تم بحمد الله ومنه، والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، عدد ماعلم الله ومثل ماعلم، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتخبين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى ذريته وأهل بيته صلاة دائمة إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا عليه وعليهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
فقد يسر الله لي بفضله وكرمه، وجوده وإحسانه، وآلائه التي لاتحصى عليّ بإتمام تحقيق كتاب الإبانة، ودراسة حياة الإمام الأشعري ﵀، وخلصت في هذه الدراسة إلى مايلي:
أولًا: أن الإمام الأشعري عاش في زمن علمي انتشر فيه التصنيف والتأليف، وهو عصر يعتبر من أهم عصور تدوين العلم في تاريخ الإسلام والمسلمين.
ثانيًا: عاش الإمام الأشعري في زمن الخلافة العباسية، وكان الوضع السياسي في زمنه غير مستقر، حيث كثرت فيه الفتن كفتنة الزنوج وغيرها.
ثالثًا: تبين لي من خلال الدراسة أن الأشعري عاش في زمن انتشر فيه الفكر الاعتزالي الخبيث، وظهرت آراؤهم الفكرية وبرز فيه أعلامهم.
رابعًا: تبين لي حقيقة ماكان عليه المعتزلة من إلحاد في أسماء الله وصفاته، وتأولهم للنصوص الثابتة لما يخالف مقتضى النقل والعقل والإجماع، بل ومايخالف الفطر السليمة وجرأتهم على الله جل وعلا، كما تبين لي أنهم من أبعد الناس عن العقل السليم، ودعوى أنهم أصحاب عقول مقالة أرادوا بها تلميع أنفسهم؛ ليخدعوا بها ضعفاء النفوس من العامة والخاصة.
خامسًا: تبين لي أن الإمام الأشعري ﵀ رجع إلى منهج السلف رجوعًا تامًا لا يقدح فيه بعض الأخطاء الاجتهادية التي لا تتعلق بالأصول، وكانت لبدايته في طلب العلم على يد زكريا الساجي أثرها عليه عند رجوعه، فسلامة الاعتقاد في البداية ساعدته بعد توفيق الله على نبذ معتقد المعتزلة.
سادسًا: تبين لي أن الأشعري كان يتوقد - كما قال الذهبي - ذكاءً، وبرز ذكاؤه بشكل عجيب في حججه العقلية التي هدم بها حجج المعتزلة العقلية المزعومة.
سابعًا: ظهر لي أن هذا المؤلف يعد مرجعًا نفيسًا لا يستغني عنه طالب العلم، وما ذكرته في ثنايا هذه الرسالة من ثناء العلماء عليه إلا دليلًا على ذلك.
ثامنًا: تبين لي أن هذا الكتاب هو آخر مؤلفاته بشهادة العلماء الأثبات، وقد تلقته الأمة بالقبول ولله الحمد والمنة.
تاسعًا: يعد هذا الكتاب من المراجع المهمة في نقل مسائل الإجماع في
[ ٦٢٧ ]
مسائل الاعتقاد.
عاشرًا: تبين لي مدى المسافة البعيدة بين الإمام الأشعري وكثير من المنتسبين إليه، وخاصة أئمة متأخريهم الذين مالوا في كثير من آرائهم إلى التجهم والاعتزال.
الحادي عشر: تبين لي عناية الإمام الأشعري في كتابه هذا بنصوص الوحيين وعدم معارضتهما، بل إنه أعلن البراءة من أي قول يعارضهما.
الثاني عشر: تبين لي أن هذا مرجع لاثبات عقيدة أهل السنة والرد على المعتزلة والجهمية والخوارج والرافضة وجميع نفاة الإثبات.
الثالث عشر: تبين لي أهمية اعتناء العلماء بحجج الأشعري العقلية، بل وأوصي أن تكون هناك رسالة علمية عن حجج الأشعري العقلية التي هدم من خلالها حجج المعتزلة.
الرابع عشر: تبين لي مدى عناية واهتمام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بكتاب الإبانة وثنائه عليه، ونقله منه، واعتماده عليه في الكثير من المسائل التي رد فيها على أبي بكر بن فورك ﵀ وغيره.
الخامس عشر: تبين لي أن هذا الكتاب أثر تأثيرًا واضحًا على متقدمي الأشاعرة، وخاصة الإمام البيهقي ﵀.
السادس عشر: تبين لي أن هذا الكتاب قد أنكره بعض الأشاعرة، إما عن جهل وإما عن عمد، وإن كان في غالبها العمد؛ لأن مافيه من الإثبات مخالف لما هم عليه من التأويل والتعطيل.
[ ٦٢٨ ]
السابع عشر: ظهر لي من خلال هذا البحث أن هناك الكثير من المسائل التي اتفق عليها المعتزلة والخوارج.
ولعل هذه النقاط هي أهم ماخلصت فيه من هذه الرسالة، والتي أسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه، فما كان فيها من صواب فمن الله وما كان فيها من خطأ فمن نفسي، وأسأل الله المغفرة والعافية.
[ ٦٢٩ ]