الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَهْلِ الْحَمْدِ وَوَلِيِّهِ، الْمَنَّانِ، الْجَوَّادِ، الَّذِي ثَوَابُهُ جَزْلٌ، وَعَطَاؤُهُ فَضْلٌ، وَأَيَادِيهِ مُتَتَابِعَةٌ، وَنِعْمَاؤُهُ سَابِغةٌ، وَإِحْسَانُهُ مُتَوَاتِرٌ، وَحُكْمُهُ عَدْلٌ، وَقَوْلُهُ فَصْلٌ، حَصَرَ الْأَشْيَاءَ فِي قُدْرَتِهِ، وَأَحَاطَ بِهَا عِلْمُهُ وَنَفَذَتْ فِيهَا مَشِيئَتُهُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ يَا إِخْوَانِي، وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ لِأَقْصَدِ الطَّرِيقِ وَأَهْدَاهَا، وَأَرْشَدِ السُّبُلِ وَأَسْوَاهَا، فَهِيَ طَرِيقُ الْحَقِّ الَّتِي اخْتَارَهَا وَارْتَضَاهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ أَقْصَدُ الطُّرُقِ، وَمَنَاهِجَهُ أَوْضَحُ الْمْنَاهِجِ، وَهِيَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَجَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ، وَلَمْ يَكُنْ رَأَيًا مُتَّبَعًا وَلَا هَوًى مُبْتَدَعًا وَلَا إِفْكًا مُخْتَرَعًا، وَهُوَ الْإِقْرَارُ لِلَّهِ بِالْمُلْكِ وَالْقُدْرَةِ وَالسُّلْطَانِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى الْأُمُورِ، سَابِقُ الْعِلْمِ بِكُلِّ كَائِنٍ، وَنَافِذُ الْمَشِيئَةِ فِيمَا يُرِيدُ، كَانَ الْخَلْقُ كُلُّهُ وَكُلُّ مَا هُوَ فِيهِ بِقَضَاءٍ
[ ٣ / ٢٣٥ ]
وَتَدْبِيرٍ، لَيْسَ مَعَهُ شَرِيكٌ وَلَا دُونَهُ مُدْبِرٌ وَلَا لَهُ مُضَادٌّ، بِيَدِهِ تَصَارِيفُ الْأُمُورِ، وَهُوَ الْآخِذُ بِعُقَدِ النَّوَاصِي، وَالْعَالِمُ بِخَفِيَّاتِ الْقُلُوبِ وَمَسْتُورَاتِ الْغُيُوبِ، فَمَنْ هَدَاهُ بِطَوْلٍ مِنْهُ اهْتَدَى، وَمَنْ خَذَلَهُ ضَلَّ بِلَا حُجَّةٍ وَلَا عُذْرٍ، خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَخَلَقَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَهْلًا هُمْ سَاكِنُوهَا، أَحْصَاهُمْ عَدَدًا، وَعَلِمَ أَعْمَالَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ، وَجَعَلَهُمْ شَقِيًّا وَسَعِيدًا، وَغَوِيًّا وَرَشِيدًا، وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ وَأَخَذَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ هُوَ خَالِقُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدَّرَ أَعْمَالَهُمْ، وَقَسَّمَ أَرْزَاقُهُمْ، وَأَحْصَى آجَالَهُمْ، وَعَلِمَ أَعْمَالَهُمْ، فَكُلُّ أَحَدٍ يَسْعَى فِي رِزْقٍ مَقْسُومٍ وَعَمَلٍ مَحْتُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، قَدْ عَلِمَ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهَا، فَلَا مَحِيصَ لَهَا عَمَّا عَلِمَهُ مِنْهَا، وَقَدَّرَ حَرَكَاتِ الْعِبَادِ وَهِمَمَهُمْ وَهَوَاجِسَ قُلُوبِهِمْ وَخَطَرَاتِ نُفُوسِهِمْ، فَلَيْسَ أَحَدٌ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً وَلَا يَهِمُّ هِمَّةً إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَخَلَقَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَخَلَقَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامِلًا يَعْمَلُ بِهِ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ إِلَّا لَمَّا خُلِقَ لَهُ، وَأَرَادَ قَوْمًا لِلْهُدَى، فَشَرَحَ صُدُورَهُمْ لِلْإِيمَانِ وَحَبَّبَهُ إِلَيْهِمْ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَرَادَ آخَرِينَ لِلضَّلَالِ فَجَعَلَ صُدُورَهُمْ ضَيِّقَةً حَرِجَةً، وَجَعَلَ الرِّجَاسَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَ عِبَادَهُ بِأَوَامِرَ، وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ فَرَائِضَ، فَلَنْ يُؤَدُّوهَا إِلَيْهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ وَمَعُونَتِهِ، وَحَرَّمَ مَحَارِمَ وَحَّدَ حُدُودًا، فَلَنْ يَكُفُّوا عَنْهَا إِلَّا بِعِصْمَتِهِ، فَالْحَوْلُ وَالْقُوَّةُ لَهُ، وَوَاقِعَةٌ
[ ٣ / ٢٣٦ ]
عَلَيْهِمْ حُجَّتُهُ غَيْرَ مَعْذُورِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَلَمْ يَزَلِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ عَلَى هَذَا جَمِيعًا عَلَى أُلْفَةِ الْقُلُوبِ وَاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ، كِتَابُ اللَّهِ عِصْمَتُهُمْ، وَسُنَّةُ الْمُصْطَفَى إِمَامُهُمْ، لَا يَسْتَعْمِلُونَ الْآرَاءَ وَلَا يَفْزَعُونَ إِلَى الْأَهْوَاءِ، فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْقُلُوبِ بِعِصْمَةِ مَوْلَاهَا مَحْرُوسَةٌ، وَالنُّفُوسُ عَنْ أَهْوَائِهَا بِعِنَايَتِهِ مَحْبُوسَةٌ حَتَّى حَانَ حِينُ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الشِّقْوَةُ وَحَلَّتْ عَلَيْهِ السَّخْطَةُ، وَظَهَرَ الَّذِينَ كَانُوا فِي عِلْمِهِ مَخْذُولِينَ، وَفِي كِتَابِهِ السَّابِقِ أَنَّهُمْ إِلَى أَعْدَائِهِمْ مِنَ الشَّيَاطِينِ مُسَلِّمُونَ، وَمِنَ الشَّيَاطِينِ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطُونَ، فَحِينَئِذٍ دَبَّ الشَّيْطَانُ بِوَسْوَسَتِهِ، فَوَجَدَ مَسَاغًا لِبُغْيَتِهِ، وَمَرْكِبًا وَطِيًّا إِلَى ظَفَرِهِ بِحَاجَتِهِ، فَسَكَنَ إِلَيْهِ الْمُنْقَادُ إِلَى الشُّبُهَاتِ وَالسَّالِكُ فِي بَلِيَّاتِ الطُّرُقَاتِ، فَاتَّخَذَهَا دَلِيلًا وَقَائِدًا، وَعَنِ الْوَاضِحَةِ حَائِدًا، طَالِبُ رِيَاسَةٍ، وَبَاغِي فِتْنَةٍ، مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ وَعَابِدٌ لِهَوَاهُ، عَلَيْهِ يَرِدُ وَعَنْهُ يَصْدُرُ، قَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَلَمْ يَسْتَشْهِدْهُ وَلَمْ يَسْتَشِرْهُ، فَفِي آذَانِهِمْ وَقَرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، كَأَنَّهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لَمْ يُنْدَبُوا، وَعَنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ لَمْ يُزْجَرُوا، فَهُمْ عَنْ سَبِيلِ مَنْ أَرْشَدَهُ اللَّهِ مُتَبَاعِدُونَ، وَلِأَهْوَائِهِمْ فِي كُلِّ مَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ مُتَّبِعُونَ، وَاسْتَحْوَذَ الشَّيْطَانُ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْرَحِ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَأَوْرَدَهُ بِحَارَ الْعَمَى، فَهُمْ فِي حَيْرَةٍ يَتَرَدَّدُونَ، فَجَارُوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، فَقَالُوا
[ ٣ / ٢٣٧ ]
بِيَدِ الشَّيْطَانِ مِنْ أَمْرِ الْخَلْقِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِيَدِ اللَّهِ، وَمَشِيئَتُهُ فِيهِمْ حَائِلَةٌ تُدَوِّنُ مَشِيئَةَ اللَّهِ لَهُمْ، فَضَعَّفُوا أَمْرَ اللَّهِ وَوَهَّنُوهُ، وَرَدُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَكَذَّبُوهُ، وَقَوَوْا مِنْ أَمْرِ الشَّيْطَانِ مَا ضَعَّفَهُ اللَّهُ حِينَ قَالَ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وَقَدْ كَانَ سَلَفُنَا وَأَئِمَّتُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَكْرَهُونَ الْكَلَامَ فِي الْقَدَرِ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ خُصُومَةِ أَهْلِهِ وَمُوَاضَعَتِهِمُ الْقَوْلَ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَيَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ السُّنَّةَ وَآثَارَ الْمُصْطَفَى ﷺ.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
١٢٧٤ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ نَاصِرُ السُّنَّةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرٍ الزَّاغُونِيُّ، أَحْسَنَ اللَّهُ تَوْفِيقَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُسْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ بَطَّةِ إِجَازَةً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاغِنْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ شَرِيكٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَيْمُونٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ»
[ ٣ / ٢٣٨ ]
١٢٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْمَحَامِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ خَالِدِ بْنِ أَسَدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الْخَيَّاطُ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ شَيْئًا مِنَ الْقَدَرِ، فَخَرَجَ مُغْضَبًا كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ فَقَالَ: «أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ أَوَمَا نُهِيتُمْ عَنْ هَذَا؟ إِنَّمَا هَلَكَتِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي هَذَا، إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا»
[ ٣ / ٢٣٩ ]
١٢٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْبَيَّعُ بِالْبَصْرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلَفٍ الضَّبِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، وَمَطَرٍ، وَدَاوُدَ، وَعَامِرٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ ⦗٢٤٠⦘ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَتَنَازَعُونَ فِي الْقَدَرِ، فَكَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ فَقَالَ: «أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ أَبِهَذَا وُكِّلْتُمْ؟ انْظُرُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَاتَّبِعُوهُ، وَمَا نُهِيتُمْ عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهُ»
[ ٣ / ٢٣٩ ]
١٢٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمَتُّوثِيُّ ⦗٢٤١⦘ بِالْبَصْرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَ ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا فَسَمِعَ نَاسًا يَتَذَاكَرُونَ الْقَدَرَ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ قَدْ أَخَذْتُمْ فِي شُعْبَتَيْنِ بَعِيدَتَيِ الْغَوْرِ، فِيهِمَا هَلَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
[ ٣ / ٢٤٠ ]
١٢٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حَبِيبٍ، وَحُمَيْدٍ، أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ، سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِ، فَقَالَ: وَادِيَانِ عَمِيقَانِ لَا يُدْرَكُ غَوْرُهُمَا، قِفْ عِنْدَ أَدْنَاهُ، ⦗٢٤٢⦘ وَاعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُجْزَى بِعَمَلِهِ، وَتَوَكَّلْ تَوَكُّلَ رَجُلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ "
[ ٣ / ٢٤١ ]
١٢٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ سُئِلَ عَنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ»
[ ٣ / ٢٤٢ ]
١٢٨٠ - حَدَّثَنَا النَيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَنْبَسَةَ ⦗٢٤٣⦘ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زِيَادٌ أَبُو عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَسُئِلَ عَنِ الْقَدَرِ، فَقَالَ: شَيْءٌ أَرَادَ اللَّهُ أَلَّا يُطْلِعَكُمْ عَلَيْهِ، فَلَا تُرِيدُوا مِنَ اللَّهِ مَا أَبَى عَلَيْكُمْ "
[ ٣ / ٢٤٢ ]
١٢٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَنْبَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ يَعْنِي ابْنَ بُرْقَانَ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: ثَلَاثٌ ارْفُضُوهُنَّ: مَا شَجَرَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالنُّجُومُ، وَالنَّظَرُ فِي الْقَدَرِ.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
١٢٨٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ الْكُوفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْإِسْكَافَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَفْرَحَ بِاللَّهِ وَيَتَمَتَّعَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ فَلَا يَسْأَلَنَّ عَنْ سِرِّ اللَّهِ يَعْنِي الْقَدَرَ قَالَ الشَّيْخُ ﵁: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي الْإِمْسَاكِ عَنِ الْكَلَامِ فِي الْقَدَرِ وَالنَّظَرِ فِيهِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ⦗٢٤٤⦘ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَفَسَّرُوا آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ ظَاهِرُهَا وَتَفْسِيرُهَا عَلَى الْعِلْمِ بِالْقَدَرِ، وَقَدْ رَأَيْنَا جَمَاعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ أَلَّفُوا فِيهِ كُتُبًا وَصَنَّفُوهُ أَبْوَابًا. وَرَوَوْا أَيْضًا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَعَلَّمُوا مِنَ الْقَدَرِ مَا لَا تَضِلُّونَ»، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ: «إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا»، فَإِنِّي أَرْجِعُ إِلَيْهِ بِجَوَابِ مَا سَأَلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ أَقُولَ لَهُ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ كِلَا الْوَجْهَيْنِ صَحِيحَانِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ وَاجِبُ الْقَبُولِ لَهُمَا وَالْعَمَلِ بِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَدَرَ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَمْرُ النُّجُومِ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَمْرُ الصَّحَابَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: فَأَمَّا أَمْرُ النُّجُومِ: فَأَحَدُهُمَا وَاجِبٌ عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، فَأَمَّا مَا يَجِبُ عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ فَهُوَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ النُّجُومِ مَا يَهْتَدِي بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْبِرِّ وَالْبَحْرِ، وَيَعْرِفُ بِهِ الْقِبْلَةَ وَالصَّلَاةَ وَالطُّرُقَاتِ، فَبِهَذَا الْعِلْمِ مِنَ النُّجُومِ نَطَقَ الْكِتَابُ وَمَضَتِ السُّنَّةُ. وَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ النَّظَرُ فِيهِ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا الْإِمْسَاكُ عَنْهُ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ فَهُوَ أَنْ لَا يَحْكُمَ لِلنُّجُومِ بِفِعْلٍ، وَلَا يَقْضِيَ لَهَا بِحُدُوثِ أَمْرِهِ كَمَا يَدَّعِي الْجَاهِلُونَ مِنْ عِلْمِ الْغُيُوبِ بِعِلْمِ النُّجُومِ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَكَذَلِكَ أَمْرُ الصَّحَابَةِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَأَمْرُهُمْ عَلَى وَجْهَيْنِ: ⦗٢٤٥⦘ أَحَدُهُمَا: فُرِضَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ. وَالْآخَرُ: وَاجِبٌ عَلَيْنَا الْإِمْسَاكُ عَنْهُ وَتَرْكُ الْمَسْأَلَةِ وَالْبَحْثِ وَالتَّنْقِيرِ عَنْهُ: فَأَمَّا الْوَاجِبُ عَلَيْنَا عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ فَهُوَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ وَصْفِهِمْ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَظِيمِ أَقْدَارِهِمْ، وَعُلُوِّ شَرَفِهِمْ، وَمَحَلِّ رُتَبِهِمْ، وَمَا أَمَرَنَا بِهِ مِنَ الِاتِّبَاعِ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَعِلْمُ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَمَنَاقِبِهِمْ، وَعِلْمُ مَا يَجِبُ عَلَيْنَا حُبُّهُمْ لِأَجْلِهِ مِنْ فَضْلِهِمْ وَعِلْمِهِمْ، وَنَشْرُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، لِتَنْحَاشَ الْقُلُوبُ إِلَى طَاعَتِهِمْ، وَتَتَأَلَّفُ عَلَى مَحَبَّتِهِمْ، فَهَذَا كُلُّهُ وَاجِبٌ عَلَيْنَا عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَمِنْ كَمَالِ دِينِنَا طَلَبُهُ. وَأَمَّا مَا يَجِبُ عَلَيْنَا تَرْكُهُ، وَفُرِضَ عَلَيْنَا الْإِمْسَاكُ عَنْهُ، وَحَرَامٌ عَلَيْنَا الْفَحْصُ وَالتَّنْقِيرُ عَنْهُ هُوَ النَّظَرُ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَالْخُلُقُ الَّذِي كَانَ جَرَى مِنْهُمْ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُشْتَبَهٌ، وَنُرْجِئُ الشُّبُهَةَ إِلَى اللَّهِ، وَلَا نَمِيلُ مَعَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا نَظْلِمُ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَلَا نُخْرِجُ أَحَدًا مِنْهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا نَجْعَلُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ حُجَّةً فِي سَبِّ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَلَا نَسُبُّ أَحَدًا مِنْهُمْ لِسَبِّهِ صَاحِبَهُ، وَلَا نَقْتَدِي بِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ جَرَى مِنْهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَنَشْهَدُ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى هُدًى وَتُقًى وَخَالِصِ إِيمَانٍ، لَأَنَّا عَلَى يَقِينٍ مِنْ نَصِّ التَّنْزِيلِ وَقَوْلِ الرَّسُولِ، أَنَّهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَخَيْرُهُ بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلَأَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ أَتَى بَعْدَهُمْ وَلَوْ جَاءَ بِأَعْمَالِ الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَلَوْ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا ذَنْبَ لَهُ وَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْهِ لَمَا بَلَغَ ذَلِكَ أَصْغَرَ صَغِيرَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ أَدْنَاهُمْ، وَمَا فِيهِمْ دَنِيٌّ، وَلَا شَيْءَ ⦗٢٤٦⦘ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ صَغِيرٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَأَمَّا الْقَدَرُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فُرِضَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّصْدِيقُ بِجَمِيعِهِ. وَالْآخَرُ: فَحَرَامٌ عَلَيْنَا التَّفَكُّرُ فِيهِ وَالْمَسْأَلَةُ عَنْهُ، وَالْمُنَاظَرَةُ عَلَيْهِ، وَالْكَلَامُ لِأَهْلِهِ، وَالْخُصُومَةُ بِهِ. فَأَمَّا الْوَاجِبُ عَلَيْنَا عِلْمُهُ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ وَالْإِقْرَارُ بِجَمِيعِهِ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ مِنَ اللَّهِ، وَأَنَّ الطَّاعَةَ وَالْمَعْصِيَةَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَأَنَّ مَا أَصَابَنَا لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئُنَا وَمَا أَخْطَأْنَا لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبُنَا، وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، عَلِمَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ، وَوَفَّقَهُمْ لِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ رَضِيَهَا أَمَرَهُمْ بِهَا، فَوَفَّقَهُمْ لَهَا، وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهَا، وَشَكَرَهُمْ بِهَا، وَأَثَابَهُمُ الْجَنَّةَ عَلَيْهَا تَفَضُّلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، أَحْصَاهُمْ عَدَدًا، وَعَلِمَ مَا يَكُونُ مِنْهُمْ، وَقَدَّرَ عَلَيْهِمْ مَا كَرِهَهُ لَهُمْ، خَذَلَهُمْ بِهَا وَعَذَّبَهُمْ لِأَجْلِهَا غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَا هُمْ مَعْذُورُونَ فِيمَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ، فَكُلُّ هَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِنْ عِلْمِ الْقَدَرِ الَّذِي لَزِمَ الْخَلْقَ عِلْمُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَسَيَأْتِي مِنْ عِلْمِ الْقَدَرِ وَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِلْمُهُ وَالْمَعْرِفَةُ بِهِ وَمَا لَا يَسَعَهُمْ جَهْلُهُ مَشْرُوحًا مُفَصَّلًا فِي أَبْوَابِهِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ نَصُّ التَّنْزِيلِ وَمَضَتْ بِهِ سُنَّةُ الرَّسُولِ ﷺ وَبِاللَّهِ نَسْتَعِينُ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. ⦗٢٤٧⦘ وَأَمَّا الْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْ عِلْمِ الْقَدَرِ الَّذِي لَا يَحِلُّ النَّظَرُ فِيهِ وَلَا الْفِكْرُ بِهِ، وَحَرَامٌ عَلَى الْخَلْقِ الْقَوْلُ فِيهِ كَيْفَ وَلِمَ وَمَا السَّبَبُ مِمَّا هُوَ سِرُّ اللَّهِ الْمَخْزُونُ وَعِلْمُهُ الْمَكْتُومُ الَّذِي لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا، وَحَجَبَ الْعُقُولَ عَنْ تَخَيُّلِ كُنْهِ عِلْمِهِ، وَالنَّاظِرُ فِيهِ كَالنَّاظِرِ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ، كُلَّمَا ازْدَادَ فِيهِ نَظَرًا ازْدَادَ فِيهِ تَحَيُّرًا، وَمِنَ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّتِهَا بُعْدًا، فَهُوَ التَّفَكُّرُ فِي الرَّبِّ ﷿ كَيْفَ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ يَقِيسُ فِعْلَ اللَّهِ ﷿ بِفِعْلِ عِبَادِهِ، فَمَا رَآهُ مِنْ فِعْلِ الْعِبَادِ جَوْرًا يَظُنُّ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ فِعْلِ مِثْلِهِ جَوْرٌ، فَيَنْفِي ذَلِكَ الْفِعْلَ عَنِ اللَّهِ، فَيَصِيرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَعْتَرِفَ لِلَّهِ ﷿ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَيَرَى أَنَّهُ جَوْرٌ مِنْ فِعْلِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَرَى أَنَّهُ مِمَّنْ يُنَزِّهُ اللَّهَ عَنِ الْجَوْرِ، فَيَنْفِي عَنْهُ قَضَاءَهُ وَقَدَرَهُ، فَيَجْعَلُ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً كَثِيرَةً يَحُولُونَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ مَشِيئَتِهِ، فَبِالْفِكْرِ فِي هَذَا وَشِبْهِهِ وَالتَّفَكُّرِ فِيهِ وَالْبَحْثِ وَالتَّنْقِيرِ عَنْهُ هَلَكَتِ الْقَدَرِيَّةُ حَتَّى صَارُوا زَنَادِقَةً وَمُلْحِدَةً وَمَجُوسًا، حَيْثُ قَاسُوا فِعْلَ الرَّبِّ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ وَشَبَّهُوا اللَّهَ بِخَلْقِهِ وَلَمْ يَعُوا عَنْهُ مَا خَاطَبَهُمْ بِهِ، حَيْثُ يَقُولُ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. فَمِمَّا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِيهِ وَلَا يَسْأَلَ عَنْهُ، وَلَا يَقُولَ فِيهِ لِمَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ، لِمَ خَلَقَ اللَّهُ إِبْلِيسَ وَهُوَ قَدْ عَلِمَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ أَنَّهُ سَيَعْصِيهِ، وَأَنْ سَيَكُونُ عَدُوًّا لَهُ وَلِأَوْلِيَائِهِ؟ وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْمَخْلُوقِينَ إِذَا عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى عَبْدًا يَكُونُ عَدُوًّا لَهُ وَلِأَوْلِيَائِهِ، وَمُضَادًا لَهُ فِي مَحَابِّهِ، وَعَاصِيًا لَهُ فِي أَمْرِهِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَحِبَّاؤُهُ: إِنَّ هَذَا خَطَأٌ وَضَعْفُ رَأْيٍ وَفَسَادُ نِظَامِ الْحِكْمَةِ، فَمَنْ تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ وَظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُصِبْ فِي فِعْلِهِ حَيْثُ خَلَقَ إِبْلِيسَ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْلَمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ إِبْلِيسَ أَنَّهُ يَخْلُقُ إِبْلِيسَ عَدُوًّا ⦗٢٤٨⦘ لَهُ وَلِأَوْلِيَائِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ إِبْلِيسَ أَصْلًا فَقَدْ كَفَرَ. وَهَذَا قَوْلُ الزَّنَادِقَةِ الْمُلْحِدَةِ، فَالَّذِي يَلْزَمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذَا أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ إِبْلِيسَ وَقَدْ عَلِمَ مِنْهُ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُ، وَيَعْلَمُوا أَنَّ فِعْلَ اللَّهِ ذَلِكَ عَدْلٌ صَوَابٌ، وَفِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْعِبَادِ عِلْمُهُ وَحَرَامٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَفَكَّرُوا فِيهِ وَيُعَارِضُوهُ بِآرَائِهِمْ وَيَقِيسُوهُ بِعُقُولِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ لِمَ جَعَلَ اللَّهُ لِإِبْلِيسَ سُلْطَانًا عَلَى عِبَادِهِ وَهُوَ عَدُوُّهُ وَعَدُّوهُمْ مُخَالِفٌ لَهُ فِي دِينِهِ، ثُمَّ جَعَلَ لَهُ الْخُلْدَ وَالْبَقَاءَ فِي الدُّنْيَا إِلَى النَّفْخَةِ الْأُولَى، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ لَا يَجْعَلَ لَهُ ذَلِكَ، لَوْ شَاءَ أَنْ يُهْلِكَهُ مِنْ سَاعَتِهِ لَفَعَلَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْعِبَادِ لَكَانَ خَطَأً، وَكَانَ يَجِبُ فِي أَحْكَامِ الْعَدْلِ مِنَ الْعِبَادِ أَنْ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ عَبْدٌ وَهُوَ عَدُوٌّ لَهُ وَلِأَحِبَّائِهِ وَمُخَالِفٌ لِدِينِهِ وَمُضَادٌّ لَهُ فِي مَحَبَّتِهِ أَنْ يُهْلِكَهُ مِنْ سَاعَتِهِ، وَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُضِلُّ عَبِيدَهُ وَيُفْسِدُهُمْ، فَفِي حُكْمِ الْعَقْلِ وَالْعَدْلِ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَنْ لَا يُسَلِّطَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَلَا يَجْعَلَ لَهُ سُلْطَانًا وَلَا مَقْدِرَةً، وَلَوْ سَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ عِنْدَ الْبَاقِينَ مِنْ عِبَادِهِ ظُلْمًا وَجَوْرًا حَيْثُ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُفْسِدُهُمْ عَلَيْهِ وَيُضَادُّهُ فِيهِمْ وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ، وَقَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِ وَهَلَكَتِهِ، فَمِمَّنْ تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ فَظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْدِلْ حِينَ جَعَلَ لِإِبْلِيسَ الْخُلْدَ وَالْبَقَاءَ وَسَلَّطَهُ عَلَى بَنِي آدَمَ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ ﷿ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُهْلِكَ إِبْلِيسَ مِنْ سَاعَتِهِ حِينَ أَغْوَى عِبَادَهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَهَذَا مِنَ الْبَابِ الَّذِي يَرُدُّ عِلْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَلَا يُقَالُ فِيهِ لِمَ وَلَا كَيْفَ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وَمِنْ ذَلِكَ نَوْعٌ آخَرُ: أَنَّ اللَّهَ ﷿ جَعَلَ لِإِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ أَنْ يَأْتُوا بَنِي آدَمَ فِي جَمِيعِ أَطْرَافِ الْأَرْضِ، يَأْتُونَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُمْ لِقَوْلِهِ ﷿ ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] وَجَعَلَهُمْ يَجْرُونَ مِنْ بَنِي آدَمَ مَجْرَى ⦗٢٤٩⦘ الدَّمِ وَلَمْ يَجْعَلِ لِلرُّسُلِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنَ السُّلْطَانِ مِثْلَ مَا جَعَلَ لَهُمْ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي أَحْكَامِ الْعِبَادِ لَكَانَ مِنَ الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ أَنْ يَكُونَ مَعَ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ عَلَامَةٌ كَعَلَامَةِ السُّلْطَانِ، أَوْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ أَجْرَاسٌ يَعْرِفُونَهُمْ بِهَا، وَيَسْمَعُونَ حِسَّهُمْ فَيَأْخُذُونَ حِذْرَهُمْ مِنْهُمْ، حَتَّى إِذَا جَاءُوا مِنْ بَعِيدٍ عَلِمَ الْعِبَادُ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَضِلُّونَ النَّاسَ، فَيَأْخُذُونَ حِذْرَهُمْ، أَوْ يَجْعَلَ لِلرُّسُلِ أَنْ يُزَيِّنُوا وَيُوَصِّلُوا إِلَى صُدُورِ النَّاسِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ كَمَا يُوَسْوِسُ الشَّيْطَانُ ذُرِّيَّتَهُ وَيُزَيِّنُوا لَهُمُ الْمَعْصِيَةَ، فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ عَبِيدِهِ الْبَاقِينَ ظُلْمًا وَجَوْرًا لِأَنَّ الْعِبَادَ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ فَيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ مِنْ إِبْلِيسَ، وَالرُّسُلُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُزَيِّنُوا فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ طَاعَةَ اللَّهِ وَمَعْرِفَتَهُ كَمَا يُزَيِّنُ الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ مَعْصِيَتَهُ بِالْوَسْوَسَةِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِإِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتَهُ سُلْطَانًا أَنْ يَأْتُوا عَلَى جَمِيعِ بَنِي آدَمَ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُمْ وَيُوَسْوِسُ فِي صُدُورِهِمُ الْمَعَاصِيَ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْدِلْ حَيْثُ جَعَلَ لِإِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ هَذَا