بَابُ التَّحْذِيرِ مِنِ اسْتِمَاعِ كَلَامِ قَوْمٍ يُرِيدُونَ نَقْضَ الْإِسْلَامِ، وَمَحْوَ شَرَائِعِهِ فَيُكَنُّونَ عَنْ ذَلِكَ بِالطَّعْنِ عَلَى فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَيْبِهِمْ بِالِاخْتِلَافِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ ذَكَرْتَ نَهْيَ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْفُرْقَةِ، وَتَحْذِيرَهُ أُمَّتَهُ ذَلِكَ، وَحَضَّهُ إِيَّاهُمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ، وَقُلْتَ: إِنَّ ذَلِكَ هُوَ أَصْلُ الْمُسْلِمِينَ، وَدُعَامَةُ الدِّينِ، وَأَنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ هِيَ وَاحِدَةٌ، وَالْفِرَقُ الْمَذْمُومَةُ نَيْفٌ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً، وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ هَذِهِ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ أَيْضًا فِيهَا اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ، وَتَبَايُنٌ فِي الْمَذَاهِبِ، وَنَرَى فُقَهَاءَ الْمُسْلِمِينَ مُخْتَلِفِينَ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَوْلٌ يَقُولُهُ، وَمَذْهَبٌ يَذْهَبُ إِلَيْهِ وَيَنْصُرُهُ، وَيَعِيبُ مَنْ خَالَفَهُ عَلَيْهِ، فَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ﵀ إِمَامٌ، وَلَهُ أَصْحَابٌ يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ، وَيَعِيبُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ﵀، وَكَذَلِكَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵀، وَطَائِفَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ، وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَهُ مَذْهَبٌ يُخَالِفُ فِيهِ غَيْرَهُ. وَنَرَى قَوْمًا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ، وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَعِيبُونَنَا بِهَذَا الِاخْتِلَافِ، وَيَقُولُونَ لَنَا: الْحَقُّ وَاحِدٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ فِي وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنِّي أَقُولُ لَهُ فِي جَوَّابِ هَذَا السُّؤَالِ: أَمَّا مَا تَحْكِيهِ عَنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مِمَّا يَعِيبُونَ بِهِ أَهْلَ التَّوْحِيدِ، وَالْإِثْبَاتِ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَإِنِّي قَدْ تَدَبَّرْتُ كَلَامَهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَإِذَا
[ ٢ / ٥٥١ ]
هُمْ لَيْسَ الِاخْتِلَافُ يَعِيبُونَ، وَلَا لَهُ يَقْصِدُونَ، وَإِنَّمَا هُمْ قَوْمٌ عَلِمُوا أَنَّ أَهْلَ الْمِلَّةِ وَأَهْلَ الذِّمَّةِ وَالْمُلُوكَ وَالسُّوقَةَ وَالْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ وَأَهْلَ الدُّنْيَا كَافَّةً إِلَى الْفُقَهَاءِ يَرْجِعُونَ، وَلِأَمْرِهِمْ يُطِيعُونَ، وَبِحُكْمِهِمْ يَقْضُونَ فِي كُلِّ مَا أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ، وَفِي كُلِّ مَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ، فَعَلَى فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَعُولُونَ فِي رُجُوعِ النَّاسِ إِلَى فُقَهَائِهِمْ، وَطَاعَتُهُمْ لِعُلَمَائِهِمْ ثَبَاتٌ لِلدِّينِ، وَإِضَاءَةٌ لِلسَّبِيلِ، وَظُهُورٌ لِسُنَّةِ الرَّسُولِ، وَكُلُّ ذَلِكَ، فَفِيهِ غَيْظٌ لِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَاضْمِحْلَالٌ لِلْبِدَعِ، فَهُمْ يُوهُونَ أَمْرَ الْفُقَهَاءِ، وَيُضَعِّفُونَ أُصُولَهُمْ، وَيَطْعَنُونَ عَلَيْهِمْ بِالِاخْتِلَافِ لِتَخْرُجَ الرَّعِيَّةُ عَنْ طَاعَتِهِمْ، وَالِانْقِيَادِ لِأَحْكَامِهِمْ، فَيُفْسَدُ الدِّينُ، وَتُتْرَكُ الصَّلَوَاتُ وَالْجَمَاعَاتُ، وَتُبْطَلُ الزَّكَوَاتُ وَالصَّدَقَاتُ وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ، وَيُسْتَحَلُّ الرِّبَا وَالزِّنَا وَالْخُمُورُ وَالْفُجُورُ، وَمَا قَدْ ظَهَرَ مِمَّا لَا خِفَاءَ بِهِ عَلَى الْعُقَلَاءِ. فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ يَا أَخِي رَحِمَكَ اللَّهُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَيَعِيبُونَ مَا يَأْتُونَ، وَيَجْحَدُونَ مَا يَعْلَمُونَ، وَيُبْصِرُونَ الْقَذَى فِي عُيُونِ غَيْرِهِمْ، وَعُيُونُهُمْ تَطْرِفُ عَلَى الْأَجْذَالِ، وَيَتَّهِمُونَ أَهْلَ الْعَدَالَةِ وَالْأَمَانَةِ فِي النَّقْلِ، وَلَا يَتَّهِمُونَ آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ عَلَى الظَّنِّ، وَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ اخْتِلَافًا، وَأَشَدُّهُمْ تَنَافِيًا وَتَبَايُنًا، لَا يَتَّفِقُ اثْنَانِ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ عَلَى قَوْلٍ، وَلَا يَجْتَمِعُ رَجُلَانِ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ عَلَى مَذْهَبٍ. فَأَبُو الْهُذَيْلِ يُخَالِفُ النَّظَّامَ،
[ ٢ / ٥٥٤ ]
وَحُسَيْنٌ النَّجَّارُ يُخَالِفُهُمَا، وَهِشَامٌ الْفُوَطِيُّ يُخَالِفُهُمْ، وَثُمَامَةُ بْنُ أَشْرَسَ يُخَالِفُ الْكُلَّ، وَهَاشِمٌ الْأَوْقَصُ وَصَالِحُ بْنُ قُبَّةَ يُخَالِفَانِهِمْ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدِ انْتَحَلَ لِنَفْسِهِ دِينًا يَنْصُرُهُ، وَرَبًّا يَعْبُدُهُ، وَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابٌ يَتْبَعُونَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُكَفِّرُ مَنْ خَالَفَهُ، وَيَلْعَنُ مَنْ لَا يَتْبَعُهُ، وَهُمْ فِي اخْتِلَافِهِمْ وَتَبَايُنِهِمْ كَاخْتِلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]. فَاخْتِلَافُهُمْ كَاخْتِلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي صِفَاتِ اللَّهِ، وَفِي الْكَيْفِيَّةِ، وَفِي قُدْرَةِ اللَّهِ، وَفِي عَظَمَتِهِ، وَفِي نَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَفِي عَذَابِ النَّارِ، وَفِي الْبَرْزَخِ، وَفِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَفِي الرَّقِّ الْمَنْشُورِ، وَفِي عِلْمِ اللَّهِ،
[ ٢ / ٥٥٥ ]
وَفِي الْقُرْآنِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وَلَيْسَ يُعْدَمُ مَنْ رَدَّ الْعِلْمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِلَى رَأْيِهِ، وَهَوَاهُ، وَقِيَاسِهِ، وَنَظَرِهِ، وَاخْتِيَارِهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْعَظِيمِ، وَالتَّبَايُنِ الشَّدِيدِ. وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَأَشَدُّ النَّاسِ اخْتِلَافًا وَتَبَايُنًا وَتَطَاعُنًا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَخْتَارُ مَذْهَبًا لِنَفْسِهِ يَلْعَنُ مَنْ خَالَفَهُ عَلَيْهِ، وَيُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يَتْبَعْهُ، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا صَلَاةَ، وَلَا صِيَامَ، وَلَا جِهَادَ، وَلَا جُمُعَةَ، وَلَا عِيدَيْنِ، وَلَا نِكَاحَ، وَلَا طَلَاقَ، وَلَا بَيْعَ، وَلَا شِرَاءَ إِلَّا بِإِمَامٍ، وَإِنَّهُ مَنْ لَا إِمَامَ لَهُ فَلَا دِينَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ إِمَامُهُ فَلَا دِينَ لَهُ، ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِي الْأَئِمَّةِ، فَالْإِمَامِيَّةُ لَهَا إِمَامٌ تُسَوِّدُهُ وَتَلْعَنُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِمَامَ غَيْرُهُ، وَتُكَفِّرُهُ، وَكَذَلِكَ الزَّيْدِيَّةُ لَهَا إِمَامٌ غَيْرُ إِمَامِ الْإِمَامِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ، وَكَذَلِكَ الْكَيْسَانِيَّةُ وَالْبُتْرِيَّةُ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَنْتَحِلُ مَذْهَبًا وَإِمَامًا، وَتَلْعَنُ مَنْ خَالَفَهَا عَلَيْهِ، وَتُكَفِّرُهُ، وَلَوْلَا مَا نُؤْثِرُهُ مِنْ صِيَانَةِ الْعِلْمِ الَّذِي أَعْلَى اللَّهُ أَمْرَهُ، وَشَرَّفَ قَدْرَهُ، وَنَزَّهَهُ أَنْ يُخْلَطَ بِهِ نَجَاسَاتُ أَهْلِ الزَّيْغِ وَقَبِيحُ أَقْوَالِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمُ الَّتِي تَقْشَعِرُّ الْجُلُودُ مِنْ ذِكْرِهَا، وَتَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنِ اسْتِمَاعِهَا، وَيُنَزِّهُ الْعُقَلَاءُ أَلْفَاظَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ عَنْ لَفْظِهَا لَذَكَرْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ، وَلَكِنَّهُ.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
