ولكن مع وجود هذا الكم الهائل من المثبتين، إلا أنه وجد من شكك في الكتاب من خلال أقوال عدة:
القول الأول: هناك من شكك في المطبوعات وليس في أصل الكتاب، فهو يقر بأن الأشعري ألف الإبانة، ولكن ما طبع من الإبانة فهو محل نظر عنده، ويمثل هذا التيار الكوثري، حيث قال: إن النسخة المطبوعة في الهند نسخة مصحفة محرفة، تلاعبت بها الأيادي الآثمة، فتجب إعادة طبعها من أصل وثيق (١). قلت: وإن كان يقر على وجود بعض الأخطاء والتصحيف في طبعة الهند، أيُوافق على أنها أخطاء، لكنها لا تتعدى تصحيفًا في النقل أو أخطاء مطبعية، لا تصل بحال من الأحوال أن تكون متعمدة من أجل تغيير الموضوع؟ ولعل نشأة التشكيك عنده لأن هذا الكتاب الذي سلك فيه مؤلفه منهج السلف الصالح في الإثبات مخالفًا لما عليه الكوثري في النفي والتعطيل والتأويل والتجهم.
القول الثاني: هناك من شكك في أصل الإبانة، وكان منشأه فهمًا خاطئًا، فأظهر التناقض. ويمثل هذا التيار: عبد الرحمن بدوي، حيث قال: إننا نشكك كثيرا في صحة نسبة الإبانة (٢). ولم يبين سببًا مقنعًا للشك؛ بل إنه أظهر التناقض
_________________
(١) انظر تعليقه على تبيين كذب المفتري ص ٣٥ هامش ١.
(٢) انظر ص ٥٣٣، مذاهب الإسلاميين.
[ ٣٩ ]
العجيب، فهو يقول:
أ- إننا لم نجده في الإثباتات الثلاثة، ويقصد هنا: ما أورده الأشعري في العمد، وما ذكره ابن فورك في أسامي كتب الأشعري، وما استدركه ابن عساكر عليه. ثم أعلن استغرابه عندما ذكر مكانة الكتاب عند الأشاعرة، وأن الصابوني ﵀ - ما كان يخرج للدرس إلا والكتاب معه. ثم أزال الإشكال بنفسه عندما قال: إن ابن عساكر يعرف بأن كتاب الإبانة للأشعري، وإن عدم وروده كان بسبب خطأ من الناسخ.
ب- ثم أثار مشكلة ثانية: وهي أن ابن النديم لم يورده في أسامي كتب الأشعري، مع أنه يعلم أن ابن النديم، لم يكن هدفه استقصاء كتب الأشعري، ولذا اكتفى بذكر خمسة كتب، مع أن بدوي ذكر العشرات منها، ولم يذكرها ابن النديم في كتابه، فلماذا انحصر شكه في الإبانة فقط؟! ثم قدم البدوي خدمة جليلة لمثبتي الإبانة من حيث يدري أو لا يدري، عندما قال: إن ابن النديم ذكر من أسماء كتب الأشعري كتابًا بعنوان: التبيين عن أصول الدين. وهو عنوان لم يورده الأشعري في العمد ولا ابن فورك ولا ابن عساكر، فمن المحتمل أن يكون هو نفسه الإبانة عن أصول الديانة خاصة وأن التشابه شبه تام بين العنوانين (^٢). وأنا أؤيده في هذا القول لأنه ليس هناك ما يمنع أن يكون ابن النديم عبر عن اسم الكتاب، بمضمونه لا بعنوانه الأصلي. فهذا محتمل قريب جدًا.
_________________
(١) انظر مذاهب الإسلاميين ص ٥١٧.
[ ٤٠ ]
جـ- أعلن بدوي تناقضه التام عندما قال: إن ابن عساكر يقول: إن أصحاب الأشعري جعلوا الإبانة من الحنابلة وقاية (^١). فوقع بدوي في خطأين:
الخطأ الأول: أنه أقر بأن الإبانة للأشعري وبأنها من الحنابلة وقاية، فلماذا يشك بعد ذلك بالمطبوع من الإبانة بالهند؟! فلو شك في هدف تأليف الكتاب لكان مقبولًا منه على حسب هذا الفهم الخاطئ، ولكنه شك في أصل الكتاب وهذا تناقض بلا ريب.
الخطأ الثاني: أن عبارة أن الإبانة كان وقاية من الحنابلة قالها الأهوازي، طعنًا بالأشعري، وألف ابن عساكر التبيين ردًا عليه، إذًا، فقائل العبارة الأهوازي. خصم الأشعري وعدوه. وليس ابن عساكر، ولذا رد ابن عساكر هذه المثلبة فقال رادًا على الأهوازي بقوله: «وقوله - أي الأهوازي ـ، لا أحسن الله له رعاية: إن أصحاب الأشعري جعلوا الإبانة من الحنابلة وقاية هي من جملة أقواله الفاسدة وتقولاته المستبعدة الباردة، بل هم يعتقدون ما فيها أشد اعتقاد، ويعتمدون عليها أشد اعتماد (^٢)، ثم شرع بالثناء عليها - الإبانة - ثم أورد قصة الصابوني بأنه ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا وبيده كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري ويظهر الإعجاب به (^٣)، فهل ابن عساكر هو القائل؟! أم الأهوازي المفتري؟! فليت بدوي دقق وتأمل قبل أن يتسرع في الحكم!
_________________
(١) انظر تبيين كذب المفتري ٣٨٨.
(٢) انظر تبيين كذب المفتري ص ٣٨٨.
(٣) انظر تبيين كذب المفتري ٣٨٩.
[ ٤١ ]