يصير الأمر محكمًا حتى يثبتوا كفر القائل بالخلق بعدما بذلا أقصى جهدهما في تحقيق المسألة (^١) ليس مقبولًا البتة. وهل تحتاج هذه المسألة التي دل عليها القرآن وذكرها خير الأنام -ﷺ- وآمن بها الصحابة ومن تبعهم بإحسان كل هذا الجهد. فالرواية لو صحت لكانت دلالة على صحة نسبة القول لأبي حنيفة، لكنها لم تصح ولله الحمد، ولذا كان عليه رفضها من خلال سندها ومتنها لا التكلف بتأويلها.
سادسًا: لقد حاول عناية الله الحيدري، أن يجعل الصراع والخلاف بين كتابي البيهقي والإبانة وهذا أمر عجيب؛ لأن كلًا منهما يبحث المسألة من خلال المنهج الذي ارتضاه لنفسه، وليس الموضع موضع عرض الروايات بعضها على بعض، فليت الشيخ الحيدري كما سبق أن ذكرت اقتصر في الحكم على الروايات دون الطعن في بعض ما جاء في كتاب الإبانة.
الشبهة الرابعة: احتجَّ الحيدري بأن ما في الإبانة موضوع بقوله: بأن البيهقي روى عن البخاري ﵀ أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق عليه أدركنا علماء الحجاز ومكة والمدينة وأهل الكوفة والبصرة وأهل الشام ومصر وعلماء خراسان (^٢)، فالبخاري بين أن هذه
_________________
(١) انظر الضميمة ص ٦.
(٢) انظر الأسماء والصفات ١/ ٦١٦، وانظر خلق أفعال العباد ٢/ ١١٥ - ١١٦.
[ ٨٨ ]
أقوال العلماء وأهل الأمصار من غير أن يفيد أن جماعة معينة أو فردًا معينًا من تلك الجماعة كان يعتقد أولًا خلق القرآن ثم رجع عنه، فيكون الإمام أبوحنيفة الكوفي ابتداؤه وانتهاؤه على أن القرآن غير مخلوق (^١). وأيده على هذا القول وهيبي سليمان غاوجي، حيث قال: لو كان الإمام أبو حنيفة قائلًا بخلق القرآن لذكره الإمام البخاري ﵀ (^٢).
قلت: كنت أتمنى ألا يجعلوا محل النزاع على صحة نسبة الإبانة: لمؤلفها سببه ما نسبه الأشعري فيها للإمام أبي حنيفة واحتجاجهم بأن ما في الإبانة موضوع بدليل عدم إيراد البخاري له مردود بأن البخاري ﵀ نسب هذا القول لأبي حنيفة، بل أشنع قول أورده الأشعري في الإبانة. أورده البخاري في كتابه التاريخ الكبير، حيث قال بسنده، بأن سفيان قال: قال لي حماد بن أبي سليمان أبلغ أبا حنيفة المشرك أني بريء منه، قال: وكان يقول: القرآن مخلوق (^٣). فهل رجعتما عن هذا القول أم ستجعلون هذا قادحًا في كتاب التاريخ الكبير للبخاري ﵀ لأنه مقحم فيه فعلة القدح بالإبانة توفرت في التاريخ الكبير أيضًا فيكون التاريخ الكبير إما مفترى على البخاري، أو أدخلت روايات ليست من قول مؤلفه؟ بل وإليهم ما هو أشد وهو ما صنعه الإمام
_________________
(١) انظر الضميمة ص ١٠.
(٢) انظر نظرة علمية في كتاب الإبانة ص ١٤.
(٣) انظر التاريخ الكبير ٤/ ١٢٧.
[ ٨٩ ]