١ - قال الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ يعني مشرقة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (^٢) يعني رائية. وليس يخلو النظر من وجوه نحن ذاكروها:
أ - إما أن يكون الله ﷿ عني نظر الاعتبار، لقوله تعالى (^٣): ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ (^٤).
ب- أو يكون عني نظر الانتظار لقوله (^٥): ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (^٦).
ج-[أو يكون عنى نظر [التعطف كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٧) (^٨).
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب. د. هـ. و.
(٢) سورة القيامة، الآيتان: [٢٢ - ٢٣].
(٣) في. و. كقوله تعالى.
(٤) سورة الغاشية، آية: [١٧].
(٥) في: و. كقوله.
(٦) سورة يس، جزء من آية: [٤٩].
(٧) سورة آل عمران، جزء من آية: [٧٧].
(٨) ما بين القوسين زيادة من. د.
[ ٢٧٦ ]
د - أو يكون عَنىَ نظر الرؤية. فلا يجوز أن يكون الله عز جل عنى نظر التفكر والاعتبار، لأن الآخرة ليست بدار الاعتبار (^١). ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار، لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه، فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، كما إذا ذكر أهل اللسان نظر القلب، فقالوا: انظر في هذا الأمر بقلبك، لم يكن معناه نظر العينين، وكذلك إذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار (الذي بالقلب وأيضًا فإن نظر الانتظار لا يكون في الجنة، لأن الانتظار معه) (^٢) تبعيض وتكدير، وأهل الجنة لهم (^٣) «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت» (^٤)، من العيش السليم والنعيم المقيم. وإذا
_________________
(١) في ب. د. و. اعتبار.
(٢) ما بين القوسين ساقط من و.
(٣) ساقط من و، ب، د.
(٤) إشارة منه للحديث المتفق عليه ونصه: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: " قال رسول الله ﷺ: " قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". فاقرأوا إن شئتم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرت أعين﴾ أخرجه البخاري ك: بدء الخلق، ب: ما جاء في صفة الجنة، وأنها مخلوقة (٣٢٤٤)، ك: التفسير، ب: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ (٤٧٧٩، ٤٧٨٠)، ك: التوحيد، ب: قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدِّلوا كلام الله﴾ (٧٤٩٨)، ومسلم ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٢٤، ٢٨٢٥).
[ ٢٧٧ ]
كان هذا [هكذا] (^١)، لم يجز أن يكونوا منتظرين، لأنهم كلما خطر ببالهم [شيء] (^٢) أتوا به مع خطوره ببالهم. وإذا كان ذلك كذلك، فلا يجوز أن يكون الله ﷿ أراد نظر المنعطف (^٣) لأن الخلق لا يجوز أن يعطفها (^٤) على خالقهم. وإذا فسدت الأقسام الثلاثة، صح القسم الرابع من أقسام النظر. وهذا (^٥) معنى [قوله] (^٦): ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (^٧) أنها [رائية] (^٨) ترى ربها ﷿. ومما يبطل (^٩) قول المعتزلة: أن الله ﷿ أراد بقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ نظر الانتظار، لأنه (^١٠) قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ونظر الانتظار لا يكون مقرونًا بقوله إلى لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب، و، د.
(٢) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٣) في ب. د. والتعطف.
(٤) في ب. و. د. يتعطفوا.
(٥) وفي. ب، د، و. وهو أن
(٦) ما بين القوسين تصحيحٌ من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة (أ) قولهم. وهذا خطأ بين.
(٧) سورة القيامة، آية: [٢٣].
(٨) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» رؤيا وهذا خطأ واضح.
(٩) في ب، تبطل
(١٠) في ب، أنه
[ ٢٧٨ ]
إلى. ألا ترى أن الله ﷿ لما قال: مَا ﴿يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (^١) لم يقل إلى، إذ كان معناه الانتظار. وقال عن بلقيس (^٢): ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (^٣) فلما أرادت الانتظار لم تقل (^٤) إلى. وقال امرؤ القيس (^٥) شعرًا (^٦):
_________________
(١) سورة يس، جزء من الآية: [٤٩].
(٢) بلقيس: وقيل: يلمقة بنت الهدهاد بن شرحبيل من بني يعفر بن سكسك من حمير ملكة سبأ، يمانية من أهل مأرب، أشير إليها في القرآن الكريم، ولم يسمها، وليت بعهد من أبيها أمر اليمن كله، وظهر سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، وآمن اليمانيون بدعوته إلى الله وكانوا يعبدون الشمس، وأسلمت: وتزوجها سليمان - ﵇ -، وأقامت معه سبع سنين وأشهرًا وتوفيت فدفنها بتدمر انظر: «تاريخ الطبري» (١/ ٤٨٩)، و«البداية والنهاية» (٢/ ٢١ - ٢٤)، و«الأعلام» للزركلي (٢/ ٧٣، ٧٤).
(٣) سورة النمل، آية: [٣٥].
(٤) في و، يقل.
(٥) امرؤ القيس بن حُجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار، الكندي أبو يزيد ويقال: أبو وهب ويقال: أبو الحارث. أشهر شعراء العرب على الإطلاق، يماني الأصل مولده بنجد أو بمخلاف السكاسك باليمن. اشتهر بلقبه واختلف المؤرخون في اسمه، فقيل: حندج وقيل: مليكة وقيل: عدي. مات في أنقرة. وقد جمع بعض ما ينسب إليه من الشعر في ديوان صغير. انظر: «طبقات فحول الشعراء» لابن سلام (١/ ٥١)، و«تاريخ دمشق» (٩/ ١٦٧)، و«الأعلام للزركلي» (٢/ ١١).
(٦) ساقط من ب. د. و.
