هناك من جعل هدف الأشعري في التأليف وقاية من الحنابلة، ومجاملة لهم، وأول من قال بهذه العبارة، هو عدو الأشعري الأهوازي (١) ثم تلقفها بعض المستشرقين حيث قال ماكدونالدز: - إن الأشعري اضطر إلى كتابة الإبانة وهو لا يؤمن بما فيها وذلك على سبيل التقية من الحنابلة، أصحاب النفوذ في بغداد في أخريات أيامه (٢). وتلقف هذه الشبهة والإفك المبين بعض الأشاعرة، فحمودة غرابة مثلًا نقل كلام ماكدونالدز ثم عقب بعده بقوله: ولعل ما يشهد لذلك قول بعضهم: - إن الأشاعرة قد جعلوا الإبانة من الحنابلة وقاية، ولكن السادة السلفية لا يرضيهم هذا التعليل (٣).
ومستند هؤلاء القصة التى ذكرت للأشعري مع البربهاري شيخ الحنابلة في بغداد أن الأشعري لما قدم بغداد جاء إلى أبي محمد البربهاري، فجعل يقول: - رددت على الجبائي، رددت على المجوس، رددت على النصارى. فقال أبو محمد: لا أدرى ما تقول! ولا نعرف إلا ما قاله الإمام أحمد. فخرج وصنف الإبانة، فلم يقبل منه (٤)، ويضاف إلى هذا رد شيخ الإسلام ابن
_________________
(١) انظر التبيين ص ١٨٨.
(٢) انظر القضاء والقدر ٢/ ٣١٦.
(٣) انظر كتاب اللمع بتصحيح حمودة غرابة ص ٧.
(٤) انظر سير أعلام النبلاء ١٥/ ٩٠، وطبقات الحنابلة ٢/ ١٨، والوافي ١٢/ ٢٤٦، وتبين كذب المفترى ٣٩٠، ٣٩١. وقد ضعف ابن عساكر هذه القصة حيث قال: وأدل على بطلانها قوله: أنه لم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها، وهو بعد إذ صار إليها لم يفارقها ولا رحل عنها فإن بها كانت منيته وفيها قبره وتربته انظر التبيين ص ٣٩١ وقال الشيخ المحمود: إن ابن عساكر أنكر القصة ولم ينكر تأخر الإبانة انظر موقف ابن تيمية ١/ ٣٨٢. قلت: وهو الظاهر من كلامه والله أعلم.
[ ١٠٢ ]
تيمية - ﵀ - حيث قال: والأشعري ابتلي بطائفتين: طائفة تبغضه وطائفة تحبه، كل منهما يكذب عليه ويقول: إنما صنف هذه الكتب تقية وإظهار الموافقة أهل الحديث والسنة من الحنبلية وغيرهم وهذا كذب على الرجل، فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف الأقوال التي أظهرها، ولا نقل أحد من خواص أصحابه، ولا غيرهم عنه ما يناقض هذه الأقوال الموجودة في مصنفاته، فدعوى المدعي أنه كان يبطن خلاف ما يظهر دعوي مردودة شرعا وعقلا، بل من تدبر كلامه في هذا الباب - في مواقع - تبين له قطعة أنه كان ينصر ما أظهره، ولكن الذين يحبونه ويخالفونه في إثبات الصفات الخبرية يقصدون نفي ذلك عنه، لئلا يقال إنهم خالفوه، مع كون ماذهبوا إليه من السنة، قد اقتدوا فيه بحجته التي على ذكرها يعولون، وعليها يعتمدون (١). والحافظ ابن عساكر (٢) ما يلي:
أ- إن الإنسان لا يمكنه أن يتخلى عن عقيدته وأن يؤلف كتابا يضاد عقيدته، مع أنه على زعمهم لا يعتقد بصحة ما فيه، خاصة وقد كبرت
_________________
(١) انظر: ص ٢٢٧.
(٢) انظر: ص ١٦٩.
(٣) انظر: التيسير ص ٣٣٨.
[ ١٠٣ ]
سنه وهو في آخر أيام حياته. وفي هذا قدح به واتهام له بأنه منافق.
ب - لم يعرف عن الأشعري الجبن والخوف، وقد مكث معتزليًا عشرات السنين، ولم يؤلف في تلك الفترة ما يخالف الفكر المعتزلي. تقيةً من الحنابلة، مع أنهم في فترة كونه معتزليًا كانوا في أوج مكانتهم - أي الحنابلة ـ، فكيف يقال أنه ألف هذا الكتاب وقاية منهم - أي الحنابلة ـ؟ وفي هذا قدح في أبي الحسن، وبأنه منافق وإلا فمن يثبت بأن بينه وبين الحنابلة عداوة؛ بل هو أثبت في الإبانة وفي المقالات بأنه تابع للإمام أحمد ﵀ فلو كان منافقًا لما كرر الكلام في كثير من المواطن، فلقد كان يكفيه أن يقول ذلك مرة واحدة، ويعلن الانتساب دون نصر المذهب.