٦٩٣ - قَدْ رُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، ﵀ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي عَلَى طَهَارَةٍ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِمَا تَقُولُهُ الرَّوَافِضُ
٦٩٤ - وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ﵀: إِنَّا لَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْجَهْمِيَّةِ، وَلَوْلَا أَنَّكَ قُلْتَ إِنَّ أَهْلَ الزَّيْغِ يَطْعَنُونَ عَلَى أَئِمَّتِنَا، وَعُلَمَائِنَا بِاخْتِلَافِهِمْ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعَلِّمَكَ أَنَّ الَّذِي أَنْكَرُوهُ هُمُ ابْتَدَعُوهُ، وَأَنَّ الَّذِي عَابُوهُ هُمُ اسْتَحْسَنُوهُ، وَلَوْلَا اخْتِلَافُهُمْ فِي أُصُولِهِمْ وَعُقُودِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ وَدِيَانَاتِهِمْ لَمَا دَنَّسْنَا أَلْفَاظَنَا بِذِكْرِ حَالِهِمْ. فَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فَهُوَ يَنْقَسِمُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا اخْتِلَافٌ الْإِقْرَارُ بِهِ إِيمَانٌ وَرَحْمَةٌ وَصَوَابٌ، وَهُوَ الِاخْتِلَافُ الْمَحْمُودُ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ، وَمَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَرَضِيَتْ بِهِ الْأُمَّةُ، وَذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ وَالْأَحْكَامِ الَّتِي أُصُولُهَا تَرْجِعُ إِلَى الْإِجْمَاعِ، وَالِائْتِلَافِ. وَاخْتِلَافٌ هُوَ كُفْرٌ وَفُرْقَةٌ وَسَخْطَةٌ وَعَذَابٌ يَئُولُ بِأَهْلِهِ إِلَى الشَّتَاتِ وَالتَّضَاغُنِ وَالتَّبَايُنِ وَالْعَدَاوَةِ وَاسْتِحْلَالِ الدَّمِ وَالْمَالِ، وَهُوَ اخْتِلَافُ أَهْلِ الزَّيْغِ فِي الْأُصُولِ وَالِاعْتِقَادِ وَالدِّيَانَةِ. فَأَمَّا اخْتِلَافُ أَهْلِ الزَّيْغِ، فَقَدْ بَيَّنْتُ لَكَ كَيْفَ هُوَ، وَفِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ الَّذِي يُئُولُ بِأَهْلِهِ إِلَى الْإِجْمَاعِ وَالْأُلْفَةِ وَالتَّوَاصُلِ وَالتَّرَاحُمِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْإِثْبَاتِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يُجْمِعُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ وَبِالرِّسَالَةِ بِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، وَبِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَا يَكُونُ، وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَمُقَدِّرُهُمَا، وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ يُرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ بَاقِيَتَانِ بِبَقَاءِ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِالْأَشْيَاءِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدِيمٌ لَا بِدَايَةَ لَهُ وَلَا نِهَايَةَ وَلَا غَايَةَ، بِصِفَاتِهِ التَّامَّةِ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا، نَاطِقًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، حَيًّا، حَلِيمًا، قَدْ عَلِمَ مَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، وَأَنَّهُ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ خَلْقِ
[ ٢ / ٥٥٧ ]
