أبو بكر بن شيبة صاحب المصنف حيث أورد في مصنفه كتابًا بأكمله يرد فيه على الإمام ويعنونه بقوله: كتاب الرد على أبي حنيفة في ١٢٤ مسألة (^١) فهل يشك بالمصنف أيضًا أو يقدح بمؤلفه؟! فلا يقول بهذا باحث منصف، وما أظن هذا مسلك المنصفين؛ لأن في هذا تشكيك في دواوين أهل الإسلام. والمفترض أن يتم التعامل مع ما في المؤلفات من الأحاديث والآثار وفق القواعد التي وضعها أئمة الجرح والتعديل لا جعل الهوى والتعصب المذهبي هو الحاكم.
الشبهة الخامسة: ذكر عناية الله الحيدري ثناء العلماء على أبي حنيفة ومنهم الحافظ الذهبي ﵀ (^٢)، وقال وهبي غاوجي بأن الذهبي قد خص الإمام وصاحبيه بترجمة خاصة، وأثنى عليهم، ولم يذكر نسبة القول الشنيع إليهم (^٣). والرد على هذه الشبهة بما يلي:
١ - ثناء الإمام الذهبي على الإمام وصاحبيه غير مُسْتَغْرَبٍ، وهم يستحقون ذلك وأكثر، ولكن هذا المدح والثناء من الذهبي على الإمام وصاحبيه ليس مبررًا للقدح في الإبانة.
_________________
(١) انظر المصنف ٨/ ٣٦٣ - ٤٣٢.
(٢) انظر الضميمة ص ١٣.
(٣) انظر نظرة علمية في كتاب الإبانة ص ١٤.
[ ٩٠ ]
٢ - الإمام الذهبي ﵀ الذي احتججتم بثنائه على الإمام وصاحبيه - ذكر في كتاب العلو قول أبي يوسف: ناظرت أبا حنيفة ستة أشهر فاتفق رأينا على أن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر (^١). فهذا الأثر لو صح لاستدل به الشأن على أبي حنيفة بأنه كان يقول بخلق القرآن، أما المنصف فقد يحمله على أمر آخر، وهو أن أبا حنيفة ما كان يقول بخلق القرآن، وإنما كان الخلاف بينه وبين مخالفيه بماذا يحكم على القائل بالخلق وأما مسالة القرآن، هل هو مخلوق أم مُنَزَّل؟ فما كانت موضع نقاش، وإنما محل النزاع هو الحكم على القائل بالخلق، فهل هذه الرواية التي أوردها الإمام الذهبي ستكون قادحة به؟ أم في كتابه؟ أم أنها أقحمت فيه فيشكك في كتابه كما شكك في الإبانة، وهكذا سيضع أتباع كل مذهب يقدحون في أي مؤلف لا ينسجم مع أهوائهم.
٣ - أما مسألة: هل قال أبو حنيفة بخلق القرآن أم لا؟ فهذه من المسائل التي تطرق لها العلماء في القديم والحديث، وهي لا شك محل خلاف وموطن نزاع ولعلي أتطرق إليها في عُجَالةٍ من أمري من خلال المسائل التالية:
المسألة الأولى: إن المسلم يفرح ويسعد بسلامة اعتقاد أي إنسان.
_________________
(١) انظر العلو ٢/ ١٠٠١ وهذا قريب من اللفظ الذي أورده البيهقي في الأسماء والصفات، وقال عنه: قال أبو عبد الله - يعني الحاكم - رواته كلهم ثقات، وانظر: الأسماء والصفات ١/ ٦١١ حديث ٥٥١.
[ ٩١ ]
فكيف إذا كان هذا اعتقاد إمام من أئمة الإسلام! ويتبع مذهبه عشرات الملايين من المسلمين في عامة الأمصار، فالسعادة تكون أشد، والفرح يكون أعظم.
المسألة الثانية: إن الحكم على الإنسان ينبغي أن يكون مما ذكره في كتبه، أو نقله أتباعه أو نقله الثقات الأثبات عنه وعندما تسلك هذا المسلك نجد الإمام أبا حنيفة رأيه في مسألة عدم خلق القرآن لا يخرج - ولله الحمد - عن أقوال أئمة أهل السنة للروايات الآتية:
١ - ما كتبه الإمام أبو حنيفة في كتابه الفقه الأكبر (^١). حيث قال: والقرآن غير مخلوق (^٢)، فهذا كلام الإمام في كتبه. وهذا لوحده كافٍ لبيان موقفه.
٢ - نقل البغدادي في تاريخه بأن أبا حنفية كان يقول: جهم بن صفوان كافر (^٣). ولا شك بأن حكمه على صاحب القول بخلق القرآن بالكفر دليل على كفر القائل بهذا القول عنده.
_________________
(١) وهذا الكتاب اختلف البعض في صحة نسبته إلى أبي حنيفة فهناك من أثبته وهناك من فصل المسألة، وهناك من نفاه. انظر براءة الأئمة الأربعة مما نسب إليهم ص ٤٦ - ٧١ وأصول الدين عند الإمام أبي حنيفة ١١٦ - ١٢٣.
(٢) انظر الفقه الأكبر ص ٢.
(٣) انظر تاريخ بغداد ١٥/ ٥١٥، وقال بشار عواد في تحقيقه إسناده حسن ١٥/ ٥١٥.
[ ٩٢ ]
٣ - ونقل أيضًا عن بشر بن الوليد قول أبي يوسف ﵀ أن أبا حنيفة ﵀ كان يذم جهمًا ويعيب قوله (^١).
٤ - ونقل أيضًا بأن سفيان الثوري والنعمان بن ثابت - أبي حنيفة - كانا يقولان: القرآن كلام الله غير مخلوق (^٢).
٥ - نقل أيضًا قدوم ابن المبارك على أبي حنيفة، فقال له أبو حنيفة: ما هذا الذي دبَّ فيكم؟ قال له: رجل يقال له: جهم، قال: وما يقول؟ قال: يقول القرآن مخلوق، فقال أبو حنيفة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف] (^٣).
٦ - بل وذكر أتباع الإمام أبي حنيفة عقيدته صراحة أيضًا بقولهم، أنه قال: ونقر بأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق (^٤)، وهي عقيدة صاحبيه محمد بن الحسن وأبي يوسف (^٥). فإذا كان هذا كلام الإمام في كتابه وكتب أصحابه، فكان من المفترض الاقتصار عليها، ولكن لوجود
_________________
(١) انظر تاريخ بغداد ١٥/ ٥١٤. وقال محققه بشار عواد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
(٢) تاريخ بغداد ١٥/ ٥١٧ وقال بشار عواد: إسناده حسن.
(٣) انظر تاريخ بغداد ١٥/ ٥١٧.
(٤) انظر الجواهر المنيفة في شرح وصية الإمام أبي حنيفة ص ١٠ نقلًا عن أصول الدين ص ٣٣٤، وهذا الكلام سبق أن نقلته عنه في الفقه الأكبر ص ٢.
(٥) انظر: الأسماء والصفات ١/ ٦١٠، وشرح الاعتقاد ١/ ٢٧٠ - ٢٧١، ٢/ ٢٦٩ أثر ٤٧١، ٢/ ٧٩.
[ ٩٣ ]
بعض الروايات والنقول التي تخالف ما ذكر في هذه المصادر، كان لابد من أن يزاد الأمر توثيقًا وإيضاحًا.
٧ - نقل ابن عبد البر في كتابه الانتقاء قوله: سمعت أبا يوسف يقول: جاء رجل إلى مسجد الكوفة يوم الجمعة، فدار على الخلق يسألهم عن القرآن، وأبو حنيفة غائب بمكة، فاختلف الناس في ذلك، والله ما أحسبه إلا شيطانًا تصور في صورة الإنس، حتى انتهى إلى حلقتنا، فسألنا عنها وسأل بعضنا بعضًا، وأمسكنا عن الجواب، وقلنا: ليس شيخنا حاضرًا، ونكره أن نتقدم بكلام حتى يكون هو المبتدئ بالكلام. فلما قدم أبو حنيفة قلنا له بعد أن تمكنا منه رضي الله عنك، وقعت مسألة فما قولك فيها؟ فكأنه كان في قلوبنا وأنكر وجهه، وظن أنه وقعت مسألة مُعْنِيته وأنا قد تكلمنا فيها بشيء. فقال ما هي؟ قلنا: كذا وكذا، فأمسك ساكنًا ساعة، ثم قال: فما كان جوابكم فيها؟ قلنا لم نتكلم فيها بشيء، وخشينا أن نتكلم فيها بشيء فتنكره فسري عنه، وقال: جزاكم الله خيرًا، احفظوا عني وصيتي: لا تكلموا فيها، ولا تسألوا عنها أبدًا، انتهوا إلى أنه كلام الله ﷿ بلا زيادة حرفٍ واحد، ما أحب هذه المسألة تنتهي حتى توقع أهل الإسلام في أمر لا يقومون، ولا يقعدون! أعاذنا الله وإياكم من الشيطان الرجيم (^١).
