[ ٤ / ٢٤٠ ]
١٨٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَافْلَائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شِهَابٍ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَانِئٍ الطَّائِيُّ الْأَثْرَمُ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ سَأَلْتَنِي أَنْ أُفَرِّقَ لَكَ فِى أَمْرِ الْقَدَرِ، وَلَعَمْرِي لَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، فَأَعْلَمَنَا أَنَّ لَهُ الْمُلْكَ وَالْقُدْرَةَ، وَأَنَّ لَهُ الْعُذْرَ وَالْحُجَّةَ، وَوَصَفَ الْقَدَرَ تَمَلُّكًا ⦗٢٤١⦘ وَالْحُجَّةَ إِنْذَارًا، وَوَصَفَ الْإِنْسَانَ فِي ذَلِكَ مُحْسِنًا وَمُسِيئًا وَمَقْدُورًا عَلَيْهِ، وَمَعْذُورًا عَلَيْهِ، فَرَزَقَهُ الْحَسَنَةَ وَحَمِدَهُ عَلَيْهَا، وَقَدَّرَ عَلَيْهِ الْخَطِيئَةَ وَلَامَهُ فِيهَا، فَحَسِبْتَ حِينَ حَمِدَهُ وَلَامَهُ أَنَّهُ مُمَلِّكٌ، وَنَسِيتَ انْتَحَالَهُ الْقَدَرَ؛ لِأَنَّهُ مُمَلِّكٌ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ بِالْمَحْمَدَةِ وَاللَّائِمَةِ مِنْ مُلْكِهِ، وَلَا يَعْذِرُهُ بِالْقَدَرِ فِي خَطِيئَتِهِ، خَلَقَهُ عَلَى الطَّلَبِ بِالْحِيلَةِ، فَهُوَ يَعْرِفُهَا وَيَلُومُ نَفْسَهُ حِينَ يُنْكِرُهَا، وَعَرَّفَهُ الْقُدْرَةَ، فَهُوَ يُؤْمِنُ بِهَا وَلَا يَجِدُ مُعَوَّلًا إِلَّا عَلَيْهَا، فَرَغِبَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ جَلَّ فِي التَّوْفِيقِ لَعِلْمِهِ بِمُلْكِهِ، مُوقِنًا بِأَنَّ ذَلِكَ فِي يَدِهِ فَيُخَطِّئُهُ مَا طَلَبَ، فَيُرْجِعُ فِي ذَلِكَ عَلَى لَائِمَةِ نَفْسِهِ مَفْزَعَهُ فِي التَّقْصِيرِ نَدَامَتَهُ عَلَى مَا تَرَكَ مِنَ الْأَخْذِ بِالْحِيلَةِ، قَدْ عَرَفَ أَنَّ بِذَلِكَ يَكُونُ لِلَّهِ عَلَيْهِ بِهِ الْحُجَّةُ، مُعَوَّلُهُ فِي طَلَبِ الْخَيْرِ: ثِقَتُهُ بِاللَّهِ، وَإِيمَانُهُ بِالْقَدَرِ حِينَ يَقُولُ يَطْلُبُ الْخَيْرَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يَقُولُ حِينَ يَقَعُ فِي الشَّرِّ: لَا عُذْرَ لِي فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، مُسْتَسْلِمٌ حِينَ يَطْلُبُ، ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ، قَوِيٌّ حِينَ يَقَعُ فِي الشَّرِّ، لَائِمًا لِأَمْرِهِ، لَيْسَ الْقَدَرُ بِأَحَقَّ عِنْدَهُ بِأَنَّهُ ظَالِمٌ حِينَ يَعْصِي رَبَّهُ إِنْ رَأَى أَنَّ أَحَدَهُمَا أَحَقُّ مِنْ صَاحِبِهِ، سَفِهَ الْحَقَّ وَجَهِلَ دِينَهُ، لَا يَجِدُ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ مَنَاصًا، وَلَا عَنِ الِاعْتِرَافِ بِالْخَطِيئَةِ مَحِيصًا، فَمَنْ ضَاقَ ذَرْعًا بِهَذَا ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] فَوَاللَّهِ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَضْرَعَ إِلَى اللَّهِ ضَرَعَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ إِلَيْهِ، وَيَعْتَذِرَ مِنَ الْخَطِيئَةَ اعْتِذَارَ مَنْ كَأَنَّهَا لَمْ تُقَدَّرْ عَلَيْهِ، فَلَا تُمَلِّكُوا أَنْفُسَكُمْ جَحْدَ الْقُدْرَةِ، وَلَا تَعْذِرُوهَا بِالْقَدَرِ فِرَارًا مِنْ حُجَّتِهِ، ضَعُوا أَمْرَ اللَّهِ كَمَا وَضَعَهُ أَلَّا تُفَرِّقُوا بَيْنَهُ بَعْدَمَا جَمَعَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ خُلِطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَجُعِلَ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، فَخَلَطَ الْحِيلَةِ بِالْقَدَرِ ثُمَّ لَامَ وَعَذَرَ، وَقَدْ كَتَبَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا تُمَلِّكُوا أَنْفُسَكُمْ فَتَجْحَدُوا نِعْمَتَهُ فِي الْهُدَى، وَلَا تَغْلُوا فِي صِفَةِ الْقَدَرِ، ⦗٢٤٢⦘ فَتَعْذِرُوا أَنْفُسَكُمْ بِالْخَطَأِ، فَإِنَّكُمْ إِذَا نَحِلَتْكُمْ أَنْفُسُكُمْ بِاللَّائِمَةِ وَأَقْرَرْتُمْ لِرَبِّكُمْ بِالْحُكُومَةِ، سَدَدْتُمْ عَنْكُمْ بَابَ الْخُصُومَةِ، فَتَرَكْتُمُ الْغُلُوَّ وَيَئِسَ مِنْكُمُ الْعَدُوُّ، فَاتَّخِذُوا الْكَفَّ طَرِيقًا فَإِنَّهُ الْقَصْدُ وَالْهُدَى، وَإِنَّ الْجَدَلَ وَالتَّعَمُّقَ هُوَ جَوْرُ السَّبِيلِ وِصِراطُ الْخَطَأِ، وَلَا تَحْسَبَنَّ التَّعَمُّقَ فِي الدِّينِ رُسُوخًا، فَإِنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ وَقَفُوا حَيْثُ تَنَاهَى عِلْمُهُمْ، وَقَالُوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْحِيلَةَ بِالْقَدَرِ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، فَانْظُرْ فِي أَمْرِ الْقِتَالِ، وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ ﷿ مِنْهُ فِي كِتَابِهِ تَسْمَعْ شَيْئًا عَجَبًا، مِنْ ذِكْرِ مَلِكٍ لَا يُغْلَبُ، وَدَوْلَةٍ تَنْقَلِبُ، وَنَصْرٍ مَحْتُومٍ، وَالْعَبْدُ بَيْنَ ذَلِكَ مَحْمُودٌ وَمَلُومٌ، يَنْصُرُ أَوْلِيَاءَهُ وَيَنْتَصِرُ بِهِمْ، وَيُعَذِّبُ أَعْدَاءَهُ وَيُدِيلُهُمْ، يَقُولُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٥]، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠] قَالَ: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فَافْهَمْ ظَنَّهُمْ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَوْلَى بِهِمْ، الْمَضِيفُ إِلَى رَبِّهِ ⦗٢٤٣⦘ الْمُؤْمِنُ بِقَدَرِهِ، أَمِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ؟ فَإِلَى نَفْسِهِ وَكَلَهُ، فَإِنَّ ظَنَّهُمْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ قَوْلُهُمْ: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وَلَكِنَّا عَصَيْنَا، وَلَوْ أَطَعْنَا مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا، فَلَعَمْرِي لَئِنْ كَانُوا صَدَقُوا لَقَدْ صَدَقْتَ، وَلَئِنْ كَانُوا كَذَبُوا لَقَدْ كَذَبْتَ، فَقَالَ الْمَلِكُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وَقَالَ ﷿: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، فَيُدِيلُ اللَّهُ أَعْدَاءَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، فَيَسْتَشْهِدُهُمْ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَكْتُبُ ذَلِكَ خَطِيئَةً عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يُعَذِّبُهُمْ بِهَا وَيَسْأَلُهُمْ عَنْهَا وَهُوَ أَدَالَهُمْ بِهَا، وَيَنْصُرُ أَوْلِيَاءَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، ثُمَّ يَكْتُبُ ذَلِكَ حَسَنَةً لَهُمْ، يَحْمَدُهُمْ عَلَيْهَا وَيُثْنِي عَلَيْهِمْ بِهَا، وَهُوَ تَوَلَّى نَصْرَهُمْ فِيهَا، يَقُولُ: الْأَمْرُ كُلُّهُ لِي، لَا يَغْلِبَ وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا بِي، وَعَدَهُمْ بِبَدْرٍ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَهُمْ وَعْدًا لَا يُخْلَفُ، وَنِقْمَةً لَا تُصْرَفُ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ، فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧] يَقُولُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، تَمَّمَ ذَاكَ الْوَعْدَ بِمِثْلِ الْحِيلَةِ وَأَعَدَّ لَهُمُ الْعُدَدَ وَالْمَكِيدَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ تَسَبُّبٌ لِقُدْرَةٍ خَفِيَّةٍ، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ الْمَلَائِكَةَ لِقِتَالِ أَلْفٍ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَوْحَى إِلَيْهِمْ ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢] يُثَبِّتُهُمْ بِذَلِكَ، ⦗٢٤٤⦘ ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]، حَتَّى كَأَنَّهُ عِنْدَ مَنْ يُنْكِرُ الْقَدَرَ أَمْرٌ يُكَابَرُ، وَعَدُوُّ يُخَافُ مِنْهُ أَنْ يَظْفَرَ، وَإِبْلِيسُ مَعَ الْكُفَّارِ قَدْ زَيَّنَ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] فَبَيْنَمَا الْأَمْرُ هَكَذَا كَأَنَّهُ أَمْرُ النَّاسِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ الْغَلَبَةَ وَيَجْتَهِدُونَ فِي الْمَكِيدَةِ، وَلَا يُتْرَكُونَ فِي عُدَّةٍ، إِذْ قَذَفَ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿اضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾، فَجَاءَهُمْ أَمْرٌ لَا حِيلَةَ لَهُمْ فِيهِ، وَلَا صَبْرَ لِوَلِيِّهِمْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَعَدَهُمْ عَلَيْهِ إِبْلِيسُ، فَلَمَّا رَأَى الْمَلَائِكَةَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]، لَا يُجَنِّبُنِي وَإِيَّاكُمْ مِنْ بَأْسِهِ جُنَّةٌ، وَلَا يَدْفَعُهُ عَنِّي وَلَا عَنْكُمْ عُدَّةٌ وَلَا قُوَّةٌ، لَا تَرَوْنَ مَنْ يُقَاتِلُكُمْ، لَا تَسْتَطِيعُونَ دَفْعَ الرُّعْبِ عَنْ قُلُوبِكُمْ، وَلَا أَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ عَنْ نَفْسِي، فَكَيْفَ أَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ عَنْكُمْ؟ وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا حَذَّرُوا، وَخِيفَ مِنْهُمْ أَنْ يَظْهَرُوا، وَرَأَوْا مِنْهُمْ كَثْرَةَ الْعَدَدِ حِينَ قَالَ: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٣]، لِمَهْ؟ قَالَ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]، فَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ قَدْ فَرَغَ وَقَضَى، وَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ إِلَّا هَكَذَا، وَيَحْسَبُ الْقَدَرِيُّ إِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ احْتِيَالٌ وَاحْتِفَالٌ وَإِعْدَادٌ لِلْقِتَالِ، وَيَنْسَى أَنَّهُ الْغَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ بِغَيْرِ مُغَالَبَةٍ، وَالْقَاهِرُ لِعَدُوِّهِ إِذَا شَاءَ بِغَيْرِ مُكَاثَرَةٍ، أَهْلَكَ عَادًا بِالرِّيحِ الْعَقِيمِ، وَأَخْمَدَ ثَمُودَ بِالصَّيْحَةِ، وَخَسَفَ بِقَارُونَ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ، وَأَرْسَلَ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ، قَعْصًا لَا مَكْرَ فِيهِ وَلَا ⦗٢٤٥⦘ اسْتِدْرَاجَ، وَيَسْتَدِرِجُ وَيَمْكُرُ بِمَنْ لَا يُعْجِزُهُ، وَيَأْتِي مِنْ حَيْثَ لَا يَحْتَسِبُ مَنْ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ مُوَاجِهَةً، وَمَنْ لَيْسَتْ لَهُ عَلَى النَّجَاةِ مِنْهُ قُدْرَةٌ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ فِي قَدَرِهِ وَقَضَائِهِ سَوَاءٌ، فَهُوَ يُنْفِذُهُمَا فِي خَلْقِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، لَمْ يَهْلِكْ هَؤُلَاءِ قَعْصًا وَلَا قَهْرًا، اغْتِنَامًا لِغَرَّتِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَدْرِجْ هَؤُلَاءِ وَيَمْكُرْ بِهِمْ شَفَقَةً أَنْ يُعْجِزُوا مِمَّا أَرَادَ بِهِمْ لِقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ مَخْرَجَانِ: أَحَدُهُمَا ظَاهِرٌ قَاهِرٌ، وَالْآخَرُ قَوِيٌّ خَفِيٌّ، لَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يُوجَدَ لَهُ مَسٌّ، وَلَا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ، وَلَا يُرَى لَهُ عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ حَتَّى يُبْرِمَ أَمْرَهُ فَيَظْهَرَ، يُبَاعِدُ بِهِ الْقَرِيبَ، وَيَصْرِفُ بِهِ الْقُلُوبَ، وَيُقَرِّبُ بِهِ الْبَعِيدَ، وَيُذِلُّ بِهِ كُلَّ جُبَّارٍ عَنِيدٍ، حَتَّى يَفْعَلَ مَا يُرِيدُ بِهِ، حَفِظَ مُوسَى ﵇ فِي التَّابُوتِ وَالْيَمِّ مَنْفُوسًا وَنَزَّهَ، يُقَرِّبُهُ مِنْ عَدُوِّهِ إِلَيْهِ لِلَّذِي سَبَّبَ أَمْرَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّرَ وَقَضَى أَنَّ نَجَاتَهُ فِيهِ. قَالَ لِأُمِّهِ: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ [القصص: ٧] أَنْ يَأْخُذَهُ فِرْعَوْنُ ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه: ٣٩] يَأْخُذُهُ فِرْعَوْنُ هُنَالِكَ، لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهُ إِلَّا كَذَلِكَ، فَاخْتَلَجَهُ ⦗٢٤٦⦘ مِنْ كِنِّهِ، وَمِنْ ثَدْيِ أُمِّهِ، إِلَى هَوْلِ الْبَحْرِ وَأَمْوَاجِهِ، وَأَدْخَلَ قَلْبَ أُمِّهِ الْيَقِينَ أَنَّهُ رَادُّهُ إِلَيْهَا، وَجَاعِلُهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَأَمِنَتْ عَلَيْهِ الْغَرَقَ، فَأَلْقَتْهُ فِي الْيَمِّ وَلَمْ تَفْرَقْ، وَأَمَرَ الْيَمَّ يُلْقِيهِ بِالسَّاحِلِ، فَسَمِعَ وَأَطَاعَ، وَحَفِظَهُ مَا اسْتَطَاعَ، حَتَّى أَدَّاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِأَمْرِهِ، وَقَدْ قَدَّرَ وَقَضَى عَلَى قَلْبِ فِرْعَوْنَ وَبَصَرِهِ حِفْظَهُ وَحُسْنَ وِلَايَتِهِ بِمَا قَضَى مِنْ ذَلِكَ، فَأَلْقَى عَلَيْهِ مَحَبَّةً مِنْهُ لِيَصْنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ، قَدْ أَمِنَ عَلَيْهِ سَطْوَتَهَ، وَرَضِيَ لَهُ تَرْبِيَتَهُ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى التَّغْرِيرِ وَالشَّفَقَةِ، وَلَكِنْ عَلَى الْيَقِينِ وَالثِّقَةِ بِالْغَلَبَةِ، يَصْطَفِي لَهُ الْأَطْعِمَةَ وَالَأشْرِبَةَ وَالْخَدَمَ وَالْحِضَانَ، يَلْتَمِسُ لَهُ الْمَرَاضِعَ شَفَقَةً أَنْ يُمِيتَهُ، وَهُوَ يَقْتُلُ أَبْنَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ يَخْشَى أَنْ يَفُوتَهُ وَهُوَ فِي يَدَيْهِ وَبَيْنَ حِجْرِهِ وَنَحْرِهِ، يَتَبَنَّاهُ وَيَتَرَشَّفُهُ، يَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ وَقَدْ أَغْفَلَ قَلْبَهُ عَنْهُ، وَزَيَّنَهُ فِي عَيْنِهِ، وَحَبَّبَهُ إِلَى نَفْسِهِ، لِمَهْ؟ قَالَ: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، فَمِنْهُ يَفْرَقُ عَلَى وُدِّهِ لَوْ عَلَيْهِ يَقْدِرُ، وَهُوَ فِي يَدَيْهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، حَتَّى ⦗٢٤٧⦘ رَدَّهُ بِقُدْرَتِهِ إِلَى أُمِّهِ، وَجَعَلَهُ بِهَا مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَفِرْعَوْنُ خِلَالَ ذَلِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ يَجْرِي فِي كَيْدِ اللَّهِ الْمَتِينِ حَتَّى أَتَاهُ مِنْ رَبِّهِ الْيَقِينُ، مُذْعِنًا مُسْتَوْثِقًا فِي كُلِّ مَقَالٍ وَقِتَالٍ، يَرْفَعُهُ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَمَامَ النِّعْمَةِ فِي الْهُدَى فِي الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأَيْدِينَا، نَبْرَأُ إِلَيْهِ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَنَبُوءُ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالظُّلْمِ وَالْخَطِيئَةِ، الْحُجَّةُ عَلَيْنَا بِغَيْرِ انْتِحالِنَا الْقُدْرَةَ عَلَى أَخْذِ مَا دَعَانَا إِلَيْهِ إِلَّا بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ صُرَاحًا، لَا نَقُولُ: كَيْفَ رَزَقَنَا الْحَسَنَةَ وَحَمِدَنَا عَلَيْهَا، وَلَا كَيْفَ قَدَّرَ الْخَطِيئَةَ وَلَامَنَا فِيهَا، وَلَكِنْ نَلُومُ أَنْفُسَنَا كَمَا لَامَهَا، وَنُقِرُّ لَهُ بِالْقُدْرَةِ كَمَا انْتَحَلَهَا، لَا نَقُولُ لِمَا قَالَهُ: لِمَ قَالَهُ؟ وَلَكِنْ نَقُولُ كَمَا قَالَهُ، وَلَهُ مَا قَالَ، وَلَهُ مَا فَعَلَ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] "
[ ٤ / ٢٤٠ ]
١٨٥٣ - وَحَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَافْلَائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَا، وَأَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شِهَابٍ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَانِئٍ الطَّائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي مُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالِاقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ الْمُحْدِثُونَ فِي دِينِهِمْ مِمَّا قَدْ كُفُوا مُؤْنَتَهُ، وَجَرَتْ فِيهِمْ سُنَّتُهُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ بِدْعَةٌ قَطُّ إِلَّا وَقَدْ مَضَى قَبْلَهَا مَا هُوَ عِبْرَةٌ فِيهَا وَدَلِيلٌ عَلَيْهَا، فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ؛ ⦗٢٤٨⦘ فَإِنَّهَا لَكَ بِإِذْنِ اللَّهِ عِصْمَةٌ، وَأَنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا جُعِلَتْ سُنَّةً لِيُسْتَنَّ بِهَا، وَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الزَّلَلِ وَالْخَطَأِ وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ، فَارْضَ لِنَفْسِكَ بِمَا رَضَوْا بِهِ لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ عَنْ عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرِنَا قَدْ كُفُوا، وَلَهُمْ عَنْ كَشْفِهَا كَانُوا أَقْوَى، وَبِفَضْلٍ لَوْ كَانَ فِيهَا أَحْرَى، وَأَنَّهُمْ لَهُمُ السَّابِقُونَ، فَلَئِنْ كَانَ الْهُدَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ، لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيْهِ، وَلَئِنْ قُلْتَ: حَدَثَ حَدَثٌ بَعْدَهُمْ مَا أَحْدَثَهُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ، وَلَقَدْ وَصَفُوا مِنْهُ مَا يَكْفِي، وَتَكَلَّمُوا مِنْهُ بِمَا يَشْفِي، فَمَا دُونَهُمْ مُقَصِّرٌ، وَلَا فَوْقَهُمْ مُجَسِّرٌ، لَقَدْ قَصَّرَ أُنَاسٌ دُونَهُمْ فَجَفَوْا، وَطَمَحَ آخَرُونَ عَنْهُمْ فَغَلَوْا، وَأَنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ، سَأَلْتَنِي عَنِ الْقَدَرِ، وَمَا جَحَدَ مِنْهُ مَنْ جَحَدَ، فَعَلَى الْخَبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ سَقَطْتَ، وَذَلِكَ أَرَى الَّذِي أَرَدْتَ فَمَا أَعْلَمُ أَمْرًا مِمَّا أَحْدَثَ النَّاسُ فِيهِ مُحْدَثَةً أَوِ ابْتَدَعُوا فِيهِ بِدْعَةً أَبْيَنَ أَثَرًا وَلَا أَثْبَتَ أَصْلًا وَلَا أَكْثَرَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، أَهْلًا مِنَ الْقَدَرِ، لَقَدْ كَانَ ذَكَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْجُهَلَاءُ، مَا أَنْكَرُوا مِنَ الْأَشْيَاءِ يَذْكُرُونَهُ فِي شِعْرِهِمْ وَكَلَامِهِمْ وُيُعَزُّونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ فِيمَا فَاتَهُمْ، ثُمَّ مَا زَادَهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً، لَقَدْ كُلِّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ وَلَا اثْنَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةٍ، وَلَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَسَمِعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ، وَتَكَلَّمُوا بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ، يَقِينًا وَتَسْلِيمًا وَتَضْعِيفًا لِأَنْفُسِهِمْ، وَتَعْظِيمًا لِرَبِّهِمْ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُهُ، وَلَمْ يُحْصِهِ كِتَابُهُ، وَلَمْ يَمْضِ بِهِ قَدَرُهُ، إِنَّ ذَلِكَ مَعَ ذَلِكَ لَفِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ، لَمِنْهُ اقْتَبَسُوهُ وَلُبَّهُ عَلِمُوهُ، فَلَئِنْ قُلْتُمْ: أَيْنَ آيَةُ كَذَا؟ وَأَيْنَ آيَةُ كَذَا؟ وَلِمَ قَالَ اللَّهُ ﷿ كَذَا؟ لَقَدْ قَرَءُوا مِنْهُ مَا قَرَأْتُمْ، وَعَلِمُوا مِنْ تَأْوِيلِهِ مَا جَهِلْتُمْ، ثُمَّ آمَنُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِهِ كُلِّهِ بِالَّذِي جَحَدْتُمْ فَقَالُوا: قَدَّرَ وَكَتَبَ، وَكُلُّ شَيْءٍ بِكِتَابٍ وَقَدَرٍ، وَمَنْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ ⦗٢٤٩⦘ الشِّقْوَةُ وَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا نَمْلِكُ لِأَنْفُسِنَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ رَغِبُوا مَعَ قَوْلِهِمْ هَذَا، وَرَهِبُوا وَأَمَرُوا وَنَهَوْا، وَحَمِدُوا رَبَّهُمْ عَلَى الْحَسَنَةِ، وَلَامُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَلَمْ يَعْذِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْقَدَرِ، وَلَمْ يُمَلِّكُوهَا فِعْلَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَعَظَّمُوا اللَّهَ بِقَدْرِهِ، وَلَمْ يُعْذِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِهِ، وَحَمِدُوا اللَّهَ عَلَى مَنِّهِ، وَلَمْ يَنْحَلُوهُ أَنْفُسَهُمْ دُونَهُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥]، وَقَالَ ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩]، فَكَمَا كَانَ الْخَيْرُ مِنْهُ، وَقَدْ نَحَلَهُمْ عَمَلَهُ، فَكَذَلِكَ كَانَ الشَّرُّ مِنْهُ، وَقَدْ مَضَى بِهِ قَدَرُهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ بِاتِّبَاعِهِمْ فِي الْقَدَرِ لَأَهْلُ التَّنْزِيلِ، الَّذِينَ تَلَوْهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، فَعَمِلُوا بِمُحْكَمِهِ، وَآمَنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَكَانُوا بِذَلِكَ مِنَ الْعِلْمِ فِي الرَّاسِخِينَ، ثُمَّ وَرَّثُوا عِلْمَ مَا عَلِمُوا مِنَ الْقَدَرِ وَغَيْرِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَمَا أَعْلَمُ أَمْرًا شَكَّ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ، لَا يَكُونُ أَعْظَمَ الدِّينَ أَعْلَى وَلَا أَفْشَى وَلَا أَكْثَرَ وَلَا أَظْهَرَ مِنَ الْإِقْرَارِ بِالْقَدَرِ، لَقَدْ آمَنَ بِهِ الْأَعْرَابِيُّ الْجَافِي، وَالْقُرَوِيُّ الْقَارِي، وَالنِّسَاءُ فِي سُتُورِهِنَّ، وَالْغِلْمَانُ فِي حَدَاثَتِهِمْ، وَمَنْ بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ قَوِيِّ الْمُسْلِمِينَ وَضَعِيفِهِمْ، فَمَا سَمِعَهُ سَامِعٌ قَطُّ فَأَنْكَرَهُ، وَلَا عُرِضَ لِمُتَكَلِّمٍ قَطُّ إِلَّا ذَكَرَهُ، لَقَدْ بَسَطَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَعْرِفَةَ، وَجَمَعَ عَلَيْهِ الْكَلِمَةَ، وَجَعَلَ عَلَى كَلَامِ مَنْ جَحَدَهُ النُّكْرَةَ، فَمَا مَنْ جَحَدَهُ وَلَا أَنْكَرَهُ فِيمَنْ آمَنَ بِهِ وَعَرَفَهُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا كَأَكَلَةِ رَأْسٍ. ⦗٢٥٠⦘ فَاللَّهَ اللَّهَ، فَلَوْ كَانَ الْقَدَرُ ضَلَالَةً، مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَوْ كَانَتْ بِدْعَةً فَعَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مَتَى كَانَتْ، فَقَدْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مَتَى أُحْدِثَتِ الْمُحْدَثَاتُ وَالْبِدَعُ وَالْمُضِلَّاتُ. وَإِنَّ أَصْلَ الْقَدَرِ لَثَابِتٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، يُعَزِّي بِهِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَصَائِبِهِمْ بِمَا سَبَقَ مِنْهَا فِي الْكِتَابِ عَلَيْهِمْ، يُرِيدُ بِذَلِكَ تَسْلِيَتَهُمْ، وَيُثَبِّتُ بِهِ عَلَى الْغَيْبِ يَقِينَهُمْ، فَسَلَّمُوا لِأَمْرِهِ، وَآمَنُوا بِقَدَرِهِ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ مُبْتَلَوْنَ، وَأَنَّهُمْ مَمْلُوكُونَ غَيْرُ مُمَلَّكِينَ وَلَا مُوَكَّلِينَ، قُلُوبُهُمْ بِيَدِ رَبِّهِمْ، لَا يَأْخُذُونَ إِلَّا مَا أَعْطَى، وَلَا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ مَا قَضَى، قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ إِنْ وَكَّلَهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ ضَاعُوا، وَإِنْ عَصَمَهُمْ مِنْ شَرِّهَا أَطَاعُوا، هُمْ بِذَلِكَ مِنْ نِعْمَتِهِ عَارِفُونَ، كَمَا قَالَ نَبِيُّهُ وَعَبْدُهُ الصِّدِّيقُ ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]، فَتَبَرَّأَ إِلَى رَبِّهِ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَبَاءَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْخَطِيئَةِ، فَكَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أُسْوَةٌ، وَكَانُوا لَهُ شِيعَةً، لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَعَالَى الْقَدَرَ وَالْبَلَاءَ مُخْتَلِفًا فِي صُدُورِهِمْ، وَمَنَعَ الشَّيْطَانَ أَنْ يُدْخِلَ الْوَسْوَسَةَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَقُولُوا: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا؟ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ ابْتَلَاهُمْ، وَأَنَّ قَدَرَهُ نَافِذٌ فِيهِمْ، لَيْسَ هَذَا عِنْدَهُمْ بِأَشَدَّ مِنْ هَذَا، وَلَا يُوهِنُ هَذَا عِنْدَهُمْ هَذَا، يَحْتَالُونَ لِأَنْفُسِهِمْ كَحِيلَةِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِيَدِهِ، وَيُؤْمِنُونَ بِالْقَدَرِ إِيمَانَ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَى أَمْرِهِ، فَلَمْ يُبَطِّيهِمُ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَمْ يُلْقُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَمْ يُخْرِجْهُمُ اللَّهُ ﷿ بِالْبَلَاءِ مِنْ مُلْكِهِ، فَهُمْ يُطْلَبُونَ وَيَهْرَبُونَ، وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِالْقَدَرِ يُوقِنُونَ، لَا يَأْخُذُونَ إِلَّا مَا أَعْطَاهُمْ، وَلَا يُنْكِرُونَ أَنَّهُ ابْتَلَاهُمْ، ⦗٢٥١⦘ كَذَلِكَ خَلَقَهُمْ، وَبِذَلِكَ أَمَرَهُمْ، يُضْعِفُونَ إِلَيْهِ فِي الْقُوَّةِ وَيُقِرُّونَ لَهُ بِالْقُدْرَةِ وَالْحُجَّةِ، لَا يَحْمِلُهُمْ تَضْعِيفُهُمْ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَجْحَدُوا حُجَّتَهُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَحْمِلُهُمْ عِلْمُهُمْ بِعُذْرِهِ إِلَيْهِمْ أَنْ يَجْحَدُوا أَنَّ قَدَرَهُ نَافِذٌ فِيهِمْ، هَذَا عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ وَهُمْ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ أَغْنِيَاءُ، وَقَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فِتْنَةِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَفْتَحْهَا عَلَيْهِمْ وَفَتَحَهَا عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ، لَبَّسُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ، فَهُمْ هُنَالِكَ فِي غَمْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، لَا يَجِدُونَ حَلَاوَةَ الْحَسَنَةِ فِيمَا قُدِّرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُصِيبَةِ حِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ مَمْلُوكُونَ أَنْ يُقَدِّمُوهَا قَبْلَ أَجَلِهَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا، فَسُبْحَانَ اللَّهِ ثُمَّ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَهَلُمَّ يَا عِبَادَ اللَّهِ إِلَى سَبِيلِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي كُنْتُمْ مَعَهُمْ عَلَيْهَا، فَانْبَجَسْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ دُونَهَا، فَتَفَرَّقَتْ بِكُمُ السُّبُلُ عَنْهَا، فَارْجِعُوا إِلَى مَعَالِمِ الْهُدَى مِنْ قَرِيبٍ، قَبْلَ التَّحَسُّرِ وَالتَّنَاوُشِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، فَقُولُوا كَمَا قَالُوا، وَاعْمَلُوا كَمَا عَمِلُوا، وَلَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعُوا وَلَا تَجْمَعُوا بَيْنَ مَا فَرَّقُوا، فَإِنَّهُمْ قَدْ جُعِلُوا لَكُمْ أَئِمَّةً وَقَادَةً، وَحَمَلُوا إِلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا هُمْ عَلَيْهِ أُمَنَاءُ وَعَلَيْكُمْ فِيمَا جَحَدْتُمْ مِنْهُ شُهَدَاءُ، فَلَا تَجْحَدُوا مَا أَقَرُّوا بِهِ مِنَ الْقَدَرِ فَتَبْتَدِعُوا، وَلَا تَشُدُّوهُ بِغَيْرِهِ فَتَكَلَّفُوا، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَصَحَّ قَلْبًا فِي الْقَدَرِ مِمَّنْ لَمْ يَدْرِ أَنَّ أَحَدًا قَالَ فِيهِ شَيْئًا، فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِهِ غَضًّا جَدِيدًا لَمْ تُدَنِّسْهُ الْوَسَاوِسُ وَلَمْ يُوهِنْهُ الْجَدَلُ وَلَا الِالْتِبَاسُ، وَبِذَلِكَ فِيمَا مَضَى صَحَّ فِي صَدْرِ النَّاسِ، فَاحْذَرُوا هَذَا الْجَدَلَ؛ فَإِنَّهُ يُقَرِّبُكُمْ إِلَى كُلِّ مُوبِقَةٍ، وَلَا يُسَلِّمُكُمْ إِلَى ثِقَةٍ، لَيْسَ لَهُ أَجْلٌ يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَهُوَ يَدْخُلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَالْمَعْرِفَةُ بِهِ نِعْمَةٌ، وَالْجَهَالَةُ بِهِ غِرَّةٌ، وَعَلَامَاتُ الْهُدَى ⦗٢٥٢⦘ لَنَا دُونَهُ، مَنْ رَكِبَهُ أَرْدَاهُ، وَتَرَكَ الْهُدَى وَرَاءَهُ، بَيِّنٌ أَثَرُهُ، وَقَرِيبٌ مَا أَخَذَهُ، لَا يُكَلِّفُ أَهْلَهُ الْعَوِيصَ وَالتَّشْقِيقَ ". ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقُرْآنِ مَوْئِلٌ مِثْلُ السُّنَّةِ، فَلَا يَسْقُطَنَّ ذَلِكَ عَنْكَ فَتَحَيَّرَ فِي دِينِكَ وَتَتِيهَ فِي طَرِيقِكَ ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدَعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]
[ ٤ / ٢٤٧ ]