جـ - ثبات الأشعري على الاعتزال عشرات السنين في وقت ضعفت فيه مكانة المعتزلة دليل على أن الرجل لا ينافق ولا يمالئ ولا يخادع. وهذه حجة ينقطع دونها كلام الحاقدين على الرجل الطاعنين في دينه.
د - لم ينقل هذا الخبر عن أحد مِنْ أتباع الأشعري، وإنما روج له أحد خصومه الذين انبرى لهم أحد الأشاعرة الذين لا يشك أحد بأشعريتهم، وهو الحافظ ابن عساكر (^١) فلو كان ما قاله صحيحًا لأقره ابن عساكر أو سكت عنه أو على الأقل لم يرد على هذه الفرية.
_________________
(١) انظر التبيين، ص: ٣٨٨.
[ ١٠٤ ]
هـ - أن الذين نقلوا هذه الفِرية أظهروا أن الحنابلة لم يقبلوا من الأشعري حتى كتابه الإبانة، كما أظهروا أن البربهاري لم يقبله منه، ولذا قال الذهبي: - فقيل (^١): وهذه دلالة على شكه في أصل القصة، فهذه القصة فيما يظهر غير ثابتة.
و- أظهر مروجو فرية أن الحنابلة كانوا مستبدين، الحنابلة بغير صورتهم الحقيقية، فقد أظهروا أهل العلم والفضل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعقيدة السلفية الصافية بما ليس واقعًا، ولو كان الأمر كما ذكروا لكانت محاربة المعتزلة، بل ومحاربة من هم أشر من المعتزلة، كالرافضة والخوارج أولى عند الحنابلة، ولوجدنا أتباع تلك المذاهب يتقربون إليهم ويتزلفون. ويؤلفون الكتب التي تناقض مذاهبهم قربة وتقية ووقاية من الحنابلة وهذا لم يحدث، ولكن أصحاب الكذب البارد، وأصحاب الإفك والبهتان لا يتوقفون عن إفكهم وبهتانهم ولا يتوقفون عن كذبهم.
ز - إن الحقائق التاريخية، لم تظهر أو تعلن مثل هذه الأسباب، ولم تذكر عن الحنابلة مثل هذه المكانة عند الحاكم. بل إن من أعظم المؤكدات على هذه الفرية أن شيخ الحنابلة في ذلك الوقت، والذي قيل بأن الأشعري قد ألفه وقاية منه ومجاملة له، تعرض للابتلاءات والمحن، فلم يعش ﵀
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء ١٥/ ٩٠.
[ ١٠٥ ]
قريبًا من السلطة كما يزعمون، ومؤثرًا على الحاكم كما يدعون، بل لوحق وتوبع، وهاهي كتب التاريخ تشهد بذلك وتنطق. ومن ذلك ما ذكر الذهبي وغيره. أنه كان للبربهاري مجاهدات ومقامات في الدين وكان المخالفون يغلظون قلب السلطان عليه، ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة أراد السلطان حبسه، فاختفى. وأُخذ كبار أصحابه، وحُملوا إلى البصرة فعاقب الله الوزير وأعاد الله البربهاري إلى حشمته، وكثر أصحابه، فبلغنا أنه اجتاز بالجانب الغربي فعطس فشمته أصحابه، فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة فأُخبر بالحال فاستهولها، ثم لم تزل المبتدعة تُوحِّشُ قلب الراضي حتى نودي في بغداد: لا يجتمع اثنان من أصحاب البربهاري، فاختفى حتى مات. ودفن بدار اخته توزون فقيل إنه لما كفن وعنده الخادم صلى عليه وحده، فنظرت هي من الروشن فرأت البيت مُلِئَ رجالًا في ثياب بيض يصلون عليه فخافت وطلبت الخادم، فحلف أن الباب لم يفتح (^١). فهل هذا الشيخ الجليل المهيب الذي لا ينجو من أذى حاكم إلا ويتلقاه حاكم آخر يصور بأن له هذه المكانة وهذه الحظوة التي تجعل رجلًا بمكانة الإمام الأشعري يُغَيِّرُ عقيدته من أجله؟! فأصحاب هذا الباطل يروحون لمثل هذه الأكاذيب لأهداف خبيثة من أجل أن يكذبوا على الناس بقولهم إن التجهم والاعتزال لم يقمع ولم يحذر مه وينهى عنه
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء ١٥/ ٩١، ٩٢ والمنتظم ١٤/ ١٤، وشذرات الذهب ٤/ ١٥٨.
[ ١٠٦ ]
إلا لخلافات سياسية وليس لأنه مضاد للدين، كذلك يسعون لزرع الكره في قلوب العامة والخاصة لأهل الاعتقاد السليم، وإظهارهم بصورة الاستبداد، ولكن ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (^١). وأقول: إنه الحق، ولا شيء غير الحق، الذي آمن به الأشعري واعتقده والهداية من الله هي التي دفعت الإمام الأشعري ﵀ لتأليف هذا الكتاب، ولم يكن للحنابلة ولا للحكام وِصَاية على الأشعري ولا إكراه حتى يؤلف ما لا يعتقد.
_________________
(١) سورة الأنفال، آية: ٣٠.
[ ١٠٧ ]