بَين ابْن بطة وجوب الْإِمْسَاك عَن الْخَوْض فِي الْقدر فِي أول الْخطْبَة لهَذَا الْكتاب بِمَا اسْتشْهد بِهِ من الْأَحَادِيث والْآثَار عَن السّلف وَبَين أَن ذَلِك مَذْهَب أهل السّنة ثمَّ عقد بَابا خَاصّا لهَذَا الْغَرَض وَهُوَ الْبَاب الثَّالِث من الْجُزْء الْحَادِي عشر وعنوانه بَاب مَا أَمر النَّاس من ترك الْبَحْث والتنقير عَن الْقدر والخوض فِيهِ
وَقد جَاءَ النَّهْي عَن الْخَوْض والجدال فِي الْقدر فِي أَحَادِيث وآثار مَرْفُوعَة ذكرهَا ابْن بطة فِي هَذَا الْبَاب يُسْتَفَاد مِنْهَا وجوب الْإِمْسَاك عَن الْكَلَام فِي الْقدر وَعَن السُّؤَال عَنهُ بكيف ولماذا قدر كَذَا وَكَذَا وَذَلِكَ لِأَن الْقدر سر من أسرار الله اخْتصَّ بِهِ الرب فَلم يطلع عَلَيْهِ احدا من خلقه فَلَا يَنْبَغِي للمخلوق التطلع إِلَى مَا لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته فَلَا يسْأَل عَن الْحِكْمَة فِي الْقدر وسر الله فِيهِ فَالْوَاجِب الْإِيمَان وَالتَّسْلِيم ورد مَا اسْتشْكل من حكمه إِلَى الله تَعَالَى دون أَن يجْهد نَفسه للسؤال عَن الْحِكْمَة والسر فِيهِ فقد خرج رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم على أَصْحَابه وهم يتنازعون فِي الْقدر فَكَأَنَّمَا فقئ فِي وَجهه حب الرُّمَّان فَقَالَ أَبِهَذَا أمرْتُم أَبِهَذَا وكلتم انْظُرُوا مَا أَمرتهم فَاتَّبعُوهُ وَمَا نهيتهم عَنهُ فَاجْتَنبُوهُ إِنَّمَا هَلَكت الْأُمَم قبلكُمْ فِي هَذَا إِذا ذكر الْقدر فأمسكوا وَإِذا ذكر أَصْحَابِي فأمسكوا وَإِذا ذكر النُّجُوم فأمسكوا إِلَى غير ذَلِك من الْأَحَادِيث
[ ٣ / ٢٢٥ ]
المروية فِي هَذَا الْبَاب فِي النَّهْي عَن الْخَوْض فِي الْقدر
وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ لما سُئِلَ عَن الْقدر شَيْء أَرَادَ الله أَن لَا يطلعكم عَلَيْهِ فَلَا تريدوا من الله مَا أَبى عَلَيْكُم ووقف ذَات يَوْم على أنَاس يتحدثون فِي الْقدر فَقَالَ إِنَّكُم قد أَفَضْتُم فِي أَمر لن تدركوا غوره
وَبلغ عمر بن الْخطاب أَن نَاسا تكلمُوا فِي الْقدر فَقَامَ خطييبا وحذرهم عَن ذَلِك قَائِلا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا أسمع رجلَيْنِ تكلما فِيهِ إِلَّا ضربت أعناقهما فَأمْسك النَّاس عَن الْكَلَام فِي الْقدر حَتَّى نبغت نَابِغَة أَو نبغة بِالشَّام
وَقد أوضح ابْن بطة موقف عَامَّة السّلف ومنهجهم فِي مَسْأَلَة الْقدر فَقَالَ وَقد كَانَ سلفنا وأئمتنا رَحْمَة الله عَلَيْهِم يكْرهُونَ الْكَلَام فِي الْقدر وَينْهَوْنَ عَن خصومه أَهله وموادعتهم القَوْل أَشد النَّهْي ويتبعون فِي ذَلِك السّنة وآثار الْمُصْطَفى ﷺ
وَبعد ان ذكر ابْن بطة ادلة وجوب الْإِمْسَاك عَن الْكَلَام فِي الْقدر قَالَ مَا نَصه
فَجَمِيع مَا قدر وبيناه فِي هَذَا الْبَاب يلْزم الْعُقَلَاء الْإِيمَان بِالْقدرِ وَالرِّضَا وَالتَّسْلِيم لقَضَاء الله وَقدره وَترك الْبَحْث والتنقير وَإِسْقَاط لم وَكَيف وليت وَلَوْلَا فَإِن هَذَا كُله اعتراضات من العَبْد على ربه وَمن الْجَاهِل على الْعَالم مُعَارضَة من الْمَخْلُوق الضَّعِيف الذَّلِيل على الْخَالِق الْقوي الْعَزِيز وَالرِّضَا وَالتَّسْلِيم طَرِيق الْهدى وسبل اهل التَّقْوَى وَمذهب من شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه فَهُوَ يُؤمن بِالْقدرِ كُله خَيره وشره وَأَنه وَاقع بمقدور الله جرى وَمن يعلم أَن الله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون
