قبل الدراسات التحليلية لموضوعات الرسَالَة نقدم التَّمْهِيد فِي بَيَان مَفْهُوم الْقدر وتاريخ نشأة الْقَدَرِيَّة
الْقدر
وَالْقدر فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَعند السّلف عبارَة عَن علم الله الشَّامِل لجَمِيع الموجودات وتقديرها جملَة وتفصيلا أَي تحديدها ذاتا وَصفَة زَمَانا ومكانا كَمَا وَكَيْفِيَّة مَاهِيَّة وخاصية ونوعا ثمَّ كِتَابَة ذَلِك كُله فِي أم الْكتاب قبل خلق السَّمَاوَات وَالْأَرضين بِخَمْسِينَ ألف سنة كَمَا نَص على ذَلِك الحَدِيث الشريف فِيمَا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره كتب الله مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرضين بِخَمْسِينَ ألف سنة وَكَانَ عَرْشه على المَاء
قَالَ أَبُو حَازِم ﵀ إِن الله ﷿ علم قبل أَن يكْتب وَكتب قبل ان يخلق فَمضى الْخلق على علم الله وَكتابه
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد ﵀ الْقدر قدرَة الرَّحْمَن
[ ٣ / ١٤١ ]
قَالَ ابْن عقيل إِن الإِمَام أَحْمد شفي الْقُلُوب بِلَفْظِهِ وَهِي ذَات بَيَان وشمول معَان
وَقَالَ الرَّاغِب الْقدر بِوَضْعِهِ يدل على الْقُدْرَة وعَلى الْمَقْدُور الْكَائِن بِالْعلمِ وَحَاصِله وجود شَيْء فِي وَقت وعَلى حَال بوفق الْعلم والإرادة وَالْقَوْل
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَالْقدر اسْم لما صدر مُقَدرا عَن فعل الْقَادِر يُقَال قدرت الشَّيْء وَقدرته بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف فَهُوَ قدر أَي مَقْدُور ومقدر كَمَا يُقَال هدمت الْبناء فَهُوَ هدم أَي مهدوم وقبضت الشَّيْء فَهُوَ قبض أَي مَقْبُوض فالإيمان بِالْقدرِ هُوَ الْإِيمَان بتقدم علم الله سُبْحَانَهُ بِمَا يكون من أكساب الْخلق وَغَيرهَا من الْمَخْلُوقَات وصدور جَمِيعهَا عَن تَقْدِير مِنْهُ وَخلق لَهَا خَيرهَا وشرها
وَهَذَا الْمَفْهُوم يدل عَلَيْهِ مَا تضمنته الْكتب السلفية من الرِّوَايَات والْآثَار فِي هَذَا الْبَاب مثل الْآجُرِيّ فِي الشَّرِيعَة واللالكائي فِي شرح أصُول اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَابْن الْقيم فِي كِتَابه شِفَاء العليل وَالْبَيْهَقِيّ فِي الِاعْتِقَاد وَغَيرهم من أهل الْعلم
[ ٣ / ١٤٢ ]
فَمن الْآيَات القرانية الدَّالَّة على ثُبُوت الْقدر بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور قَوْله تَعَالَى وَلم يكن لَهُ شريك فِي الْملك وَخلق كل شء فقدره تَقْديرا
وَقَوله إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر
وَقَوله ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾
وَقَوله ﴿وزينا السَّمَاء الدُّنْيَا بمصابيح وحفظا ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾
وَقَوله وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار
وَقَوله وَإِن من شَيْء إِلَّا عندنَا خزائنه وَمَا ننزله إِلَّا بِقدر مَعْلُوم
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء بِقدر فأسكناه فِي الأَرْض﴾
