منهجه في الكتاب
يتبين القارئ لهذا الكتاب من الوهلة الأولى أن الإمام الأشعري في كتابه هذا يسلك مسلك أهل السنة والجماعة، وأنه سائر على نهجهم مقتفٍ لأثرهم، ولعل أبرز سمات منهجه ما يلي:
١ - اعتماده على القرآن الكريم كمصدر أول يستقي منه الحجيج ويرد به على الخصوم، وذلك في معرض إثباته للصفات فهو يعطي للنص القرآني الأولوية ولا تجده يخالفه أو يعارضه بأدلة عقلية، فجعله المصدر الأول له في تقرير العقيدة، وهذا هو منهج السلف عليهم رحمة الله.
٢ - كما اعتمد الأشعري - ﵀ - على السنة كمصدر ثانٍ بإيراد حجج الإثبات ورد شبه النفاة.
٣ - اعتمد الأشعري على منهج وفهم السلف أئمة الحديث للوحيين، الكتاب والسنة، كالإمام أحمد وابن المبارك وغيرهما، وعلى ما أجمعوا عليه كمصدر ثالثٍ يعتمد عليه في الإثبات ونفي التعطيل، ويلاحظ أيضًا إيراده للعديد من المسائل التي أجمع عليها السلف، مما يدل على اتباعه لهم.
٤ - ومن السمات البارزة في كتابه أيضًا اعتماد الأشعري على مسائل
[ ٥٨ ]
الإجماع ودقة نقله لهذه المسائل، بل لم أجده نقل الإجماع في مسألة ولم يصح، أو وجد له مخالف من أهل السنة. مما يدل على دقته وتحريه للنقل في مثل هذه المسائل.
٥ - استخدم الأشعري منهج الاستدلال العقلي الذي لا يتعارض مع الوحيين، بل يكون مؤيدًا لهما عند جداله ومناقشته للخصوم، ولقد برزت قدرته على استخدام الدليل العقلي في الاستدلال بقوة واضحة، وقد يكون ذلك عائدًا لمعرفته المسبقة بمنهج المعتزلة، وَسَبْرِه لأغوارهم، ومعرفته لمناهجهم.
٦ - وسلك في الكتاب مسلك الاعتماد على آثار الصحابة والتابعين، وحفظه للكثير من الآثار التي نقل عنهم في معرض استدلاله وإثباتاته دليل على اتباعه لهم.
٧ - كما كان منهجه في هذا الكتاب قائمًا على إيراد أصول مسائل الاعتقاد، حيث أورد في كتابه مسألة رؤية الله - ﷾ - بالإبصار في الآخرة. وهي من أهم المسائل التي خالف فيها المعتزلة والجهمية الحق- وتطرق لمسألة أن القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق، وأطال فيها النفس، لأنها من أهم مسائل العقيدة التي خالف فيها أهل الأهواء، والتي امتحن بسببها الإمام أحمد، فأجاد - ﵀ - وأفاد، وحشد العشرات من الأدلة للرد على خصومه في هذه المسألة، كما تطرق في كتابه لعلو الله على خلقه واستوائه
[ ٥٩ ]
على عرشه، ورد على حجج أولئك الذين فسروا الاستواء بالاستيلاء بحجج عقلية ونقلية، كما رد في هذا الباب على المعتزلة والجهمية، ومن سلك منهجهم الفاسد، بأن الله في كل مكان وأثبت في هذا الباب أيضًا مسألة النزول الإلهي إلى السماء الدنيا كما تطرق الأشعري - ﵀ - في كتابه على إثبات صفات الوجه والعينين واليدين، والسمع والبصر، واستخدم في هذه المسألة أيضًا منهجه القويم بالاعتماد على الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح لهما، وكان منهجه العقلي في هذا الباب ظاهرًا بوضوح. كما أثبت أيضًا صفة العلم لله، وصفة القدرة، وصفة الإرادة. كما تطرق إلى خلق الله لأفعال العباد ورد على المخالفين في ذلك، وذكر العديد من الروايات الثابتة في القدر، وتطرق لمسألة الشفاعة، وخروج العصاة، وأهل الكبائر من النار، ورد على حجج أهل الأهواء الذين رأوا خلودهم في النار، كالخوارج والمعتزلة. وتطرق لمسألة إثبات عذاب القبر وإثبات الحوض، واختتم كتابه كما هو منهج السلف في الكلام عن إمامة الصديق - ﵁ - وبقية الخلفاء - رضوان الله عليهم - مبينًا أفضليتهم على الترتيب، وأثنى على العشرة، وعلى بقية الصحابة مُتَرَضِّيًا عليهم جميعًا متبعًا لمنهج السلف الصالح في هذه المسألة ومخالفًا لمناهج أهل الأهواء، الذين طعنوا في الصحابة، كالخوارج والرافضة
[ ٦٠ ]
ومن سار على مناهجهم الضالة، فأنت تلحظ أن منهجه في هذا الكتاب، مع حرصه على عدم الإطالة. قد قام على احتواء أهم هذه المسائل، والتي يحتاج إليها الناس في كل زمان ومكان، ورد على الفرق المخالفة كالجهمية والخوارج والمعتزلة والرافضة.
٨ - ابتعد في هذا الكتاب عن أساليب الكلامية والألفاظ المنطقية، فلا يوجد له في هذا الكتاب من ألفاظ المنطقيين إلا عبارات يسيرة.
٩ - صاغ كتابه هذا على سبيل المناظرات في ردوده.
١٠ - لقد وافق منهج الأشعري في هذا الكتاب هدفه الذي قصده من تأليف هذا الكتاب، حيث وافق عنوان الكتاب مضمونه. حيث أبان منهج السلف الصالح الذي سَلَكَهُ في هذا الكتاب.
[ ٦١ ]