نقد الكتاب
لا تخلو كتب البشر مهما بلغوا من نقص فالكمال ليس لهم، وإنما لكتاب الله - ﷿ - ولسنة رسوله -ﷺ- الصحيحة الثابتة عنه، وليس معنى الإقدام على نقد كتاب لأحد من العلماء يعد تقليلًا من قدره، أو تنقيصًا لمكانته أو قدر كتابه، بل، ولا يدل هذا على أن الناقد أعلى منه وأرفع، بل قد يكون ما يراه الناقد خطأً هو الصواب، لأن هذه لا تعدو أن تكون ملاحظات يجتهد فيها الإنسان وتختلف فيها الأفهام، وإن من أعظم مزايا أهل السنة والجماعة أنهم لا يرون العصمة لأحد سوى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولذا كان من منهجهم عرض الأقوال على الكتاب والسنة، وما كان من صواب قبلوه، وما كان من خطأ ردوه وأوضحوا الحق وبينوه، وبذلوا الجهد والغاية في الاعتذار للمخطئ متى ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، من غير تكلف، بل هم من أسس منهج الجرح والتعديل، وطالما أكدوا على قاعدتي العدل والورع، وإذا انخرمت هذه القاعدة نتج عنها فساد عريض من الجهل والظلم، وعندما أذكر بعض الملاحظات على هذا الكتاب فهي لا تعدو أن تكون ملاحظات يسيرة بالنسبة لتلك الحسنات العظيمة التي بذلها في كتابه هذا، ولعل أبرز
[ ٦٨ ]
الملاحظات التي سأذكرها (^١)، وهي كالآتي:
١ - لم يكن الإمام - ﵀ - صريحًا في قضايا إثبات بعض الصفات. فهو مثلًا عندما يثبت صفة النزول والمجيء، أو صفة الكلام، فإنه يورد هذه الصفات ويستدل بها، ولكنه لا يصرح التصريح الذي يزيل اللبس، خاصة عند من قرأ كُتبه السابقة، مع أنه في هذا الكتاب من المثبتة، ولكن الخلفية السابقة عنه قد تدفع بعض نفاة الصفات على حملها على أفهامهم بناءً على ما أسسه في كتبه السابقة على هذا الكتاب، كذلك قد نَدْفَعُ بعض المثبتة على مثل هذا، فيظن به التأويل والتعطيل.
٢ - استعماله لبعض الألفاظ التي قد تحتمل معنىً غير مقصده بل قد يفسرها البعض على حسب فهمه. فمثلًا: في مسألة الصورة قال: وليست له صورة تقال. وهذا لفظ مبهم، فيحمله المثبت على نفي الكيفية، ويحملها المعطل على نفي الصفة، كذلك قوله: (إذا لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف العلم موصوفًا، استحال أن يكن لم يزل بخلاف الكلام موصوفًا)، فإثباته لصفة الكلام كإثباته لصفة العلم.
_________________
(١) وليست مبنية في ترتيبها على الأهم فالأهم.
[ ٦٩ ]
قد يفهم منه أن الكلام أزلي كالعلم. فهذا الكلام حَمَّالُ أوجه، فقد يفهم منه من جعله من المثبتة أنه يحتج على المعتزلة بحجة عقلية فيما سبق، وهي: أنه طالما أثبت صفة العلم، فعليكم أن تثبتوا صفة الكلام، ولا يقصدُ من خلاله أن الصفتين سواء بسواء، كما قد يحمله من لا يراه من المثبتة أنه يقصد أن صفة الكلام قديمة كصفة العلم، وبأن الله غير متكلم متى شاء. فهذا الكلام الموهم منه - ﵀ - تكرر في غير موطن في كتابه الإبانة.
٣ - كما أن من الملاحظات أنه نفى صفة السكوت عن الله - ﷿ - مع ثبوتها حيث قال ﵀ في معرض كلام عن الكلام: (… لأن خلاف الكلام الذي لا يكون كلام إنما سكوت أو آفة) وصفة السكوت ثابت لله ﷿. كما صح في السنة النبوية الصحيحة؛ بل هي محل إجماع (^١). وهذه قد تحمل على نفيه السكوت الدائم ردًا على من نفوا أنه - عزل وجل - متكلم، وقد تحمل على المعنى المخالف لإجماع أهل السُنة، وهو نفي صفة السكوت، فعبارته حمّالة أوجه.
٤ - لم يسلك الإمام الأشعري في كتابه هذا ما سلكه علماء
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٦/ ١٧٩.
[ ٧٠ ]
عصره. من إيراد الأحاديث بالأسانيد، فلا تجد له في هذا الكتاب حديثًا مسندًا، وهذا مخالف لما سلكه مصنفو زمانه، وقد يعزى هذا؛ لأنه عاش مع المعتزلة غالب حياته، مما حرمه من الاستفادة من علماء الحديث. فخلى كتابه هذا وكتبه الأخرى المتداولة بيننا من هذه المزية.
٥ - اعتمد الأشعري في كتابه هذا على الأحاديث والآثار، وبعضها مصادرها ضعيفة، مع أن أصلها في الصحيحين، وإنك لتعجب من عدم نقله أو عزوه للصحيحين مع أن الأمة تلقتهما بالقبول في زمنه، بل إن الإمام مسلم - ﵀ - قد مات وعمر الأشعري سنة، وكتابه مع كتاب البخاري قد تلقاهما الناس بالقبول فلم ينقل منهما، وكان غالب نقله من كتب غير معروفة، بل لم ينقل من الكتب المعروفة إلا من كتابي الموطأ ومصنف بن أبي شيبة، أما الكتب الستة ومسند الإمام أحمد فلم ينقل منهما قط - مع توافرهما في زمنه، وإن كان غالب الأحاديث التي أوردها في كتابه هذا موجودة أصولها في هذه الكتب كما سبق أن بينت. ولعل في ذلك كالعلة التي قبلها، بأن ذلك عائد لعدم اتصاله بأهل الحديث، وعدم معرفته بدواوينه. ولعل هذه أبرز الملاحظات التي وجدتها،
[ ٧١ ]
وهي كما ذكرت ملاحظات لم تأخذ حيزًا مقارنة بحسنات الكتاب العظيمة. فقد غمرت هذه الملاحظات في بحر الحسنات.
[ ٧٢ ]