السُّلْطَانَ عَلَى بَنِي آدَمَ فَقَدْ كَفَرَ، وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَابِ الَّذِي يَرُدُّ عِلْمُهُ مَعَ الْإِيمَانِ بِهِ وَالتَّسْلِيمِ فِيهِ إِلَيْهِ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ لِمَ سَلَّطَ اللَّهُ الْكُفَّارَ عَلَى الرُّسُلِ فِي الدُّنْيَا، وَسَلَّطَ الْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى قَتَلُوهُمْ وَعَذَّبُوهُمْ وَقَتَلُوا الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا سَلَّطَ اللَّهُ أَعْدَاءَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ لِيُكْرِمَ أَوْلِيَاءَهُ فِي الْآخِرَةِ بِهَوَانِ أَعْدَائِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَمْنَعَ الْكَافِرِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَيُهْلِكَ الْكُفَّارَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ أَفْعَالِ بَعْضِ مُلُوكِ الْعِبَادِ كَانَ جَوْرًا عِنْدَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ حَيْثُ سَلَّطَ أَعْدَاءهُ عَلَى أَنْصَارِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى هَلَكَتِهِمْ مِنْ ⦗٢٥٠⦘ وَقْتِهِمْ، فَمَنْ تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ فَظَنَّ أَنَّ هَذَا جَوْرٌ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ حَيْثُ سَلَّطَ الْكُفَّارَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُسَلِّطْهُمْ وَإِنَّمَا الْكُفَّارُ قَتَلُوا أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَأَوْلِيَاءَهُ بِقُوَّتِهِمْ وَاسْتِطَاعَتِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَنْصُرَ أَنْبِيَاءَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ حَتَّى غَلَبُوهُ وَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ أَحَبَّ نَصْرَهُ وَتَمْكِينَهُ فَمَنْ ظَنَّ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، لَا يُشْبِهُ عَدْلُهُ عَدْلَ الْمَخْلُوقِينَ، كَمَا أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْخَلْقِ لَا يُشْبِهُهُ. وَخَصْلَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ لِمَ مَكَّنَ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ فِي الْبِلَادِ، وَأَعَانَهُمْ بِقُوَّةِ الْأَبْدَانِ وَرَشَاقَةِ الْأَجْسَامِ، وَأَيَّدَهُمْ بِالسِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْبِيَاءَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ أَنْ يُعِدُّوا لَهُمُ السِّلَاحَ وَالْقُوَّةَ، وَأَنْ يُحَارِبُوهُمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يَمُدَّهُمْ بِالْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ قَالَ هُوَ لِنَفْسِهِ: إِنِّي مَعَكُمْ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُهْلِكَ أَعْدَاءَهُ مِنْ وَقْتِهِ بِأَيِّ أَنْوَاعِ الْهَلَاكِ شَاءَ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ وَلَا قِتَالٍ، وَبِغَيْرِ أَنْصَارٍ وَلَا سِلَاحٍ، فَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَحْكَامِهِمْ لَكَانَ جَوْرًا وَفَسَادًا أَنْ يُقَوِّيَ أَعْدَاءَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَمُدَّهُمْ بِالْعُدَّةِ، وَيُؤَيِّدَهُمْ بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ وَالْقُوَّةِ، ثُمَّ يَنْدُبُ أَوْلِيَاءَهُ لِمُحَارَبَتِهِمْ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْعُدَّةَ وَالْقُوَّةَ وَالسِّلَاحَ الَّذِي فِي أَعْدَاءِ اللَّهِ لَيْسَ هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِهِمْ وَعَطِيَّةِ اللَّهِ لَهُمْ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِهِمْ وَعَطِيَّتِهِ لَهُمْ وَهُوَ جَوْرٌ مِنْ فِعْلِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُمْ وَقَوَّاهُمْ وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَسْلِبَهُمْ إِيَّاهُ وَيُهْلِكَهُمْ مِنْ سَاعَتِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّسْلِيمُ لَهُ، وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَعْدَاءَهُ وَقَوَّاهُمْ وَسَلَّطَهُمْ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُهْلِكَهُمْ لَفَعَلَ، وَاللَّهُ أَعْدَلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وَمِمَّا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِيهِ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُضْمِرَ فِي نَفْسِهِ ⦗٢٥١⦘ فَيَقُولُ: لِمَ خَلَقَ اللَّهُ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَالْهَوَامَّ وَالسِّبَاعَ الَّتِي تَضُرُّ بَنِي آدَمَ وَلَا تَنْفَعُهُمْ وَسَلَّطَهَا عَلَى بَنِي آدَمَ وَلَوْ شَاءَ أَنْ لَا يَخْلُقَهَا مَا خَلَقَهَا، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ فِعْلِ مُلُوكِ الْعِبَادِ لَقَالَ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ: هَذَا غِشٌّ لَنَا وَمَضَرَّةٌ عَلَيْنَا بِغَيْرِ حَقٍّ حَيْثُ جَعَلَ مَعَنَا مَا يَضُرُّ بِنَا وَلَا نَنْتَفِعُ نَحْنُ وَلَا هُوَ بِهِ، فَمَنْ تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ فَظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْدِلْ حَيْثُ خَلَقَ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَالسِّبَاعَ وَكُلَّمَا يُؤْذِي بَنِي آدَمَ وَلَا يَنْفَعُهُمْ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ خَالِقًا غَيْرُ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَهَذَا قَوْلُ الزَّنَادِقَةِ وَالْمَجُوسِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ، فَهَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْإِيمَانُ بِهِ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا وَعَلِمَ أَنَّهَا تَضُرُّ بِعِبَادِهِ وَتُؤْذِيهِمْ وَهُوَ عَدْلٌ مِنْ فِعْلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا خَلَقَ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وَخَصْلَةٌ أُخْرَى لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ وَيُضْمِرَ فِي نَفْسِهِ، لِمَ تَرَكَ اللَّهُ الْعِبَادَ حَتَّى يَجْحَدُوهُ وَيُشْرِكُوا بِهِ وَيَعْصُوهُ، ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى هِدَايَتِهِمْ، وَهُوَ قَادِرٌ أَنْ يَمْنَعَ قُلُوبَهُمْ أَنْ تَدْخُلَهَا شَهْوَةُ شَيْءٍ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، أَوْ مَحَبَّةُ شَيْءٍ مِنْ مُخَالَفَتِهِ، وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يُبَغِّضَ إِلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ مَعْصِيَتَهُ وَمُخَالَفَتِهِ، وَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يُهْلِكَ مَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَتِهِ مَعَ هِمَّتِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَهُمْ كُلَّهُمْ عَلَى أَفْضَلِ عَمَلِ عَبْدٍ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ؟ فَمَنْ تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ فَظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْدِلْ حَيْثُ لَمْ يَمْنَعِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَنْ يُشْرِكُوا بِهِ، وَلَمْ يَمْنَعِ الْقُلُوبَ أَنْ يَدْخُلَهَا حُبُّ شَيْءٍ مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَلَمْ يَهْدِ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَرَادَ هِدَايَةَ الْخَلْقِ وَطَاعَتَهُمْ لَهُ وَأَرَادَ أَنْ لَا يَعْصِيَهُ أَحَدٌ وَلَا يَكْفُرَ أَحَدٌ فَلَمْ يَقْدِرْ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدَرَ عَلَى هِدَايَةِ ⦗٢٥٢⦘ الْخَلْقِ وَعِصْمَتِهِمْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَهُوَ جَوْرٌ مِنْ فِعْلِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّسْلِيمُ لَهُ، وَتَرْكُ الْخَوْضِ فِيهِ وَالْمَسْأَلَةِ عَنْهُ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ اللَّهَ ﷿ خَلَقَ الْكُفَّارَ وَأَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ، وَخَلَقَ الْعُصَاةَ وَأَمَرَهُمْ بِالطَّاعَةِ وَجَعَلَ حُبَّ الْمَعَاصِي فِي قُلُوبِهِمْ، فَعَصَوْهُ بِنِعْمَتِهِ، وَخَالَفُوهُ بِمَا أَعْطَاهُمْ مِنْ قُوَّتِهِ، وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَهُوَ يُعَذِّبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَلُومُونَ غَيْرُ مَعْذُورِينَ، وَاللَّهُ ﷿ عَدْلٌ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ بِهِمْ، وَغَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ عَلَى النَّاسِ جَمِيعًا، لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﵎ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. فَهَذَا مِنْ عِلْمِ الْقَدَرِ الَّذِي لَا يَحِلُّ الْبَحْثُ عَنْهُ وَلَا الْكَلَامُ فِيهِ، وَلَا التَّفَكُّرُ فِيهِ، وَبِكُلِّ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ ذَكَرْتُهُ وَمَا أَنَا ذَاكِرُهُ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَجَاءَتِ السُّنَّةُ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ عَلَيْهِ، لَا يَرُدُّ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا قَدَرِيٌّ خَبِيثٌ مَشُومٌ قَدْ زَاغَ قَلْبُهُ وَأَلْحَدَ فِي دِينِ اللَّهِ وَكَفَرَ بِاللَّهِ، وَسَأَذْكُرُ الْآيَاتِ فِي ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حُمَيْدٍ
[ ٣ / ٢٤٣ ]