق ابْن الْقيم أَدِلَّة من كتاب الله توضح هَذَا الْمَعْنى مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾
وَقَالَ ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
وَقَالَ ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة ونذرهم فِي طغيانهم يعمهون﴾
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿ثمَّ انصرفوا صرف الله قُلُوبهم﴾
وَقَالَ ﴿بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم﴾
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿فأعقبهم نفَاقًا فِي قُلُوبهم إِلَى يَوْم يلقونه بِمَا أخْلفُوا الله مَا وعدوه وَبِمَا كَانُوا يكذبُون﴾
إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات الَّتِي تُؤدِّي هَذَا الْمَعْنى وَهِي كَثِيرَة فِي الْقُرْآن الْكَرِيم
[ ٣ / ١٩٤ ]
وَمن هُنَا نعلم أَن الرب لَا يضل أحدا إِلَّا من اخْتَار لنَفسِهِ الضلال وَلَا يحول بَينه وَبَين الْإِيمَان إِلَّا من أعرض عَن الْهدى وَالْإِيمَان وَلَا يُسَلط الشَّيْطَان إِلَّا على الَّذين يتولونه فيزين لَهُم أَعْمَالهم كَمَا قَالَ تَعَالَى إِنَّمَا سلطناه على الَّذين يتلونه
وَقد أخبرنَا سُبْحَانَهُ أَنه لَا يُسَلط الشَّيْطَان على عباده المخلصين الَّذين يتسلحون بسلاح التَّقْوَى وَالْإِيمَان كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان وَكفى بِرَبِّك وَكيلا﴾ فالآية صَرِيحَة فِي أَن الله يُسَلط الشَّيْطَان على عباده وَلكنه خَاص بالذين يتولونه وَلَا سُلْطَان لَهُ على الَّذين يتولون الله وَرَسُوله
وَقد كتب غير وَاحِد من عُلَمَاء السّنة فِي بَيَان أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي يضل وَيُرْسل الشَّيَاطِين على الْكَافرين مِنْهُم الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْآجُرِيّ كِتَابه الشَّرِيعَة فَإِنَّهُ عقد عنوانا خَاصّا لبَيَان هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ بَاب ذكر مَا أخبرنَا بِهِ ﷿ أَنه أرسل الشَّيَاطِين على الْكَافرين فيضلونهم وَلَا يضلون إِلَّا من سبق فِي علمه أَنه لَا يُؤمن وَلَا يضرون أحدا إِلَّا بِإِذن الله ﷿ ثمَّ سَاق أَدِلَّة كَثِيرَة من كتاب الله تَعَالَى كَمَا فعل ابْن بطة إِلَى أَن قَالَ وَقد أخبرنَا أَنه هُوَ الَّذِي فتن قوم مُوسَى حَتَّى عبدُوا الْعجل بِمَا قيض لَهُم السامري فأضلهم بِمَا عمل لَهُم من الْعجل ألم تسمعوا إِلَى قَوْله ﷿ لمُوسَى ﵇ فَإنَّا قد قتنا قَوْمك من بعْدك وأضلهم السامري
وَقَالَ ﷿ فِي سُورَة الْأَنْبِيَاء ﴿ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة وإلينا ترجعون﴾
وَقَالَ ﷿ فِي سُورَة حم الْمُؤمن ﴿وَكَذَلِكَ زين لفرعون سوء عمله وَصد عَن السَّبِيل﴾ الْآيَة
[ ٣ / ١٩٥ ]
كَمَا كتب ابْن الْقيم أَيْضا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فساق أَدِلَّة قرآنية كَثِيرَة تدل على أَن الله تَعَالَى أرسل الشَّيَاطِين على من أضلّهُ الله من عباده وَمِمَّا اسْتدلَّ بِهِ من الْآيَات القرآنية قَوْله تَعَالَى إِنَّا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزرهم أزا