_________________
(١) انظر الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء ص ٣١٧ - ٣١٨.
[ ٩٤ ]
٨ - وقال أبو يوسف: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال غير هذا فهو كافر، قال له ابنه: يا أبت هل تُخبر عن أبي حنيفة في هذا بشيء؟ قال: نعم، كان أبو حنيفة على هذا عهدي به، وما علمت منه غير هذا، ولو علمت منه غير هذا لم أصحبه. قال: وكان أبو حنيفة إمام الدنيا في زمانه فقهًا وعلمًا وورعًا، قال: وكان أبو حنيفة محنةً يُعرف به أهل البدع من الجماعة، ولقد ضرب بالسياط على الدخول في الدنيا لهم فأبى (^١). فانظر إلى قول أبي يوسف: ولو كان هذا قوله ما صحبته، وهذا يدل أن هؤلاء يعلمون قول إمامهم، ويعلمون بأنه لا يرى القرآن مخلوقًا وقول الإمام أبي حنيفة ونقول تلامذته عنه مقدم على أقوال غيرهم، بل وانظر إلى ما قال ابن المبارك ﵀، سمعت الناس منذ تسعة وأربعين عامًا. يقولون: من قال القرآن مخلوقًا فامرأته طالق ثلاثًا (^٢). ومعلوم أن عبد الله المبارك من ألصق تلامذة أبي حنيفة فلو كان شيخه على غير هذا النهج لما صحبه.
٩ - كذلك نقل الثقات من أصحابه عقيدته، كالإمام أبي جعفر الطحاوي ﵀ عندما نقل معتقد إمامه حيث قال: والقرآن كلام الله ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد
_________________
(١) انظر الانتقاء ص ٣١٩.
(٢) انظرالحجة في بيان المحجة ١/ ٣٦٨ واللالكائي ٢/ ٢٤٤ الأثر رقم ٤٠٥.
[ ٩٥ ]
كفر (^١). فها هو الإمام الطحاوي يبين من خلال هذا الكلام عقيدته وعقيدة إمامه الذي يتبعه.
١٠ - بل ها هو إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يذكر بأن بعض أصحاب أبي حنيفة تابعوا جهمًا بالقول بخلق القرآن (^٢). فهنا يبين الإمام أحمد وهو من أعلم الناس بالرجال بأن القائل بخلق القرآن هم بعض أصحاب أبي حنيفة ولو كان الإمام أبو حنيفة قائلًا بمثل هذا القول لذكره الإمام عنه. وما قصر الذكر على بعض أصحابه.
١١ - بل ها هو الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يشهد للإمام أبي حنيفة بالبراءة من هذا القول بما رواه النخعي (^٣)، قال: حدثنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق (^٤). فهذا الإمام أحمد الذي امتحن في
_________________
(١) انظر شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٢٥٤.
(٢) انظر: الرد على الجهمية ص ١٠٤ - ١٠٥.
(٣) هو: الإمام الحافظ إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي، روى عنه القاضي شريح وأبي عبدالرحمن السلمي، وخلق من كبار التابعين، وكان بصيرًا بعلم ابن مسعود ﵁ وكان مفتى أهل الكوفة، توفي وله تسع وأربعون سنة، سنة ست وتسعين. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٢٠ - ٥٢٩، وطبقات ابن سعد ٦/ ٢٧٠.
(٤) انظر: تاريخ بغداد ١٥/ ٥١٧ وقال بشار عواد في تحقيقه لتاريخ بغداد إسناده صحيح.
[ ٩٦ ]
قضية خلق القرآن، وأكثر المدافعين عن السنة يشهد ببراءة الإمام أبي حنيفة ويبين عدم صحة نسبة هذا القول له وهي وربي كافية ببيان براءته، فكيف إذا اقترنت بشهادة غيره!
١٢ - كالإمام النخعي ﵀ حيث قال: ما تَكَلَّم أبو حنيفة ولا أبو يوسف ولا محمد، ولا أحدٌ من أصحابهم في القرآن، وإنما تكلم في القرآن بشر المريسي، وابن أبي دؤاد، فهؤلاء شانوا أصحاب أبي حنيفة (^١).
١٣ - بل وهذا الإمام اللالكائي يبين في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، بأن معتقد الإمام أبي حنيفة هو القول بعدم خلق القرآن، بل ويبين بأن الإمام أبا حنيفة ممن يقولون بكفر من قال بأن القرآن مخلوق، حيث قال: ومن الطبقة الأولى من الفقهاء سفيان بن سعيد الثوري، والنعمان بن ثابت أبو حنيفة، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن الحسن إلى آخر من ذكر (^٢).
١٤ - وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يبين عقيدةَ الإمام أبي حنيفة في مسألة خلق القرآن، حيث قال ﵀: إن الأئمة المشهورين كلهم يثبتون الصفات لله تعالى، ويقولون: إن القرآن كلام الله
_________________
(١) ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه ١٥/ ٥١٨، وقال محققه بشار عواد: إسناده صحيح.
(٢) انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٢٧٧.
[ ٩٧ ]
ليس بمخلوق، ويقولون: إن الله يُرى في الآخرة. هذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أهل البيت وغيرهم، وهذا مذهب الأئمة المتبوعين، مثل: مالك بن أنس والثوري، وأبي حنيفة والشافعي، وأحمد بن حنبل (^١) فشيخ الإسلام يبين من خلال هذا الكلام بأن معتقد الإمام أبي حنيفة كغيره من الأئمة، بل وبين في موطن آخر بأن هذا المعتقد ليس معتقد الإمام ولا أصحابه المعروفين، بل هو معتقد بعض المنتسبين إليه في الفقه من المعتزلة (^٢).
١٥ - بل وبين الحافظ ابن حجر ﵀ في لسان الميزان بأن ما نسب إلى الإمام في مسألة خلق القرآن كذب حيث قال عند ترجمته لإسماعيل بن حماد بن النعمان (^٣). وهو من دعاة المأمون في المحنة بخلق القرآن، وكان يقول بدار المأمون: القرآن مخلوق هو ديني ودين أبي وجدي، وكذب عليهم (^٤).
١٦ - كما بين كذب إسماعيل بن حماد على أبي حنيفة الإمام بشر بن
_________________
(١) انظر منهاج السنة ٢/ ١٠٦ باختصار.
(٢) انظر مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٣٦٠.
(٣) هو: إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت ولي القضاء سنة عشر ومائتين وعزل عنه سريعًا وعرف بذكائه قال عنه ابن عدي: ضعيف ونقل الإمام الطبري أنه كان جهميًا غير ثقة ألف الجامع في الفقه والرد على القدرية مات سنة ٢١٢ هـ. انظر تاريخ بغداد ٧/ ٢١٦ والجواهر المضية ١/ ٤٠٠ ولسان الميزان ١/ ٥١٧.
(٤) لسان الميزان ١/ ٥١٧.
[ ٩٨ ]
الوليد (^١)، حيث قال: كنا عند أمير المؤمنين، وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: القرآن مخلوق وهو رأيي ورأي آبائي. فقلت له، أي - بشر بن الوليد - أما رأيك فنعم أما رأي آبائك فلا (^٢).