الْأَشْيَاءِ، وَمُجْمِعُونَ عَلَى إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ ﵈، وَعَلَى تَقْدِيمِ الشَّيْخَيْنِ وَعَلَى أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ جَزْمًا وَحَتْمًا لَا شَكَّ فِيهِ، وَمُجْمِعُونَ عَلَى التَّرَحُّمِ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَلِأَزْوَاجِهِ، وَأَوْلَادِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْكَفِّ عَنْ ذِكْرِهِمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَالْإِمْسَاكُ وَتَرْكُ النَّظَرِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ لَمْ يَزَلِ النَّاسُ مُذْ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا وَبَرِّهَا وَبَحْرِهَا وَسَهْلِهَا وَجَبَلِهَا يَرْوِيهِ الْعُلَمَاءُ رُوَاةُ الْآثَارِ، وَأَصْحَابُ الْأَخْبَارِ، وَيَعْرِفُهُ الْأُدَبَاءُ وَالْعُقَلَاءُ، وَيَجْمَعُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسْوَانُ وَالشَّيْبُ وَالشُّبَّانُ وَالْأَحْدَاثُ، وَالصِّبْيَانُ فِي الْحَاضِرَةِ وَالْبَادِيَةِ، وَالْعَرَبِ، وَالْعَجَمِ، لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُهُ، وَلَا يَشِذُّ عَنِ الْإِجْمَاعِ مَعَ النَّاسِ فِيهِ إِلَّا رَجُلٌ خَبِيثٌ زَائِغٌ مُبْتَدِعٌ مَحْقُورٌ مَهْجُورٌ مَدْحُورٌ، يَهْجُرُهُ الْعُلَمَاءُ، وَيَقْطَعُهُ الْعُقَلَاءُ، إِنْ مَرِضَ لَمْ يَعُودُوهُ، وَإِنْ مَاتَ لَمْ يَشْهَدُوهُ. ثُمَّ أَهْلُ الْجَمَاعَةِ مُجْمِعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ خَمْسٌ، وَعَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَرْضٌ، وَعَلَى الصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَعَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالرِّبَا وَالزِّنَا وَقَتْلِ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَتَحْرِيمِ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَمَا يَطُولُ الْكِتَابُ بِشَرْحِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَصْلِ الدِّينِ، وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى شَرِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ اخْتِلَافًا لَمْ يَصِرْ بِهِمْ إِلَى فُرْقَةٍ، وَلَا شَتَاتٍ، وَلَا مُعَادَاةٍ، وَلَا تُقَاطُعٍ، وَتَبَاغُضٍ، فَاخْتَلَفُوا فِي فُرُوعِ الْأَحْكَامِ وَالنَّوَافِلِ التَّابِعَةِ لِلْفَرَائِضِ، فَكَانَ لَهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ مَنْدُوحَةٌ، وَنَفَسٌ، وَفُسْحَةٌ، وَرَحْمَةٌ، وَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ذَلِكَ، وَلَا أَكْفَرَهُ، وَلَا سَبَّهُ، وَلَا لَعَنَهُ، وَلَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَحْكَامِ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا عَلِمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَهُمُ الْقُدْوَةُ وَالْأَئِمَّةُ وَالْحُجَّةُ. فَكانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ يَقُولُ: إِنَّ الْجَدَّ يَرِثُ مَا يَرِثُهُ الْأَبُ، وَيَحْجِبُ مَنْ يُحْجِبُهُ الْأَبُ، فَخَالَفَهُ عَلَى ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَخَالَفَهُمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَخَالَفَهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَخَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَمِيعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَسَائِلَ مِنَ الْفَرَائِضِ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي
[ ٢ / ٥٥٨ ]
أَبْوَابٍ مِنَ الْعِدَّةِ وَالطَّلَاقِ، وَفِي الرُّهُونِ، وَالدُّيُونِ، وَالْوَدِيعَةِ، وَالْعَارِيَةِ، وَفِي الْمَسَائِلِ الَّتِي الْمُصِيبُ فِيهَا مَحْمُودٌ مَأْجُورٌ، وَالْمُجْتَهِدُ فِيهَا بِرَأْيِهِ الْمُعْتَمِدُ لِلْحَقِّ إِذَا أَخْطَأَ فَمَأْجُورٌ أَيْضًا غَيْرُ مَذْمُومٍ، لِأَنَّ خَطَأَهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنَ الْمِلَّةِ، وَلَا يُوجِبُ لَهُ النَّارَ، وَبِذَلِكَ جَاءَتِ السُّنَّةُ عَنِ الْمُصْطَفَى ﷺ
[ ٢ / ٥٥٩ ]