ثمَّ قَالَ فِي بَيَان معنى إرْسَال الشَّيَاطِين على الْكَافرين فِي الْآيَة الْكَرِيمَة فالإرسال هَاهُنَا إرْسَال كوني قدري كإرسال الرِّيَاح وَلَيْسَ بإرسال ديني شَرْعِي فَهُوَ إرْسَال تسليط بِخِلَاف قَوْله فِي الْمُؤْمِنُونَ ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ فَهَذَا السُّلْطَان الْمَنْفِيّ عَنهُ على الْمُؤمن هُوَ الَّذِي أرسل بِهِ جنده على الْكَافرين
قَالَ أَبُو إِسْحَاق وَمعنى الْإِرْسَال هَاهُنَا التسليط تَقول قد أرْسلت فلَانا على فلَان إِذا سلطته عَلَيْهِ كَمَا قَالَ ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ فَاعْلَم أَن من اتبعهُ هُوَ مسلط عَلَيْهِ
ثمَّ قَالَ ابْن الْقيم وَيشْهد لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون﴾
ثمَّ قَالَ فِي بَيَان معنى قَوْله تَعَالَى ﴿تؤزهم أزا﴾ فالأز فِي اللُّغَة التحريك والتهييج وَمِنْه يُقَال لغليان الْقدر الأزيز لتحرك المَاء عِنْد الغليان وَفِي الحَدِيث كَانَ لصدر رَسُول الله ﷺ أزيز كأزيز الْمرجل من الْبكاء وَعبارَة السّلف تَدور على هَذَا الْمَعْنى
قَالَ ابْن عَبَّاس تغريهم إغراء وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ تسلهم سلا وَفِي رِوَايَة أُخْرَى تحرضهم تحريضا وَفِي أُخْرَى تزعجهم للمعاصي إزعاجا وَفِي رِوَايَة أُخْرَى توقدهم إيقادا أَي كَمَا يَتَحَرَّك المَاء بالوقد تَحْتَهُ
[ ٣ / ١٩٦ ]
فخلاصة الْكَلَام فِي الْمَسْأَلَة أَن الإضلال والإغواء والختم وَالصرْف عَن الْهدى والطبع والران والحيلولة بَين الْمَرْء وَالْإِيمَان وتقليب الأفئدة كل ذَلِك لَا يَأْتِي من الله ابْتِدَاء وَإِنَّمَا يَأْتِي على سَبِيل الْعقُوبَة وَالْجَزَاء بعد أَن صدرت الذُّنُوب من العَبْد مقدما فَلِذَا لم يكن ذَلِك ظلما من الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ بل هُوَ عدل مِنْهُ تَعَالَى وَذَلِكَ لِأَن الظُّلم عِنْد أهل السّنة هُوَ وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه أَو أَن يُعَاقب الْإِنْسَان على عمل غَيره وَأما عِقَابه على فعله الِاخْتِيَارِيّ فَهُوَ لَيْسَ ظلما بل هُوَ عين الْعدْل فَلَا يُقَال حِينَئِذٍ كَيفَ تتمّ عَدَالَة الرب مَعَ الْخَتْم والطبع والإضلال إِذْ جَاءَ ذَلِك جَزَاء لَا ابْتِدَاء فبذلك يظْهر أَن الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَات السالفة الذّكر وأمثالها فِي الْقُرْآن الْكَرِيم على مَذْهَب الْجَبْر والختم والإضلال ابْتِدَاء دون أَسبَاب وَلَا عِقَاب يُوجب لَهُم ذَلِك فَهُوَ اسْتِدْلَال بَاطِل يدل على بُطْلَانه الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع سلف الْأمة