وَقَوله ﴿وَعِنْده مفاتح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ وَيعلم مَا فِي الْبر وَالْبَحْر وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾
وَقَوله قل لن يصيبنا إِلَّا مَا كتب الله لنا هُوَ مَوْلَانَا وعَلى الله فَليَتَوَكَّل
[ ٣ / ١٤٣ ]
الْمُؤْمِنُونَ)
وَقَوله وَمَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن ذَلِك على الله يسير
فَهَذِهِ الْآيَات وأمثالها تدل على شُمُول علمه تَعَالَى لجَمِيع مخلوقاته
وكتابتها قبل خلقهَا طبقًا لما قدره الله وَعلمه
وَمِمَّا جَاءَ فِي السّنة فِي بَيَان معنى الْقدر قَوْله ﷺ إِن أول مَا خلق الله الْقَلَم فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَقَالَ رب وماذا أكتب قَالَ أكتب مقادير كل شَيْء حَتَّى تقوم السَّاعَة
قَالَ ابْن الْقيم وَهَذَا الَّذِي كتبه الْقَلَم هُوَ الْقدر لما رَوَاهُ ابْن وهب أَخْبرنِي عمر بن مُحَمَّد أَن سُلَيْمَان بن مهْرَان حَدثهُ قَالَ قَالَ لي عبَادَة بن الصَّامِت ادعوا إِلَى ابْني وَهُوَ يَمُوت لعَلي أخبرهُ بِمَا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ أَن أول شَيْء خلقه الله من خلقه الْقَلَم فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَقَالَ يَا رب مَاذَا اكْتُبْ قَالَ الْقدر
وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ حَدثنَا عبد الْمُؤمن كُنَّا عِنْد الْحسن فَأَتَاهُ يزِيد بن أبي مَرْيَم السَّلُولي يتَوَكَّأ على عَصَاهُ فَقَالَ يَا أَبَا سعيد أَخْبرنِي عَن قَوْله ﷿ ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها﴾ فَقَالَ الْحسن نعم وَالله إِن الله ليقضي الْقَضِيَّة فِي السَّمَاء حَتَّى يضْرب لَهَا أََجَلًا أَنه كَائِن فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا فِي سَاعَة كَذَا وَكَذَا فِي الْخَاصَّة والعامة حَتَّى ان الرجل ليَأْخُذ عَصَاهُ مَا ياخذها إِلَّا بِقَضَاء وَقدر قَالَ
[ ٣ / ١٤٤ ]
يَا أَبَا سعيد وَالله لقد أَخَذتهَا وَإِنِّي عَنْهَا لَغَنِيّ ثمَّ لَا صَبر لي عَنْهَا
قَالَ الْحسن أَلا ترى
قَالَ ابْن الْقيم وَاخْتلف فِي الضَّمِير فِي قَوْله من قبل أَن نبرأها فَقيل هُوَ عَائِد على الْأَنْفس لقربها مِنْهُ وَقيل على الأَرْض وَقيل عَائِد على الْمُصِيبَة وَالتَّحْقِيق أَن يُقَال عَائِد على الْبَريَّة الَّتِي تعم هَذَا كُله دلّ عَلَيْهِ السِّيَاق وَقَوله نبرأها فينتظم التقادير الثَّلَاثَة انتظاما وَاحِدًا وَالله أعلم
قَالَ الْخطابِيّ ﵀ قد يحْسب كثير من النَّاس أَن معنى الْقدر من الله وَالْقَضَاء مِنْهُ معنى الْإِجْبَار والقهر للْعَبد على مَا قَضَاهُ وَمَا قدره ويتوهم أَن قَوْله ﷺ فحج آدم مُوسَى من هَذَا الْوَجْه وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْإِخْبَار من تقدم علم الله سُبْحَانَهُ بِمَا يكون من أَفعَال الْعباد وأكسابهم وصدورهما عَن تَقْدِير مِنْهُ وَخلق لَهَا خَيرهَا وشرها
القدريه