٦٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وَالثَّوْرِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ اثْنَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ»
[ ٢ / ٥٥٩ ]
٦٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، خَتَنُ زَكَرِيَّا الْعَسْكَرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ ⦗٥٦٠⦘ الْعَاصِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ عُمَرَ بْنِ حَزْمٍ، فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ الشَّيْخُ: وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي فُرُوعِ الْأَحْكَامِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أُصُولِهَا، وَتَرَكَتْ الِاسْتِقْصَاءَ عَلَى شَرْحِهَا لِطُولِهَا، فَكُلٌّ احْتَجَّ بِآيَةٍ مِنَ الْكِتَابِ تَأَوَّلَ بَاطِنَهَا، وَاحْتَجَّ مَنْ خَالَفَهُ بِظَاهِرِهَا، أَوْ بِسُنَّةٍ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، كَانَ صَوَابُ الْمُصِيبِ مِنْهُمْ رَحْمَةً وَرِضْوَانًا، وَخَطَأُهُ عَفْوًا وَغُفْرَانًا، لِأَنَّ الَّذِي اخْتَارَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَيْسَ بِشَرِيعَةٍ شَرَعَهَا وَلَا سُنَّةٍ سَنَّهَا، وَإِنَّمَا هُوَ فَرْعٌ اتَّفَقَ هُوَ وَمَنْ خَالَفَهُ فِيهِ عَلَى الْأَصْلِ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي الطَّهَارَةِ، كَمَا سَمَّاهَا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ، وَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، فَبَعْضُهُمْ أَلْحَقَهَا بِالْفَرَائِضِ، وَأَلْحَقَهَا الْآخَرُونَ بِالسُّنَّةِ. وَكَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَاخْتِلَافِهِمْ فِي كَيْفِيَّتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَعْلَاهُ وَأَسْفَلَهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: أَعْلَاهُ دُونَ أَسْفَلِهِ، وَنَظَائِرُ لِهَذَا كَثِيرَةٌ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي تَرْجِيعِ الْأَذَانِ، وَاخْتِلَافِهِمْ فِي التَّشَهُّدِ، وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، وَتَقْدِيمِ أَعْضَاءِ الطُّهُورِ، وَأَشْبَاهٌ لِذَلِكَ كَثِيرَةٌ الْمُصِيبُ فِيهَا مَأْجُورٌ، وَالْمُخْطِئُ غَيْرُ مَأْزُورٍ، وَمَا فِيهِمْ مُخْطِئٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ عَنْ نَبِيَّيْنِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ بِقَضِيَّةٍ قَضَيَا جَمِيعًا فِيهَا بِقَضَاءَيْنِ ⦗٥٦١⦘ مُخْتَلِفَيْنِ، فَأَثْنَى عَلَى الْمُصِيبِ، وَعَذَرَ الْمُجْتَهِدَ، ثُمَّ جَمَعَهُمَا فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِمَا، وَوَصَفَ جَمِيلَ صَنْعِهِ بِهِمَا، فَقَالَ ﷿: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. فَأَخْبَرَنَا ﷿ أَنَّ الَّذِي فَهِمَ عَيْنَ الْإِصَابَةِ مِنَ الْقَضِيَّةِ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِمَا
[ ٢ / ٥٥٩ ]
٦٩٧ - حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ خَلَفِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ بِسْطَامِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: وَاللَّهِ " لَوْلَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ ﷿ مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ قَدْ هَلَكُوا، فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا بِعِلْمِهِ، وَعَذَرَ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَاذْكُرْ لَنَا الْقَضِيَّةَ كَيْفَ كَانَتْ، فَإِنَّا نُحِبُّ أَنْ نَعْرِفَهَا "
[ ٢ / ٥٦١ ]