وَبعد هَذَا الْبَيَان لَا يسْتَشْكل علينا مَا حَكَاهُ لنا الْقُرْآن الْكَرِيم من أَن الله تَعَالَى هدى قوما وأضل قوما آخَرين من الْأُمَم الْمَاضِيَة مثل قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَصَالح وَشُعَيْب وَقوم عِيسَى ومُوسَى وَذَلِكَ لأَنهم كغيرهم من الْكَفَرَة عوقبوا بالإضلال والإغواء والختم والطبع بعد تماديهم فِي الضلال وعنادهم لأوامر الله وَرُسُله فأضلهم الله عُقُوبَة لَهُم وَجَزَاء على ضلالهم السَّابِق وعنادهم المستمر كَمَا حكى ذَلِك كل نَبِي عَن قومه قَالَ نوح ﵇ ﴿وَإِنِّي كلما دعوتهم لتغفر لَهُم جعلُوا أَصَابِعهم فِي آذانهم واستغشوا ثِيَابهمْ وأصروا واستكبروا استكبارا﴾
[ ٣ / ١٩٧ ]
وَقَالَ ﷿ حِكَايَة عَن قوم نوح أَيْضا ﵇ ﴿قَالُوا يَا نوح قد جادلتنا فَأَكْثَرت جدالنا فأتنا بِمَا تعدنا إِن كنت من الصَّادِقين قَالَ إِنَّمَا يأتيكم بِهِ الله إِن شَاءَ وَمَا أَنْتُم بمعجزين وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت أَن أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم هُوَ ربكُم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ وَهَكَذَا حِكَايَة جَمِيع الْأُمَم مَعَ رسلهم
وَمن الْآيَات الدَّالَّة على أَن الله تَعَالَى لَا يُعَاقب العَبْد بالإضلال إِلَّا بِسَبَب ذَنبه ومخالفته لأوامره تَعَالَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ أُولَئِكَ هم الغافلون﴾
وَقد تقدم أَن الشَّيْخ رشيد رضَا قَالَ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة نقسم أننا قد خلقنَا وبثثنا فِي الْعَالم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لأجل سُكْنى جَهَنَّم وَالْمقَام فِيهَا أَي كَمَا ذرأنا للجنة مثل ذَلِك وَهُوَ مقتضي استعداد الْفَرِيقَيْنِ فَمنهمْ شقي وَسَعِيد فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير وبماذا كَانَ هَؤُلَاءِ معدين لِجَهَنَّم دون الْجنَّة وَمَا صفاتهم المؤهلة لذَلِك
الْجَواب ذَلِك بِأَن لَهُم قلوبا لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعينا لَا يبصرون بهَا إِلَخ
وَقَوله ﴿فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ قَالَ ابْن الْقيم أخبر سُبْحَانَهُ ان الْحجَّة لَهُ عَلَيْهِم برسله وَكتبه وَبَيَان مَا يَنْفَعهُمْ ويضرهم وتمكينهم من الْإِيمَان بِمَعْرِفَة اوامره ونواهيه وَأَعْطَاهُمْ الأسماع والأبصار والعقول فثبتت حجَّته الْبَالِغَة عَلَيْهِم بذلك واضمحلت حجتهم الْبَاطِلَة عَلَيْهِ
[ ٣ / ١٩٨ ]
بِمَشِيئَة وقضائه ثمَّ قرر تَمام الْحجَّة بقوله ﴿فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ فَإِن هَذَا يتَضَمَّن أَنه الْمُنْفَرد بالربوبية وَالْملك وَالتَّصَرُّف فِي خلقه وَأَنه لَا رب غَيره وَلَا إِلَه سواهُ فَكيف يعْبدُونَ مَعَه إِلَهًا غَيره فإثبات الْقدر والمشيئة من تَمام حجَّته الْبَالِغَة عَلَيْهِم وَأَن الْأَمر كُله لله وَأَن كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل فالقضاء وَالْقدر والمشيئة النافذة من أعظم ادلة التَّوْحِيد فَجَعلهَا الظَّالِمُونَ الجاحدون حجَّة لَهُم على الشّرك فَكَانَت حجَّة الله هِيَ الْبَالِغَة وحجتهم هِيَ الداحضة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
[ ٣ / ١٩٩ ]