[ ٢٧٩ ]
[فَإنكُمَا] (^١) إن تَنْظُرَاني (^٢) سَاعَةً … مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعِني لَدَى أُمَ جُنْدُبِ (^٣) فلما أراد الانتظار لم يقل: إلى. فلما قال الله (^٤) ﷿: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ علمنا أنه لم يرد الانتظار، وإنما أراد نظر الرؤية.
٣ - ولما قرن النظر بذكر الوجه وقرن الله - ﷿- النظر بذكر الوجه أراد نظر العينين اللتين في الوجه كما قال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (^٥) فذكر الوجه، وإنما أراد تقلب عينيه نحو السماء ينتظر نزول الملك عليه (^٦) [يصرف] (^٧) الله تعالى (^٨) [له] (^٩) عن قبلة بيت المقدس إلى القبلة (^١٠).
_________________
(١) التصحيح من الديوان ونسخة د وفي باقي النسخ فإيّكُمَا، والصحيح ما أثبته.
(٢) في. جـ. ينظروا إلى. وفي. ب. ينظر إلى.
(٣) انظر ديوان امرئ القيس ص ٦٤.
(٤) ساقط من باقي النسخ.
(٥) سورة البقرة، جزء من الآية: [١٤٤].
(٦) ما بين القوسين تصحيح من ب. د. و. وفي باقي النسخ على وهو خطأ بين.
(٧) ما بين القوسين تصحيح من ب. د. و. وفي باقي النسخ. تعرف. وهذا خطأ بين.
(٨) ساقط من ب. د. و.
(٩) ما بين القوسين زيادة من ب، د. و.
(١٠) إشارة منه لقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾
[ ٢٨٠ ]
٤ - فإن قال قائل: لم لا قلتم إن قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [إنما أراد إلى ثواب ربها ناظرة؟ قيل له: ثواب الله ﷿ غيره، والله تعالى قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾] (^١) ولم يقل: إلى غيره ناظرة، والقرآن على ظاهره، وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا لحجة وإلا فهو على ظاهره. ألا ترى أن الله ﷿ لما قال: صَلُّوا لي واعبدوني لم يجز أن يقول قائل: إنه أراد غيره، ويزيل الكلام عن ظاهره، فكذلك (^٢) لما قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ لم يجز لنا أن نزيل (^٣) القرآن عن ظاهره بغير حجة (^٤).
٥ - ثم يقال للمعتزلة: إن جاز لكم أن تزعموا أن قول الله ﷿ ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ إنما أراد به أنها إلى غيره ناظرة. فلم لا جاز لغيركم أن قول الله -﷿- ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (^٥) أراد بها لا تدركه (^٦) غيره ولم يرد أنها لا تدركه؟ وهذا ما لا يقدرون على الفرق فيه.
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب، د
(٢) في ب، د، فلذلك.
(٣) في. و. تأويله.
(٤) ساقط من. د.
(٥) سورة الأنعام، جزء من الآية: [١٠٣].
(٦) في ب. لا تدرك. وفي. ج. لا تدركها.
[ ٢٨١ ]
٦ - ودليل آخر: ومما يدل على أن الله تعالى يُرى بالأبصار قول موسى ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (^١) ولا يجوز أن يكون موسى ﵇ قد ألبسه الله تعالى جلباب النبيين، وعصمه بما عصم به المرسلين، فسأل ربه ما يستحيل عليه.
- وإذا لم يجز ذلك على موسى فقد علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلًا، وأن الرؤية جائزةٌ على ربنا ﷿. ولو كانت الرؤية مستحيلة على ربنا كما زعمت المعتزلة ولم يعلم ذلك موسى ﵇، وعلموا هم، لكانوا على قولهم أعلم بالله من موسى ﵇، وهذا ما لا يدعيه المسلمون (^٢).
٧ - فإن قال قائل (^٣). ألستم تعلمون حكم الله في الظهار (^٤) (^٥) اليوم؟ ولم يكن نبي الله ﵇ يعلم ذلك قبل أن ينزل؟
_________________
(١) سورة الأعراف، جزء من الآية: [١٤٣].
(٢) في ب، د. و. مسلم
(٣) ساقط من. جـ.
(٤) إشارةً منه إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ آية ٢ من سورة المجادلة.
(٥) في. جـ. ظهار.
[ ٢٨٢ ]
قيل له: لم يكن يعلم نبي الله ﵇ (^١) [ذلك] (^٢) قبل أن يلزم الله العباد حكم الظهار، فلما لزمهم الحكم [به] (^٣) أعلم نبيه قبلهم، ثم أعلم نبي الله عباد الله ذلك. ولم يأت عليه وقت لزمه حكمه، فلم يعلم ﵇، وأنتم زعمتم أن موسى ﵇ كان قد لزمه أن يعلم حكم الرؤية، وأنها مستحيلة عليه.
وإذا لم يعلم ذلك وقت لزومه وعلمه وعلمتوه أنتم الآن، لزمكم بجهلكم، أنكم بما لزمكم العلم به بيان أعلم من موسى ﵇ بما لزمه العلم به، وهذا خروج عن دين المسلمين.
٨ - دليل آخر: مما يدل على جواز رؤية الله تعالى بالأبصار قول الله تعالى لموسى: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ (^٤). فلما كان الله ﷿ قادرًا على أن يجعل الجبل مستقرًا، كان قادرًا على أمر (^٥) الذي لو فعله لرآه موسى، فدل ذلك على أن الله -تعالى- قادر على أن يُري عباده نفسه، وأنه جائز رؤيته.
_________________
(١) في. ب. د. ﷺ
(٢) ما بين القوسين زيادة من. ب. د
(٣) ما بين القوسين زيادة من ب، د، هـ.
(٤) سورة الأعراف، جزء من الآية: [١٤٣].
(٥) في ب. د. و. الأمر.
