الوجه الأول: أن ابن فورك ذكر الكتب التي ألفها الأشعري قبل سنة عشرين وثلاث مئة، وهذا الكتاب هو آخر كتبه وقد صنفه في بغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره بالسنة (^١)، ولذا قال ابن فورك: إن الأشعري عاش بعد ذلك إلى سنة أربع وعشرين وثلاث مئة وصنف فيها (^٢) كُتبًا. ثم قال ابن عساكر بعد ذلك: هذا آخر ما ذكره ابن فورك من تصانيفه، وقد وقع لي أشياء لم يذكرها في تسمية تواليفه (^٣). فهنا عدة ملاحظات:
أ- أن ابن فورك لم يُحْصِ كتب الأشعري.
ب- أن ابن فورك لم يذكر إلا الكتب التي صنفها قبل عشرين وثلاث مئة، والإبانة هي آخر كتبه، فيكون صنفها بعد عشرين وثلاث مئة، خاصة وأن ابن فورك قد ذكر أن الأشعري صنف كتبًا في هذه الفترة.
ج-أن ابن عساكر قد استدرك على ابن فورك كتبًا وقد ذكرها، بل وذكر ابن عساكر الإبانة في أكثر من موطن في كتابه، بل ونقل منها نصوصًا.
الوجه الثاني: قد يكون ابن فورك قد نسيها كما نسي غيرها.
_________________
(١) انظر بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٤٣.
(٢) انظر التبيين ص ٣٥.
(٣) انظر التبيين ص ١٣٦.
[ ٤٢ ]
الوجه الثالث: ذكر ابن تيمية علة أخرى، وهي أن ابن فورك وذويه، كانوا يميلون إلى النفي في مسألة الاستواء ونحوها، وقد نقل عن ابن كُلاب كلامًا فتصرف في كلامه تصرفًا، لذا كان هواه في النفي يمنعه من تَتَبُّعِ ما جاء في الإثبات من كلام أئمته وغيرهم، ولذا نقل عن الأشعري كلامًا زاد فيه ونقص. وفعله هذا سببه أنه يظن أن هذا هو الحق، وقد رأيت في مصنفات من ينقلون عن الأئمة شيئًا لم ينقله أحد عنهم لاعتقادهم أنه حق، فهذا أصل ينبغي أن يعرف (^١). فابن فورك لم يذكر الإبانة لأنها من كتب الإثبات التي تخالف منهجه التأويلي.
الوجه الرابع: ظهر لي بعد تحقيق الإبانة اتفاق عامة النساخ على عامة ما ورد فيها، لا من حيث الترتيب، ولا من حيث الأبواب والمسائل والأجوبة والألفاظ، وإنما الخلاف في الغالب لا يتعدى أمور لا علاقة لها في صلب الموضوع. ومن أمثلة ذلك: أن غالب الفروق لا تعدو أن يصلي الناسخ على رسول الله -ﷺ-، وبعضهم يورد النبي من غير الصلاة عليه، وقد يحدث العكس وهو الغالب، وهناك من يصلي عليه في موضع ولا يصلي عليه في موضع آخر، وكذلك الترضي
_________________
(١) انظر بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٤٥، ١٤٧ باختصار.
[ ٤٣ ]
على الصحابة رضوان الله عليهم. كما أن من الفروق عند ورود لفظ الجلالة نجد في بعض النسخ لفظ (تعالى) وبعضهم (﷿)، أمَّا الخلافات الجوهرية، أو المحيلة للمعنى فإنها من أندر النوادر، إن لم تكن معدومة إلا في موضع لا يتعدى ثلاثة أسطر، انفردت به نسخة عن باقي النسخ الست، مما يؤكد أنها زيادة من الناسخ، وذكرت الأدلة على ذلك في موضعها في الرسالة، وأما ماعدا ذلك فلا فرق يذكر، وهذا التطابق في الألفاظ يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك، أن هذا الكتاب ألفه الإمام الأشعري، وأما دعوى المدعين، بأن أيدٍ آثمة قد عبثت به، أو أنه ليس من تصنيفه، دعوى ليس لها برهان.
الوجه الخامس: مما يؤكد صحة نسبة الكتاب للإمام الأشعري ﵀ أننا نجد نفس الألفاظ والعبارات الموجودة في نسخته الخطية موجودة أيضًا فيما نقله الأئمة الأثبات عنه بحروفها وألفاظها ومعانيها، كالإمام البيهقي، والحافظ ابن عساكر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، الذي أكثر من النقل منه، كذا تلميذه ابن القيم، وكذلك الحافظ الذهبي، سواء في كتابه العلو، أو في كتابه العرش، وما أدري هل عَبَثَتِ الأيدي الآثمة، التي يدعيها الكوثري ومن سار في فلكه في هذه الكتب والمخطوطات أيضًا؟ أم إنها دعوى كغيرها بلا دليل والله المستعان.
الوجه السادس: إن المتأمل لما كتبه الأشعري في الإبانة يجد أنه في غالبه موجود في كتبه الأخرى، كمقالات الإسلاميين، أو رسالته إلى أهل الثغر. فهل اتفاق هذه الكتب
[ ٤٤ ]
في غالب الأصول وفي عامة الأبواب والمسائل عبثت بها الأيدي الآثمة التي اخترعها الكوثري وتَلَقَّفَهَا عنه محبوه بلا أدنى تثبت، أم إن الدافع الحقيقي نقد الإبانة والمقالات وردهما؛ لأنهما من كتب الإثبات؟ وما فيهما من الإثبات وخاصة الإبانة يناقض ما عليه متأخروا الأشاعرة، ولذا يحاول بعضهم عبثًا، وهم قلة - ولله الحمد - الطعن بصحة ما في هذه الكتب ونفيها عن الإمام الأشعري، وتأويل ما يستطيعون تأويله، لأن ما فيها كما ذكرت يناقض ما هم عليه من معتقدات مخالفة لمعتقد إمامهم ﵀، لأن ما أثبته في الإبانة موافق لما عليه أهل السنة وما عليه متأخري الأشاعرة من التجهم والاعتزال الشيء الكثير.
والخلاصة، أن عدم إيراد ابن فورك لكتاب الإبانة ليس مسوغ لنفي الكتاب، خاصة وقد ظهر بالأدلة أن ابن فورك لم يستقص كتب الأشعري، وما كان الاستقصاء هدفه، ولو كان هدفه الاستقصاء لكان عدم ذكره لكتاب الإبانة لا يعدوا أن يكون سهوًا أو خطأً، لا أنه دليل على عدم تأليف الإمام الأشعري له خاصة، وابن فورك لم يورده ولم ينفه.
[ ٤٥ ]