٦٩٨ - حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْكَفِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَنْجُوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنْمُ الْقَوْمِ﴾. ⦗٥٦٢⦘ قَالَ: " كَانَ حَرْثُهُمْ عِنَبًا، فَنَفَشَتْ فِيهِ الْغَنَمُ لَيْلًا، فَقَضَى دَاوُدُ بِالْغَنَمِ لَهُمْ، فَمَرُّوا عَلَى سُلَيْمَانَ، فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَرَدَّهُمْ إِلَى دَاوُدَ، فَقَالَ: مَا قَضَيْتَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ؟ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: لَا، وَلَكِنِّي أَقْضِي بَيْنَهُمْ أَنْ يَأْخُذَ أَصْحَابُ الْحَرْثِ غَنَمَهُمْ، فَيَكُونُ لَهُمْ لَبَنُهَا وَصُوفُهَا وَمَنْفَعَتُهَا، وَيَقُومُ هَؤُلَاءِ عَلَى حَرْثِهِمْ، حَتَّى إِذَا عَادَ كَمَا كَانَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ غَنَمَهُمْ، وَيَأْخُذُ هَؤُلَاءِ حَرْثَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] فَهَذَا قَضَاءُ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ ﵉، وَاخْتِلَافُهُمَا قَدْ أَنْبَأَكَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وَلَمْ يَقُلْ: وَأَخْطَأَ دَاوُدُ، وَلَا كَفَرَ دَاوُدُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]. وَلَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ اخْتِلَافِهِمَا فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَيْضًا "
[ ٢ / ٥٦١ ]
٦٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ الْمُحْرِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سِوَارٍ، وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ، - وَهَذَا لَفْظُهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سِوَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، إِذْ جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَا إِلَى دَاوُدَ ﵇، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَمَرَّتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، فَقَصَّتَا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ: إِيتُونِي بِالسِّكِّينِ ⦗٥٦٣⦘ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَوَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إِلَّا يَوْمَئِذٍ كُنَّا نُسَمِّيهِ الْمُدْيَةَ " قَالَ الشَّيْخُ: فَهَذَا رَحِمَكَ اللَّهُ اخْتِلَافُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فِي الْأَحْكَامِ نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ، وَجَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، فَمَاذَا عَسَى أَنْ يَقُولَهُ أَهْلُ الْبِدَعِ فِي اخْتِلَافِهِمْ
[ ٢ / ٥٦٢ ]
٦٩٩ - وَأَمَّا الْخِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَقَدْ
٧٠٠ - حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، وَحَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ الْعَمِّيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَأَلْتُ رَبِّي ﷿ فِيمَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَصْحَابِي مِنْ بَعْدِي» قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ أَصْحَابَكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ بَعْضُهَا أَضْوَأُ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ، فَهُوَ عِنْدِي عَلَى هُدًى "
[ ٢ / ٥٦٣ ]
٧٠١ - وَحَدَّثَنِي أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا ⦗٥٦٤⦘ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ الْجَزَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا أَصْحَابِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ، فَأَيُّهُمْ أَخَذْتُمْ بِقَوْلِهِ اهْتَدَيْتُمْ»
[ ٢ / ٥٦٣ ]
٧٠٢ - وَحَدَّثَنِي أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الْأَنْوَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ ⦗٥٦٥⦘ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ»
[ ٢ / ٥٦٤ ]
٧٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ عِصْمَةُ بْنُ أَبِي عِصْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، كَانَ يَقُولُ: «مَا يَسُرُّنِي لَوْ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَخْتَلِفُوا، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ تَكُنْ رُخْصَةً»
[ ٢ / ٥٦٥ ]
٧٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حُمَيْدٍ الْأَيْلِيِّ، قَالَ: اجْتَمَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَجَعَلَا يَتَذَاكَرَانِ الْعِلْمَ قَالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ رُبَّمَا جَاءَ بِالشَّيْءِ يُخَالِفُ بِهِ الْقَاسِمَ قَالَ: فَجَعَلَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَى الْقَاسِمِ قَالَ: فَتَبَيَّنَ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «لَا تَفْعَلْ فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِاخْتِلَافِهِمْ حُمْرَ النَّعَمِ»
[ ٢ / ٥٦٥ ]
٧٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ أَرْطَاةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُعَلَّى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: «رُبَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ، وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ مُصِيبٌ فِي مَقَالَتِهِ»
[ ٢ / ٥٦٥ ]
٧٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا ⦗٥٦٦⦘ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ أَرْطَاةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَوْنٍ، قَالَ: «رُبَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأَمْرِ، وَكِلَاهُمَا لَهُ الْحَقُّ» قَالَ الشَّيْخُ: فَاخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ يَا أَخِي رَحِمَكَ اللَّهُ فِي فُرُوعِ الْأَحْكَامِ، وَفَضَائِلِ السُّنَنِ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ، وَالْمُوَفَّقُ مِنْهُمْ مَأْجُورٌ، وَالْمُجْتَهِدُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ إِنْ أَخْطَأَهُ غَيْرُ مَأْزُورٍ، وَهُوَ يُحْسِنُ نِيَّتَهُ، وَكَوْنُهُ فِي جُمْلَةِ الْجَمَاعَةِ فِي أَصْلِ الِاعْتِقَادِ وَالشَّرِيعَةِ مَأْجُورٌ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ»، وَإِنْ تَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَذْهَبًا فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ خَالَفَ فِيهَا الْإِجْمَاعَ، وَقَعَدَ عَنْهُ فِيهَا الِاتْبَاعُ، كَانَ مُنْتَهَى الْقَوْلِ بِالْعَتْبِ عَلَيْهِ: أَخْطَأْتَ لَا يُقَالُ لَهُ: كَفَرْتَ، وَلَا جَحَدْتَ وَلَا أَلْحَدْتَ، لِأَنَّ أَصْلَهُ مُوَافِقٌ لِلشَّرِيعَةِ، وَغَيْرَ خَارِجٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي الدِّيَانَةِ
[ ٢ / ٥٦٥ ]
٧٠٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ حُمْرَ النَّعَمِ»
[ ٢ / ٥٦٦ ]
٧٠٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ ⦗٥٦٧⦘ مُوسَى الْجُهَنِيِّ قَالَ: كَانَ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَ طَلْحَةَ الِاخْتِلَافُ قَالَ: " لَا تَقُولُوا: الِاخْتِلَافُ، وَلَكِنْ قُولُوا: السَّعَةُ "
[ ٢ / ٥٦٦ ]
٧٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحَشَّاشُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ لِلَّهِ فِي الْجَمَاعَةِ فَأَصَابَ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ، وَإِنْ أَخْطَأَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِلَّهِ فِي الْفُرْقَةِ فَأَصَابَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» قَالَ الشَّيْخُ: فَالْإِصَابَةُ فِي الْجَمَاعَةِ تَوْفِيقٌ وَرِضْوَانٌ، وَالْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ عَفْوٌ وَغُفْرَانٌ، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ اخْتَلَفُوا فِي اللَّهِ وَفِي الْكَيْفِيَّةِ، وَفِي الْأَبْنِيَةِ، وَفِي الصِّفَاتِ، وَفِي الْأَسْمَاءِ، وَفِي الْقُرْآنِ، وَفِي قُدْرَةِ اللَّهِ، وَفِي عَظَمَةِ اللَّهِ وَفِي عِلْمِ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُلْحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا
[ ٢ / ٥٦٧ ]