[ ٢٨٣ ]
٩ - فإن قال قائل: فلم لا قلتم إن قول الله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ تبعيد للرؤية (^١)؟
قيل له: لو أراد الله ﷿ تبعيد الرؤية لقرن الكلام بما يستحيل وقوعه، ولم يقرنه (^٢) بما يجوز وقوعه، فلما قرنه (^٣) باستقرار الجبل، وذلك أمر مقدور (^٤) لله سبحانه، دل ذلك على أنه جائز أن يُري الله تعالى (^٥) (^٦). ألا ترى أن الخنساء (^٧) لما أرادت تبعيد صُلْحها لمن كان حربًا لأخيها
_________________
(١) في ب، الرؤية
(٢) في ب، يقويه
(٣) ساقط من. و.
(٤) في جـ، هـ: بقدر
(٥) في ب. د. و. ﷿.
(٦) ومن أول الباب إلى هذا الجزء نقله الإمام البيهقي في كتابه الاعتقاد وهذا دليل قوي على تأثره بالإبانة. انظر ص ٢١٥ - ٢١٨، (باب القول في إثبات رؤية الله ﷿ في الأمر).
(٧) الخنساء: هي تماضر بنت عمرو بن الشريد الشاعرة السلمية، وإنما الخنساء لقب غلب عليها، قدمت على النبي -ﷺ- مع قومها من بني سليم فأسلمت معهم، قال ابن عبد البر: «أجمع أهل العلم بالشعر أنه لم يكن امرأة قط قبلها ولا بعدها أشعر منها»، وكانت في أول أمرها تقول البيتين والثلاثة فلما قُتِلَ أخواها صخر ومعاوية أكثرت من الشعر وأجادت. توفيت الخنساء في خلافة معاوية بن أبي سفيان. انظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر بحاشية الإصابة (٤/ ٢٩٥)، و«الإصابة» (٤/ ٢٨٧)، و«الدر المنثور في طبقات ربات الخدور» (١٠٩)، و«الأعلام» للزركلي (٢/ ٨٦).
[ ٢٨٤ ]
قرنت الكلام بأمر مستحيل، فقالت.
وَلَا أصَالِحُ قوْمًا كُنْتَ حَرْبَهُمُ حَتى يعودَ بَيَاضًا حُلَكَةُ القَارِ (^١) (^٢)
والله ﷿ إنما خاطب العرب بلغتها، وما نجده مفهومًا في كلامها، ومعقولًا في خطابها. فلما قرن الرؤية بأمر مقدور جائز، علمنا أن رؤية الله بالأبصار جائزة غير مستحيلة.
١٠ - ودليل آخر: قال ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^٣). قال أهل التأويل: النظر إلى الله تعالى ولم يُنْعم الله ﷿ على أهل جنانه (^٤) بأفضل من نظرهم إليه ورؤيتهم له. وقال ﷿: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (^٥) قيل: النظر إلى الله ﷿. وقال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ (^٦) وإذا لقيه المؤمنون رأوه. وقال الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (^٧)
_________________
(١) في ب، هـ، حتى يعود بها صالحًا لإنقيادًا.
(٢) انظر: ديوان الخنساء ص ٥٤ وفيها ولا أسالم بدل ولا أصالح. ومعنى قوله: حلكة القار: أي سواده، والقار يطلى به البعير الأجرب لمداواته. انظر: ديوان الخنساء ص ٥٤.
(٣) سورة يونس، جزء من آية: [٢٦].
(٤) في د. الجنة.
(٥) سورة ق، جزء من آية: [٣٥].
(٦) سورة الأحزاب، جزء من آية: [٤٤].
(٧) سورة المطففين، جزء من آية: [١٥].
[ ٢٨٥ ]
فحجبهم عن رؤيته ولا يحجب عنها المؤمنون.
١١ - سؤال: فإن قال قائل: فما معنى قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؟ (^١).
أ- قيل له: يحتمل أن يكون: لا تدركه في الدنيا وتدركه في الآخرة، لأن رؤية الله تعالى أفضل اللذات، [وأفضل اللذات] (^٢) يكون في أفضل الدارين.
ب- ويحتمل أن يكون الله ﷿ أراد بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يعني لا تدركه أبصار الكافرين المكذبين، وذلك أن الكتاب (^٣) يُصَدِّق بعضه بعضًا، فلما قال في آية: إن الوجوه تنظر (^٤) إليه يوم القيامة وقال في آية أخرى: إن الأبصار لا تدركه علمنا أنه إنما أراد أبصار الكفار لا تدركه (^٥).
_________________
(١) سورة الأنعام، آية: [١٠٣].
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب، و.
(٣) في ب. د. وكتاب الله.
(٤) في ب، ينظر
(٥) جوابان ضعيفان من وجهة نظري وأشار إلى الجواب الصحيح في ثنايا مناقشته للمعتزلة في ص ٥٠١، وأصح لو قال لاتدركه بمعنى لا تحيط به كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ فقد نفى الإدراك مع وجود الرؤيا.
[ ٢٨٦ ]
١٢ - [مسألة] (^١) والجواب عنها: فإن قال قائل: قد استكبر (^٢) الله سؤال السائلين له أن يُرى بالأبصار، فقال: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (^٣).
فيقال [لهم] (^٤) إن بني إسرائيل سألوا رؤية الله ﷿ على طريق الإنكار لنبوة موسى وترك الإيمان [به] (^٥) حتى يروا (^٦) الله، لأنهم قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (^٧). فلما سألوه الرؤية عن طريق ترك الإيمان بموسى ﵇ حتى يريهم الله نفسه؛ استعظم الله سؤالهم من غير أن تكون الرؤية مستحيلة عليه، كما استعظم الله سؤال أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتابًا من السماء من غير أن يكون ذلك مستحيلًا. ولكن لأنهم أبوا أن يؤمنوا بنبي الله حتى ينزل عليهم كتابًا من السماء (^٨).
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من. د.