[ ٣ / ٢٢٦ ]
وَمن الجدير بِالذكر أَن ابْن بطة قد أجَاب عَمَّا قد يسْتَشْكل فِي هَذَا الْمقَام حَيْثُ يُوجد هُنَاكَ أَدِلَّة أُخْرَى على خلاف مَا تقدم يُسْتَفَاد مِنْهَا جَوَاز الْكَلَام والمناقشة فِي مَسْأَلَة الْقدر وَإجَابَة عَن هَذَا الْإِشْكَال قَالَ مَا نَصه
فَإِن قَالَ قَائِل هَذَا فقد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه وَعَن جمَاعَة من التَّابِعين وفقهاء الْمُسلمين أَنهم تكلمُوا فِيهِ وفسروا آيَات من الْقُرْآن يدل ظَاهرهَا وتفسيرها على الْعلم بِالْقدرِ وَقد رَأينَا جمَاعَة من الْعلمَاء ألفوا فِيهِ كتبا وصنفوه أبوابا وَرووا أَيْضا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ تعلمُوا من الْقدر مَا لَا تضلون وَهَذَا مُخَالف لقَوْله إِذا ذكر الْقدر فأمسكوا فإنني أرجع إِلَيْهِ بِجَوَاب مَا سَأَلَ عَنهُ من ذَلِك بِأَن أَقُول لَهُ اعْلَم رَحِمك الله أَن كلا الْوَجْهَيْنِ صَحِيحَانِ وكلا الْأَمريْنِ وَاجِب الْقبُول لَهما وَالْعَمَل بهَا وَذَلِكَ ان الْقدر على وَجْهَيْن احدهما فرض علينا علمه ومعرفته وَالْإِيمَان بِهِ والتصديق بِجَمِيعِهِ وَالْآخر فَحَرَام علينا التفكير فِيهِ وَالْمَسْأَلَة عَنهُ والمناظرة عَلَيْهِ وَالْكَلَام لأَهله وَالْخُصُومَة بِهِ فَالْوَاجِب علينا علمه والتصديق بِهِ وَالْإِقْرَار بِجَمِيعِهِ أَن نعلم أَن الْخَيْر وَالشَّر من الله وَأَن الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة بِقَضَاء الله وَقدره وان مَا أَصَابَنَا لم يكن ليخطئنا وَمَا اخطأنا لم يكن ليصيبنا وَأَن الله خلق الْجنَّة وَخلق لَهَا أَهلا وعلمهم بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِم ووفقهم لأعمال الصَّالِحَة رضيها أَمرهم بهَا فوفقهم لَهَا وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهَا وشكرهم بهَا وأثابهم الْجنَّة عَلَيْهَا تفضلا مِنْهُ وَرَحْمَة وَخلق النَّار وَخلق لَهَا أَهلا أحصاهم عددا وَعلم مَا يكون مِنْهُم وَقدر عَلَيْهِم مَا كرهه لَهُم خذلهم بهَا وعذبهم لأَجلهَا غير ظَالِم لَهُم وَلَا هم معذورون فِيمَا حكم عَلَيْهِم بِهِ فَكل هَذَا وأشباهه من علم الْقدر الَّذِي لزم الْخلق علمه وَالْإِيمَان بِهِ وَالتَّسْلِيم لأمر الله وَحكمه وقضائه وَقدره لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون
وَسَيَأْتِي من علم الْقدر وَمَا يجب على الْمُسلمين علمه والمعرفة بِهِ وَمَا لَا يسعهم جَهله مشروحا مفصلا فِي أبوابه على مَا جَاءَ نَص التَّنْزِيل وَمَضَت بِهِ سنة
[ ٣ / ٢٢٧ ]
الرَّسُول ﷺ وَبِاللَّهِ نستعين وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