١٧ - ذكر الإمام الألباني (^٣) ﵀ بأن في التاريخ للخطيب روايات عِدّة تُبين بأن أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق، إلا أنه دَقَّقَ النظر في بعضها فوجدها لا تخلو من قادح، ثم قال: ولعل سائرها كذلك، لاسيما وقد روى الخطيب عن الإمام أحمد أنه قال: لم يصح عندنا أن أبا
_________________
(١) قال عنه الذهبي بشر بن الوليد بن خالد الإمام العلامة المحدث الصادق قاضي العراق أبو الوليد الحنفي، ولد سنة ١٥٠، وسمع من مالك بن أنس وحماد بن زيد وحدث عنه البغوي وأبو يعلى، روى عنه أبو داود وابن ماجه ووثقه أبو زرعة، مات سنة ٢٤٠ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٦٧٣، والنجوم الزاهرة ٢/ ٢٩٢.
(٢) انظر الانتقاء لابن عبد البر ص ٣١٨.
(٣) هو الإمام المحدث محمد بن ناصر الدين بن نوح بن آدم الألباني، ولد سنة ١٣٣٢ هـ في ألبانيا، ثم هاجر مع أسرته إلى سوريا فرارًا بدينهم. تلقى العلم على يد والده، وعلى الشيخ سعيد البرهاني، وعلى العلامة محمد راغب الطباخ، وقد برع ﵀ في علم الحديث، عمل أستاذًا في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. له العديد من المؤلفات منها: سلسلة الأحاديث الصحيحة، وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتحريم آلات الطرب، سجن ﵀ في سجن القلعة بسبب وشاية بعض مشايخ الصوفية. توفي ﵀ سنة ١٤٢٠ هـ في عمان، الأردن. انظر صفحات مشرقة من حياة العلامة الألباني لإبراهيم الهاشمي. وانظر: مقدمة الاختيارات الفقهية للإمام الألباني ٩ - ٣٢.
[ ٩٩ ]
حنيفة كان يقول بأن القرآن مخلوق (^١)، وهذا هو الظن بالإمام أبي حنيفة وعلمه ﵀ فإن صح عنه خلافه فلعل ذلك كان قبل أن يناظره أبو يوسف (^٢).
١٨ - لو كان الإمام قائلٌ به لشنع عليه أهل عصره كما شنع على ابن أبي دؤاد وغيره، بل ولكان الإمام أبو حنيفة هو مبتدع هذا القول وليس الجعد ولا الجهم والعلماء على أن هؤلاء هم أول من قال بخلق القرآن، وما ذكر أحد السلف أن أبا حنيفة أول من قال بخلق القرآن مع أنه وجد قبل هؤلاء الضلال الجهمية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال: إن القرآن مخلوق الجعد بن درهم، ثم الجهم بن صفوان (^٣).
١٩ - هل يترك قول هؤلاء الثقات الأعلام من أجل روايات واهية لا تثبت، وأصح هذه الروايات يدل على أن المناظرة كانت حول الحكم
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) انظر مختصر العلو ص ١٥٦، بل وبين بشار عواد بأن جميع هذه الروايات ضعيفة كذلك ففي هذا القول الشيخ الدكتور/ محمد بن عبد الرحمن الخميس، في أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة ص ٣٣٤، والشيخ الدكتور عبد العزيز الحميدي في كتابه براءة الأئمة الأربعة ص ٣٠١ كذلك محقق التاريخ الكبير ٤/ ١٢٧، كذلك الدكتور/ أحمد سعد حمدان. انظر: شرح أصول الاعتقاد ٢/ ٢٣٩، هامش ٤.
(٣) انظر: التسعينية ١/ ٢٨٤ وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٣١٢.
[ ١٠٠ ]
على القائل لا على القول. وبهذا يتبين أن الإمام أبا حنيفة ما كان يقول بخلق القرآن، كما يتبين بأن طعن صاحب الضميمة ومن وافقه حول الإبانة منشؤه على قول واهٍ؛ وذلك لأن نسبة القول بخلق القرآن للإمام أبي حنيفة لم ينفرد فيه الأشعري وحده، بل سبقه إليها الإمام البخاري في تاريخه الكبير، ونقله اللالكائي والخطيب وغيرهم، مع أن انفراد الأشعري لو حصل لما قبل القدح فكيف مع عدم انفراده بهذا القول؟! والله أعلم.
[ ١٠١ ]