(٢) في د، استكثر
(٣) سورة النساء، آية: [١٥٣].
(٤) ما بين القوسين زيادة من ب، و
(٥) ما بين القوسين زيادة من ب، د، و
(٦) في ب، يرى
(٧) سورة البقرة، جزء من الآية: [٥٥].
(٨) في ب، حتى ينزل عليهم من السماء كتابًا
[ ٢٨٧ ]
١٣ - دليل آخر: وما يدل على رؤية الله ﷿ بالأبصار. ما روته الجماعات من الجهات المختلفات عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته» (^١). والرؤية إذا أطلقت إطلاقًا ومُثِّلتْ برؤية العيان، لم يكن معناها إلا رؤية العيان.
١٤ - ورويت الرؤية عن رسول الله (^٢) -ﷺ- من طرق مختلفة، [عديدة] (^٣) رواتها أكثر من عدة خبر الرجم (^٤)، ومن عدة من روى أن النبي ﵌ قال: «لا وصية لوارث (^٥)»، ومن عدة رواة
_________________
(١) متفق عليه وقد سبق تخريجه برقم (٢١) حديث أبي هريرة.
(٢) في جـ، النبي
(٣) ما بين القوسين زيادة من جـ، هـ.
(٤) ويقصد بخبر الرجم خبر رجم ماعز الأسلمي والجهنية - ﵄ - كما في «الصحيحين» البخاري ك: الحدود، ب: هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت حديث رقم (٦٨٢٤) وب: رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت حديث (٦٨٣٠)، ومسلم ك: الحدود، ب: من اعترف على نفسه بالزنى حديث رقم (١٦٩١ - ١٦٩٣ - ١٦٩٥ - ١٦٩٦).
(٥) صحيح: أخرجه أحمد برقم (١٧٦٦٣) (٢٩/ ٢١٠)، والترمذي ك: الوصايا، ب: لا وصية لوارث (٢١٢٠) و(٢١٢١) وأبو داود ك: الوصايا، ب: ما جاء في الوصية للوارث (٢٨٧٠)، وفي ك: الإجارة، ب: في تضمين العارية (٣٥٦٥)، والنسائي ك: الوصايا، ب: إبطال الوصية للوارث (٦/ ٢٤٧)، وابن ماجه ك: الوصايا، ب: لا وصية لوارث (٢٧١٢)، (٢٧١٣) (٢٧١٤)،، والشافعي في =
[ ٢٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = = «مسنده» (٢/ ٤١٧) حديث رقم (٦٧٧)، قال الشافعي -﵀-: «ووجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنه من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم-: لا يختلفون في أن النبي -ﷺ- قال عام الفتح: «لا وصية لوارث، ولا يقتل مؤمن بكافر». وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجمعين. قال: وروى بعض الشاميين حديثا ليس مما يثبته أهل الحديث فيه أن بعض رجاله= = مجهولون، فرويناه عن النبي -ﷺ- منقطعا. وإنما قبلناه بما وصفت من نقل أهل المغازي وإجماع العامة عليه». «الرسالة» (١٣٩، ١٤٠). قال ابن التركماني بعد أن ذكر قول الشافعي-: ظهر بهذا أن هذا هو الحديث الذي عناه الشافعي بقوله: وروى بعض الشاميين حديثا .. إلى آخره، قد ذكرناه من ثلاثة أوجه كلها قوية» اهـ. «الجوهر النقي» (٦/ ٢٦٤، ٢٦٥). وقال الحافظ ابن حجر في حديث أبي أمامة: «هو حديث حسن الإسناد». «التلخيص الحبير» (٣/ ٩٢)، وانظر كلامه على تواتر الحديث كما في فتح الباري (٥/ ٣٧٢). وقال البوصيري في حديث أنس: «هذا إسناد صحيح». «مصباح الزجاجة» (٢/ ٣٦٨). وكذلك ابن حزم كما في المحلى (١٠/ ٤٢٥). وقال ابن عبد البر: «استفاض عند أهل العلم قوله -ﷺ-: «لا يقاد بالولد الوالد» وقوله: «لا وصية لوارث» استفاضة هي أقوى من الإسناد». «التمهيد» (٢٣/ ٤٤٢). وقال أيضًا: «أجمع العلماء على القول بأن لا وصية لوارث، وعلى العمل بذلك قطعًا منهم على صحة هذا الحديث، وتلقيًا منهم له بالقبول، فسقط الكلام في إسناده». «الاستذكار» (٧/ ٢٦٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره للحديث: «فإن هذا مما تلقته الأمة بالقبول والعمل بموجبه». «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٤٩). وقد ذكر الشيخ الألباني -﵀- تحقيقًا علميًّا رصينًا، وتخريجًا موسَّعًا لهذا الحديث، وقال في آخره: «وخلاصة القول أن الحديث صحيح لا شك فيه، بل هو متواتر، انظر «إرواء الغليل» (٦/ ٨٧ - ٩٦).
[ ٢٨٩ ]
المسح على الخفين (^١) ومن عدة رواة قول رسول الله -ﷺ-: «لاتنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» (^٢). وإذا كان الرجم وما ذكرناه سُنة عند المعتزلة، كانت الرؤية أولى أن تكون (^٣) سنة لكثرة رواتها ونقلتها. [يرويها خلف عن سلف] (^٤).
_________________
(١) أحاديث المسح على الخفين كثيرة جدًا ومنها ما أخرجه البخاري ك: الوضوء، ب: الرجل يوضئ صاحبه (١٨٢) وباب المسح على الخفين حديث رقم (٢٠٢ و٢٠٣ و٢٠٤) وفي مواضع شتى من صحيحه، ومسلم ك: الطهارة، ب: المسح على الخفين من حديث جرير بن عبد الله البجلي (٢٧٢) ومواضع شتى من صحيحه قال الإمام أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء فيه أربعون حديثًا عن أصحاب محمد ﷺ ما رفعوا للنبي ﷺ وما وقفوا انظر المغني ١/ ٣٦٠ وقال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ؛ أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين. انظر: شرح النووي لمسلم في ك: الطهارة ب: المسح على الخفين ص ٢٧٦ قبل حديث (٢٧٢).
(٢) ونصه عن جابر قال: نهى رسول الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب: لا تنكح المرأة على عمتها برقم (٥١٠٨ - ٥١٠٩ - ٥١١٠)، ومسلم: كتاب النكاح، باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح (١٤٠٨).
(٣) في ب، يكون
(٤) ما بين القوسين زيادة من د.
[ ٢٩٠ ]
وحديث «أنى (^١) أَرَاهُ» (^٢) لا حجة فيه، لأنه إنما سأل النبي -ﷺ- عن رؤية الله ﷿ في الدنيا وقال له: هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أنّى أراه»؟ (^٣)؛ لأن العين لا تدرك في الدنيا الأنوار المخلوقة على حقائقها؛
_________________
(١) ونصه عن أبي ذر قال سألت رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه" وفي رواية "قال أبو ذر سألت رسول الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: ﷺ رأيت نورًا" أخرجه مسلم، ك: الإيمان، ب: في قوله ﵇: «نور أنى أراه»، وفي قوله: «رأيت نورًا» حديث رقم (١٧٨)،
(٢) نص الحديث ساقط من د. هـ. و.
(٣) أما مسألة رؤية الرسول ﷺ ربه فهي من المسائل التي حدث فيها خلاف بين أهل السنة والجماعة؛ لأن هناك أحاديث تفيد الرؤية كقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ النجم ١١. وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ النجم ١٣. قال ابن عباس: رآه بفؤاده مرتين، وفي رواية قال: رآه بقلبه، أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب معنى قول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ حديث ١٧٦، في حين ان عامة النصوص تنفي الرؤية، كقول عائشة: من زعم أن محمدًا ﷺ رآى ربه، فقد أعظم على الله الفرية، الحديث بطوله متفق عليه، حيث أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب تفسير سورة النجم حديث ٤٥٧٤ ومسلم في كتاب الإيمان باب معنى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ حديث ١٧٧، وحديث أبي ذر - ﵁ - عندما سأل الرسول ﷺ: هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أنى أراه». وفي طريق آخر (رأيت نورًا)، انظر: صحيح مسلم كتاب الإيمان باب في =
[ ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قوله ﵊ «نور أنى أراه» حديث ١٧٨. فما هو المنهج في الجمع بين هذه الأحاديث؟ أ - ذهب بعض أهل العلم إلى التوقف في المسألة، وهذا مذهب الإمام القرطبي والذهبي وطائفة من أهل العلم، حتى قال الذهبي لا نقف مع من أثبت الرؤية لنبينا في الدنيا ولا من نفاها، بل نقول: الله ورسوله أعلم، انظر المفهم ١/ ٤٠٢ وسير أعلام النبلاء ١٠/ ١١٤ وفتح الباري ٨/ ٦٠٨. ب - من نفى الرؤية في ليلة المعراج وهذا مذهب أم المؤمنين عائشة ﵂، وهو منقول عن ابن مسعود وأبي ذر وأبي هريرة ﵃، وانتصر له الدارمي لأحاديث النفي، انظر الشفاء ١/ ٢٥٧ والمفهم ١/ ٤٠١ وفتح الباري ٨/ ٦٠٨ وعارضة الأحوذي ١٢/ ١٢٠ والنقض على المريسي ٢/ ٧٣٧ - ٧٣٩. ج - الجمع بين الروايات فحملوا إنكار عائشة على إنكار رؤية العين وماجاء عن ابن عباس على إثبات رؤية الفؤاد، قال ابن تيمية: ماورد عن ابن عباس من روايات إما أنها مطلقة أو مقيدة بالفؤاد ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه، وقال ابن حجر: يجمع بينهما بأن خبر عائشة على نفي رؤية البصر وإثبات ابن عباس على رؤية القلب. انظر مجموع الفتاوى ٦/ ٥٠٩، وفتح الباري ٨/ ٦٠٨ وهو الراجح إن شاء الله. د - إثبات الرؤية وهذا قول ابن خزيمة، والطبري، والهروي وابن الجوزي والنووي وأبي يعلى الفراء، انظر شرح مسلم للنووي ٣/ ٧، والتوحيد لابن خزيمة ٢/ ٤٧٩؛ وكشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي ١/ ٣٧٣ وإبطال التأويلات ١/ ١١١ والأربعين في دلائل التوحيد ص ٨١ كما نقل البغوي إلى أنه قول لبعض الصحابة والتابعين وقال ابن كثير: عن كلام البغوي فيه نظر. انظر: معالم التنزيل ٤/ ٢٤٧ وتفسير القرآن العظيم =
[ ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = = ٤/ ٣٨٧ حيث أثبت الرؤية البصرية لما أُثِرَ عن ابن عباس أنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، = = والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ، وأخرج هذا الأثر ابن أبي عاصم في السنة حديث ٤٤٢ ص ١٩٢. وعبدالله بن أحمد في السنة ١/ ٢٩٩ حديث رقم ٥٧٨، وابن خزيمة في التوحيد ٢/ ٤٧٩ حديث رقم ٢٧٢. والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٠٩. وقال حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. واللالكائي ٣/ ٥٦٩، برقم ٩٠٥. والدارقطني في الرؤية برقم ٢٦١ ص ٣٤٤. وابن منده في الإيمان ٢/ ٧٦١. رقم ٧٦٢. كما صحح الحديث الألباني وقال إسناده صحيح على شرط البخاري. انظر تحقيقه للسنة ص ٢٩٢. كما صحح إسناده محقق السنة د. محمد القحطاني. ولبعض الآثار ولما مر معنا أيضا من أثر ابن عباس عند مسلم ولما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال رأيت ربي ﵎، أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/ ٣٥١ حديث ٢٥٨٠. وابن أبي عاصم في السنة برقم ٤٣٣ ص ١٨٨ و٤٤٤ ص ١٩١. وعبدالله بن الإمام أحمد ٢/ ٥٠٣ برقم ١١٦٧. وصححه الذهبي في العلو وقال إسناده قوي انظر العلو ١/ ٧٦٨ حديث ٢٢٦ وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح انظر مجمع الزوائد ١/ ٧٨، وقال ابن كثير: إسناده على شرط الصحيح انظر تفسيره ٤/ ٢٥٠ وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند: إسناده صحيح. كما صححه الألباني في تحقيقه للسنة ص ١٨٨ والحديث أخرجه جمع من أهل العلم غير من ذكروا. كما استدلوا بقول أنس أن محمدًا ﷺ قد رأى ربه تعالى، أخرجه ابن أبي عاصم في السنة برقم ٤٣٢ ص ١٨٨ وابن خزيمة في التوحيد برقم ٢٨٠ في ٢/ ٤٨٧. وضعف الإمام الألباني إسناده في تحقيقه للسنة وسار على نهجه تلميذه باسم الجوابرة محقق السنة أيضا انظر تحقيقه للسنة ١/ ٣٠٦. ولكن الحافظ ابن حجر في الفتح قوى إسناده ٨/ ٦٠٨. ولبعض الآثار الأخرى والأدلة الاستنباطية كقولهم: إن ابن عباس مثبت والمثبت مقدم على النافي، انظر: توحيد ابن خزيمة ٢/ ٥٥٩. قلت: والذي يترجح والله تعالى أعلم هو مذهب الجمع الذي سلكه ابن تيمية ومن وافقه بنفي الرؤية البصرية وإثبات الرؤية القلبية وفائدة هذا الجمع أنه جمع بين النصوص فلم يقبل أحدهما ويرفض الآخر. وقد بحث هذه المسألة الدكتور سليمان الدبيخي بحثًا نفيسًا في كتابه أحاديث العقيدة من ص ٣٤٤ - ٣٧٧.
[ ٢٩٣ ]
لأن الإنسان لو حدق بنظره إلى عين الشمس فأدام النظر إلى عينها لذهب أكثر نور بصره، فإذا كان الله ﷿ حكم في الدنيا بأن لا تقوم (^١) العين بالنظر إلى عين الشمس، فأحرى ألا يّثْبتَ (^٢) البصر للنظر إلى الله ﷿ في الدنيا إلا أن يقويه الله ﷿. فرؤية الله سبحانه في الدنيا قد اختلف فيها (^٣). وقد روي عن أصحاب رسول الله -ﷺ- أن الله ﷿
_________________
(١) في ب، يقوم.
(٢) في ب، تثبت
(٣) قلت: أجمع أهل العلم على استحالة أن يُرى الله في الدنيا، وليست مسألة خلافية كما ذكر المؤلف إلا بحق النبي ﷺ وقد حكى الإجماع الدارمي في نقضه على المريسي ٢/ ٨٢١ - ٨٢٣، وفي رده على الجهمية من ص ١٠٣ إلى ١٠٥ وابن تيمية في الفتاوى ٣/ ٣٨٦ - ٣٨٩. ومستند الإجماع قوله ﷺ "لن يرى أحد منكم ربه ﷿ حتى يموت" أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة باب ذكر ابن صياد حديث (٢٩٣١).
[ ٢٩٤ ]
تراه العيون في الآخرة. وما روي عن أحد منهم أن الله ﷿ لا تراه العيون في الآخرة.
١٥ - فلما كانوا على هذا مجمعين وبه قائلين، وإن [كانوا] (^١) في رؤيته في الدنيا مختلفين، ثبتت الرؤية في الآخرة إجماعًا. وإن كانت في الدنيا مختلفًا فيها، ونحن إنما قصدنا إلى إثبات رؤية الله ﷿ في الآخرة. على أن هذه الرواية على المعتزلة لا لهم، لأنهم ينكرون أن الله نور في الحقيقة. فإذا احتجوا بخبرٍ هم له تاركون، وعنه (^٢) منحرفون، كانوا محجوجين (^٣).
١٦ - دليل آخر (^٤) ومما يدل على رؤية الله ﷿ بالأبصار،
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من جـ، د، و
(٢) ساقط من و
(٣) في جـ، مجبوبين
(٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - معقبًا: (قال أبو الحسن الأشعري - ﵀ - في الإبانة: بعد أن احتج بحجج كثيرة جيدة على إثبات الرؤية من الكتاب والسنة والإجماع، ومقصوده الأكبر (في الإبانة) ذكر الحجج السمعية دون القياسية، المبنية على الكلام في الجواهر والأعراض، فإنه يختصرها). انظر بيان التلبيس ٤/ ٣١٧.