واما الْوَجْه الآخر من علم الْقدر الَّذِي لَا يحل النّظر فِيهِ وَلَا الْفِكر بِهِ وَحرَام على الْخلق القَوْل فِي كَيفَ وَلم وَمَا السَّبَب مِمَّا هُوَ سر الله المخزون وَعلمه الْمكنون الَّذِي لم يطلع عَلَيْهِ مُكَلّفا مقربا وَلَا نَبيا مُرْسلا وحجب الْعُقُول عَن تخيل كنه علمه والناظر فِيهِ كالناظر فِي عين الشَّمْس كلما ازْدَادَ فِيهِ نظرا إزداد فِيهِ تحيرا وَمن الْعلم بكيفيتها بعدا فَهُوَ التفكر فِي الرب ﷿ كَيفَ فعل كَذَا وَكَذَا ثمَّ يقيس فعل الله ﷿ بِفعل عباده فَمَا رَآهُ من فعل الْعباد جورا يظنّ أَنما مَا كَانَ من فعل مثله جور فينفي ذَلِك الْفِعْل عَن الله فَيصير بَين أَمريْن إِمَّا ان يعْتَرف لله ﷿ بِقَضَائِهِ وَقدره وَيرى أَنه جور من فعله وَإِمَّا أَن يرى مِمَّن ينزه الله عَن الْجور فينفي عَنهُ قَضَاءَهُ وَقدره فَيجْعَل مَعَ الله آلِهَة كَثِيرَة يحولون بَين الله وَبَين مَشِيئَته فبالفكر فِي هَذَا أَو شبهه والتفكير والبحث والتنقير مِنْهُ هَلَكت الْقَدَرِيَّة حَتَّى صَارُوا زنادقة وملحدة ومجوسا حَيْثُ قاسوا فعل الرب بِأَفْعَال الْعباد وشبهوا الله بخلقه وَلم يعوا عَنهُ وَمَا خاطبهم بِهِ حَيْثُ يَقُول لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون
[ ٣ / ٢٢٨ ]
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْجُزْء الثَّامِن من كتاب الْإِبَانَة عَن شَرِيعَة الْفرْقَة النَّاجِية ومجانبة الْفرق المذمومة وَهُوَ الأول من كتاب الْقدر تأليف أبي عبد الله عبيد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حمدَان بن بطة ﵁ رِوَايَة الشَّيْخ أبي الْقَاسِم عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ البسري بِالْإِجَازَةِ عَنهُ ﵁ رِوَايَة الشَّيْخ الإِمَام أبي الْحسن على بن عبيد الله بن نصر بن عبيد الله بن الزَّاغُونِيّ نفعنا الله وإياه بِالْعلمِ آمين
فِيهِ ثَمَانِيَة أَبْوَاب
١ - بَاب ذكر مَا أخبرنَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه أَنه ختم على قُلُوب من أَرَادَ من عباده فهم لَا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحق وَلَا يسمعونه وَلَا يبصرونه وَأَنه طبع على قُلُوبهم
٢ - بَاب ذكر مَا أعلمنَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه أَنه يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَأَنه لَا يهدي بِالْمُرْسَلين والكتب والآيات والبراهين إِلَّا من سبق فِي علم الله أَنه يهديه
[ ٣ / ٢٣٣ ]
٣ - بَاب ذكر مَا أخبرنَا الله تَعَالَى أَنه أرسل الْمُرْسلين إِلَى النَّاس يَدعُونَهُمْ إِلَى عبَادَة رب الْعَالمين ثمَّ أرسل الشَّيَاطِين على الْكَافرين تحرضهم على تَكْذِيب الْمُرْسلين وَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة
٤ - بَاب ذكر مَا أعلمنَا الله تَعَالَى أَن مَشِيئَة الْخلق تبع لمشيئته وَأَن الْخلق لَا يشاؤون إِلَّا مَا شَاءَ الله
٥ - بَاب مَا رُوِيَ أَن الله تَعَالَى خلق خلقه كَمَا شَاءَ لما شَاءَ فَمن شَاءَ خلقه للجنة وَمن شَاءَ خلقه للنار سبق بذلك علمه وَنفذ فِيهِ حكمه وَجرى بِهِ قلمه وَمن جَحده فَهُوَ من الْفرق الهالكة
٦ - بَاب الْإِيمَان بِأَن الله أَخذ ذُرِّيَّة آدم من ظَهره فجعلهم فريقين فريقا للجنة وفريقا للسعير
٧ - بَاب الْإِيمَان بِأَن الله قدر الْمَقَادِير قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرضين وَمن خَالف ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة
٨ - بَاب الْإِيمَان بِأَن الله تَعَالَى خلق الْقَلَم فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَكتب مَا هُوَ كَائِن فَمن خَالفه فَهُوَ من الْفرق الهالكة
[ ٣ / ٢٣٤ ]