وَلَقَد تكلم ابْن بطة ﵀ عَن تنبئ الرَّسُول ﷺ بِظُهُور الْقَدَرِيَّة المكذبين للقدر وَتكلم عَن نشأتهم وتاريخهم وَذَلِكَ فِي الْبَاب الثَّانِي من الْجُزْء الْحَادِي عشر وعنوانه بَاب ذكر أَئِمَّة المضلين الَّذين أَحْدَثُوا الْكَلَام فِي الْقدر وَأول من ابتدعه وأنشأه ودعا إِلَيْهِ
أما تنبؤه ﷺ بِظُهُور الْقَدَرِيَّة وتحذيره مِنْهَا فقد جَاءَ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله ﷺ إِنَّمَا أَتَخَوَّف على أمتِي ثَلَاثًا
١ - التَّصْدِيق بالنجوم
٢ - والتكذيب بِالْقدرِ
[ ٣ / ١٤٥ ]
٣ - وحيف الْأَئِمَّة // صَحِيح بشواهده //
وَقَوله ﷺ سَيكون فِي أمتِي مسخ وَذَلِكَ فِي الْقَدَرِيَّة والزندقية // صَحِيح //
وَقَالَ أَيْضا كَأَنِّي بنسائهم يطفن حول ذِي الخلصة تصطك إلياتهين مشركات وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يَنْتَهِي سوء رَأْيهمْ حَتَّى يخرجُوا الله من أَن يقدر الْخَيْر كَمَا اخرجوه من أَن يقدر الشَّرّ // صَحِيح //
وَقد نشأت الْقَدَرِيَّة بعد ذَلِك فِي الْأمة الإسلامية كَمَا تنبأ بِهِ ﷺ فَكَانَ أول من أحدث القَوْل بِنَفْي الْقدر فِي الْإِسْلَام كَمَا ينْقل ابْن بطة رجل من أهل الْعرَاق يُقَال لَهُ سِيبَوَيْهٍ الْبَقَّال ويسميه الْبَعْض السوسن ويكنى أَبَا يُونُس كَانَ نَصْرَانِيّا فَأسلم ثمَّ تنصر وَلم يكن لَهُ تبع على هَذَا الرَّأْي فِي الْبِدَايَة سوى الملاحين ثمَّ أَخذ عَنهُ معبد الْجُهَنِيّ فَدَعَا النَّاس إِلَى هَذِه الْمقَالة فَأخذ غيلَان الدِّمَشْقِي عَن معبد وَكَانَ مَشْهُورا بالدعوة إِلَى الْقدر فِي عهد عمر بن عبد الْعَزِيز ثمَّ قتل فِي عهد هِشَام بن عبد الْملك لما عَاد إِلَى الدعْوَة إِلَى الْقَدَرِيَّة بعد أَن أعْطى الْعَهْد لعمر بن عبد الْعَزِيز أَنه تَابَ عَن العقيدة الْقَدَرِيَّة وَكَانَ السّلف لَا يحترمون معبدًا بل يأمرون بإهانته واحتقاره وَعدم الْجُلُوس مَعَه فَعَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ بَينا طَاوُوس يطوف بِالْبَيْتِ لقِيه معبد الْجُهَنِيّ فَقَالَ لَهُ طَاوُوس أَنْت معبد فَقَالَ نعم قَالَ فَالْتَفت إِلَيْهِم طَاوُوس فَقَالَ هَذَا معبد فأهينوه وَكَانَ الْحسن ينْهَى عَن مُجَالَسَته
[ ٣ / ١٤٦ ]
ثمَّ جَاءَت الْمُعْتَزلَة بعد ذَلِك فاعتنقت هَذَا الْمَذْهَب وَكَانَ زعيمهم فِي ذَلِك عَمْرو بن عبيد وواصل ابْن عَطاء وَغَيرهمَا من رُؤَسَاء الْمُعْتَزلَة فطوروا القَوْل بِنَفْي الْقدر حَتَّى جعلُوا نفي الْقدر اُحْدُ أَرْكَان مَذْهَبهم وَسموا ذَلِك عدلا وَذَلِكَ لِأَن عَدَالَة الرب لَا تتمّ فِي نظرهم إِلَّا بِنَفْي الْقَضَاء وَالْقدر وَأَن العَبْد هُوَ الَّذِي يخلق أَفعَال نَفسه فَالله تَعَالَى لَيْسَ خَالِقًا لأفعال الْعباد كَمَا يَزْعمُونَ
وَبعد هَذَا التَّمْهِيد فِي شرح مَفْهُوم الْقدر والتاريخ للقدرية نعرض فِي الْفُصُول الْعشْرَة التالية دراسة تحليلية لما تضمنته المخطوطة من الموضوعات مَعَ التَّعْلِيق عَلَيْهَا
[ ٣ / ١٤٧ ]