[ ٢٩٥ ]
[أنه] (^١) ليس موجود إلا وجائز أن يريناه الله ﷿ (^٢)، وإنما لا يجوز
_________________
(١) زيادة من ب، د
(٢) عقب ابن تيمية على قول الأشعري: أنه ليس موجودًا إلا وجائز أن يريناه الله ﷿ بقوله: وهذا المعنى الذي ذكره الأشعري من أن الموجود يقدر الله على أن يريناه، وأن المعدوم هو الذي لاتجوز رؤيته، فنفي الرؤية يستلزم نفي الوجود، وهو مأخوذ من كلام السلف والأئمة، كما ذكره حنبل عن الإمام أحمد، ورواه الخلال عنه في كتاب السنة قال: "القوم يرجعون إلى التعطيل في كونهم ينكرون الرؤية" وذلك أن الله على كل شيء قدير، وهذا لفظ عام لا تخصيص فيه، فأما الممتنع لذاته فليس بشيء باتفاق العقلاء، وذلك، أنه متناقض لايعقل وجوده، فلا يدخل في مسمى الشيء حتى يكون داخلًا في العموم، مثل أن يقول القائل هل يقدر أن يعدم نفسه، أو يخلق مثله، فإن القدرة تستلزم وجود القادر، وعدمه ينافي وجوده، فكأنه قيل: هل يكون موجودًا معدومًا. وهذا متناقض في نفسه لاحقيقة له، وليس بشيء أصلًا، وكذلك وجود مثله يستلزم أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، فإن مثل الشيء مايسد مسده ويقوم مقامه، فيجب= =أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، قبل وجوده مفتقرًا مربوبًا، فإذا قدر أنه مثل الخالق تعالى لزم أن يكون واجبًا قديمًا لم يزل موجودًا غنيًا ربًا، ويكون الخالق فقيرًا ممكناُ معدومًا مفتقرًا مربوبًا، فيكون الشيء الواحد قديما محدثًا، فقيرًا مستغنيًا، واجبًا ممكنًا، موجودًا معدوما، ربًا مربوبًا، وهذا متناقض لاحقيقة له، وليس بشئ أصلًا، فلا يدخل في العموم، وأمثال ذلك. أما خلق قوة في العباد يقدرون بها على رؤيته فإن ذلك يقتضي كمال قدرته، وما من موجود قائم بنفسه إلا والله قادر على أن يرينا إياه، بل قد يقال ذلك في كل موجود سواء قام بنفسه أو قام بغيره. وهنا طريقة أخرى، وهي أن نقول: كل موجود فالله قادر على أن يجعلنا نحسه بأحد الحواس الخمس، ومالا يكون ممكنًا إحساسه بإحدى الحواس الخمس فإنه معدوم وهذه الطريقة مما بين الأئمة أن جهمًا يقول: إن الله معدوم، لما زعم أنه لايحس بشيء من الحواس، لأن الموجود لابد أن يمكن إحساسه بإحدى الحواس، كما ذكر الإمام أحمد أصل قوم جهم" انظر بيان التلبيس ٤/ ٣١٨ - ٣٢٠.
[ ٢٩٦ ]
أن يُرى المعدوم، فلما كان الله ﷿ موجودًا ثابتًا كان غير مستحيل أن يرينا نفسه ﷿. وإنما أراد مَنْ نفى رؤية الله ﷿ بالأبصار التعطيل، فلما لم يمكنهم أن يُظهروا التعطيل صراحًا أظهروا ما يؤول بهم إلى التعطيل والجحود، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
١٧ - دليل آخر: ومما يدل على رؤية الله سبحانه بالأبصار: أن الله ﷿ يرى الأشياء (^١)، وإذا كان للأشياء رائيًا [فلا يرى الأشياء من لا يرى نفسه] (^٢). وإذا كان لنفسه رائيًا فجائز أن يرينا نفسه. وذلك أن من لا يعلم نفسه لا يعلم شيئًا، فلما كان الله ﷿ عالمًا بالأشياء كان عالمًا بنفسه، فكذلك (^٣) من لا يرى نفسه لا يرى الأشياء. فلما (^٤) كان الله ﷿
_________________
(١) هذا دليلٌ عقلي ومعناه أنه إذا كان يرى الأشياء فيجوز في العقل أن الأشياء تراه لأن له وجود وكل موجود يجوز أن يُرى فعلًا، فدليله عقلي فيجوز أن يُرى بدليل العقل.
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب، د، و
(٣) في ب، فلذلك
(٤) في جـ، ولما
[ ٢٩٧ ]
رائيًا للأشياء كان رائيًا لنفسه. فإذا (^١) كان رائيًا لها فجائز أن يرينا نفسه. كما أنه لما كان عالمًا بنفسه جاز أن يعلمناها. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (^٢) فأخبر أنه سمع كلامهما ويراهما. ومن زعم أن الله ﷿ لا يجوز أن يُرى بالأبصار يلزمه أنْ لا يجوز أن يكون الله ﷿ رائيًا، ولا عالمًا، ولا قادرًا، لأن العالم القادر الرائي جائز أن يرى.
١٨ - فإن قال قائل: قول النبي -ﷺ-: «ترون ربكم» يعني تعلمون ربكم اضطرارًا.
قيل له: إن النبي -ﷺ- قال لأصحابه هذا على سبيل البشارة، فقال: فَكَيْفَ بكم إذا رأيتم الله ﷿. ولا يجوز أن يبشرهم بأمر بشر فيه (^٣) الكفار، على أن النبي -ﷺ- قال: «ترون ربكم» وليس يعني رؤية دون رؤية بل ذلك عام في رؤية العين ورؤية القلب.
١٩ - دليل آخر: إن المسلمين اتفقوا على أن الجنة «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (^٤) من العيش السليم والنعيم المقيم. وليس نعيم في الجنة أفضل من رؤية الله ﷿
_________________
(١) في ب، وإذا
(٢) سورة طه، جزء من آية: [٤٦].
(٣) في ب بشيركم، وفي د. ويشركهم فيه.
(٤) تقدم تخريجه انظر ص (٤٨٥).
[ ٢٩٨ ]
بالأبصار، وأكثر من عَبَدَ الله ﷿ عبده للنظر إلى وجهه [الكريم أرانا الله أياه بفضله] (^١).
