بعد محاولة استقراء وبذل جهد لم أجد من أثرت عليه الإبانة تأثيرًا واضحًا إلا البيهقي، بل ولم أجد من اتباع الأشعري المعروفين غيره من نص عليها، وغاية ما وجدت ما ذكره ابن كثير في طبقات الفقهاء الشافعيين بأن القاضي الباقلاني قام بشرحها (^١). وقد بذلت جهدًا بالحصول عليه ولم أجد له أثرًا لا مطبوعًا ولا مخطوطًا. ووجدت أن شيخ الإسلام - ﵀ - قد أثنى على الإمام أبي بكر الباقلاني وقال: هو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري؛ ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده. قال في (كتاب الإبانة) تصنيفه: فإن قال قائل: فما الدليل على أن لله وجهًا ويدًا؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا. وقال: فإن قال: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله! بل مستوٍ على عرشه كما أخبر في كتابه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾
_________________
(١) انظر طبق ات الفقهاء الشافعيين ١/ ١٩٩.
[ ١١٦ ]
[الملك ١٦] قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه، والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها؛ ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها مالم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا وإلى يميننا والى شمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله. وقال أيضًا في هذا الكتاب: صفات الله ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها: هي الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، والبقاء، والوجه والعينان واليدان، والغضب والرضا (^١). وقد نقل شيخ الإسلام - ﵀ - من هذا الكتاب في كثير من كتبه (^٢). كما نص على الإبانة للباقلاني الإمام ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية) وبين ﵀ - أن الأشعري أثبت لله في هذا الكتاب صفة الوجه واليدين والعينين (^٣). فهنا الإمام الباقلاني من المثبتة، بل وله كتاب أشهر من هذا الكتاب، وهو كتابه (التمهيد) الذي نقل منه شيخ الإسلام في الكثير من كتبه (^٤). ففي
_________________
(١) انظر الفتوى الحموية ص ٩٦ - ٩٧.
(٢) فنقل منه في تلبيس الجهمية ٤/ ٤٨٦ وفي الدرء ٣/ ٣٨٢، ٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧ والتسعينية ٣/ ٨٩٢.
(٣) انظر: (اجتماع الجيوش) ١٧٨.
(٤) انظر على سبيل المثال بيان التلبيس ٣/ ٤٧٤ - ٤٧٧ وفي الدرء ٣/ ٣٨٢، ٦/ ٢٠٦ وفي التسعينية ٣/ ٨٩٢ - ٨٩٥ وبالفتاوى ٣/ ٢٦٢ - ٧٢١ - ١٥٤ والحموية ص ٩٧.
[ ١١٧ ]
التمهيد يظهر للمطلع أن الباقلاني من المثبتة بالجملة، فهو لا يقتصر على الصفات السبع، كعامة من جاء من الأشاعرة بعد الأشعري. وقسم الصفات إلى صفات ذات، وصفات فعل، ويثبت الصفات الخبرية، كالوجه والدين والعينين، كما يثبت صفات العلو والاستواء لله تعالى - ويرد على اليدين يؤولون الاستواء بالاستيلاء (^١). وذكر جلال موسى بأن الباقلاني، استدل بنفس أدلة الأشعري في مسألة الاستواء - وبنفي أن يكون هو الاستيلاء، ثم قال: إن الباقلاني تابع شيخه بإثبات الاستواء بالأدلة السمعية من الكتاب والسنة (^٢).
_________________
(١) انظر التمهيد ٢٦ - ٢٩ - ٢٦١ - ٢٦٢ - ٢٦٣ وقد طبع التمهيد بطبعتين مختلفتين: إحداهما بتحقيق محمود الخضيري ومحمود أبو ريدة وقد تجنبا في تحقيقها على الكتاب وعلى شيخ الإسلام وتلميذه بأن شيخ الإسلام وتلميذه نسبا للباقلاني مالم يقله وتجنيًا على الكتاب بحذفهما منه ما نقله شيخا الإسلام رحمهما الله متبعين بذلك إمامهم الكوثري، وقد حقق الكتاب أحد النصاري وهو (مكارثي) من عدة نسخ خطية، وأثبت فيه ما ذكره الباقلاني، ونقله عنه شيخا الإسلام حيث حقق وطبع سنة ١٤٠٧ ونشرته مؤسسة الكتب الثقافية، وقد انتقد جلال موسى، وهو من مخالفي ابن تيمية ضيع المحققين. وقال بعد كلام طويل: إن المقارنة بين نص الباقلاني وبين ما نقله ابن تيمية وابن القيم عنه يؤكد لنا صحة النقل حَرْفِيًا، ودون أي تحيز. انظر: نشأة الأشعرية ص ٣٣١.
(٢) انظر نشأة الأشعرية ٣٣٠ - ٣٣١.
[ ١١٨ ]
والخلاصة أن مسألة تأثر الأشاعرة بالإبانة تأثرًا مباشرًا معلنًا عنه، فغير موجود بعد بحث واستقصاء بذلتُ فيه الجهد والطاقة إلا عند البيهقي وكفى به إمام، ولكن تأثيرها غير المباشر ومنهج مؤلفها فظاهر في عامة ما يذكره أبرز أتباعه، وهو القاضي أبو بكر الباقلاني ﵀، أما عامة أتباع الأشعري فهم يخالفون شيخهم في كثير من الأمور، فيؤولون صفات الأفعال ويؤول علو الله بأنه علو المكانة والقدر، وكونه بالسماء، فهو بمعنى القهر والتدبير (^١). ومن أولئك: ابن فُورك، حيث خالف شيخه في الكثير من المسائل، مما يؤكد عدم تأثره بها، أو أنه اطلع عليها فأعرض عنها، لأنه يميل إلى النفي في مسألة الاستواء ونحوها، فكان هواه في النفي يمنعه من تتبع ما جاء في الإثبات (^٢). ولم تختلف آراء عامة الأشاعرة، أو تخرج عما سلكه ابن فورك، مما يدل على عدم تأثيرها عليهم. ولذا أدعو عامة الأشاعرة إذا كانوا حقًا ينتسبون لهذا الإمام فعليهم أن يثبتوا ذلك بالاعتماد على آخر ما سَطَّر. أو يدعوا بالانتساب إليه ظلمًا وزورًا، بل وصل الحال ببعضهم إلى التجهُّم والاعتزال ولا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) انظر مشكل الحديث ص ٧٤ - ٨٥.
(٢) انظر بيان التلبيس ١/ ١٤٥ باختصار.
[ ١١٩ ]
القسم الثاني
ويشمل
١ - الطبعات السابقة للكتاب.
٢ - وصف النسخ الخطية.
٣ - النص المحقق.
[ ١٢١ ]