فإذا لم يكن بعد رؤية الله أفضل من رؤية نبيه -ﷺ-، وكانت رؤية نبي الله أفضل لذات الجنة، كانت رؤية الله ﷿ أفضل من رؤية نبيه ﵇. وإذا كان ذلك كذلك لم يحرم الله أنبياءه المرسلين وملائكته المقربين وجماعة المؤمنين والصديقين النظرَ إلى وجهه ﷿. وذلك أن الرؤية لا تؤثر في المرئي لأن رؤية الرائي تقوم به، فإذا كان هذا هكذا، وكانت الرؤية (^٢) غير مؤثرة في المرئي لم توجب تشبيهًا ولا انقلابًا عن حقيقة، ولم يستحل على الله ﷿ أن يُري عباده المؤمنين نفسه في جناته (^٣).
٢٠ - مسألة في الرؤية: احتجت المعتزلة أن الله ﷿ لا يُرى بالأبصار بقوله ﷿: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (^٤).
وقالوا: فلما عطف الله ﷿ قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ على قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وكان قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ على العموم أنه يدركها في الدنيا والآخرة وأنه يراها في الدنيا والآخرة
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من د.
(٢) ساقط من. ب.
(٣) في جـ، ب. حياته.
(٤) سورة الأنعام، جزء من آية: [١٠٣].
[ ٢٩٩ ]
كان قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ دليلًا على أنه لا تراه الأبصار في الدنيا والآخرة، وكان في العموم لقوله (^١): ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر.
قيل لهم: فيجب إذا كان عموم القولين واحدًا، وكانت الأبصار أبصار العيون وأبصار القلوب، لأن الله ﷿ قال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (^٢) وقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ (^٣) أي فهي بالأبصار (^٤) فأراد أبصار القلوب، وهي التي يقصد بها المؤمنون والكافرون.
٢١ - ويقول أهل اللغة: فلان بصير بصناعته، يريدون بصر العلم، ويقولون: قد أبصرته بقلبي، كما يقولون قد أبصرته بعيني. فإذا كان البصر بصر العيون (^٥) وبصر القلوب ثم أوجبوا علينا أن يكون قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ في العموم كقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؛ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر، وجب عليهم بحجتهم أن الله ﷿ لا يُدرك بأبصار العيون ولا بأبصار القلوب، لأن قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ
_________________
(١) في جـ، ب بقوله.
(٢) سورة الحج، آية: [٤٦].
(٣) سورة ص، آية: [٤٥].
(٤) ساقط من ب، د.
(٥) في ب، د، و. بصر العين
[ ٣٠٠ ]
الْأَبْصَارُ﴾ في العموم كقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؛ وإذا لم يكن عندهم هكذا، فقد وجب أن يكون قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أخص من قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وأنقض (^١) احتجاجهم.
٢٢ - وقيل لهم: إنكم زعمتم أنه لو كان قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ خاصًا في وقت دون وقت لكان قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ خاصًا في وقت دون وقت، وكان قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٢) وقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (^٣) وقوله: ﴿لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ (^٤) في وقت دون وقت.
٢٣ - فإن جعلتم قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ خاصًا رجع احتجاجكم عليكم. وقيل لكم: إذا كان قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ خاصًا ولم يجب خصوص هذه الآيات، فما أنكرتم أن يكون قوله ﷿: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ إنما أراد في الدنيا دون الآخرة.
٢٤ - وكما أن قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أراد بعض الأبصار دون بعض، ولا يوجب ذلك تخصيص هذه الآيات التي عارضتمونا بها.
٢٥ - فإن قالوا: قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يوجب أنه لا يدرك
_________________
(١) في ب. د. و. وانتقض.
(٢) سورة الشورى، جزء من آية: [١١].
(٣) سورة البقرة، جزء من آية: [٢٥٥].
(٤) سورة يونس، جزء من آية: [٤٤].
[ ٣٠١ ]
بها في الدنيا والآخرة، وليس ينفي ذلك أن نراه بقلوبنا ونبصره بها ولا ندركه بها.
قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون لا ندركه بأبصار العيون، لا يوجب إذا لم ندركه بها ألا نراه [ونبصره بها] (^١)، فرؤيتنا له بالعيون وإبصارنا له بأنها ليس بإدراك له بها، كما أن إبصارنا له بالقلوب ورؤيتنا له بها ليس بإدراك له (^٢).
٢٦ - فإن قالوا: رؤية البصر هي إدراك البصر.
قيل لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: إن رؤية القلب وإبصاره هو إدراكه وإحاطته. فإذا كان علم القلب بالله ﷿ وإبصار القلب له ورؤيته إياه ليس بإحاطة ولا إدراك. (فما أنكرتم أن تكون رؤية العيون وإبصارها لله ﷿ ليس بإحاطة ولا إدراك) (^٣).
٢٧ - جواب: … ويقال لهم: إذا كان قول الله ﷿: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ في العموم كقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر. فخبِّرونا أليست الأبصار والعيون لا تدركه رؤيةً ولا لمسًا ولا ذوقًا ولا على وجه من الوجوه؟ فمن قولهم: نعم. فيقال
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب، د.
(٢) حجة قوية من وجهة نظري لدفع حجة الخصم المعاند.
(٣) ما بين القوسين ساقط من. جـ.
[ ٣٠٢ ]
لهم: أخبرونا عن قوله ﷿: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أتزعمون أنه يدركها لمسًا وذوقًا بأن يلمسها. فمن قولهم: لا فيقال لهم: فقد انتقض (^١) قولكم: إنَّ قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ في العموم كقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾.
٢٨ - سؤال: إن قال قائل منهم: إن البصر في الحقيقة هو بصر العين لا بصر القلب قيل له: ولم زعمت هذا. وقد سمى أهل اللغة بصر القلب بصرًا، كما سموا بصر العين بصرًا؟ وإن جاز لك ما قلته جاز لغيركم أن يزعم أن البصر في الحقيقة هو بصر القلب دون العين، وإذا لم يجز هذا فقد وجب أن البصر بصر العين وبصر القلب.
٢٩ - جواب (^٢): ويقال لهم: حدِّثونا عن قول الله ﷿: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ما معناه؟! فإن قالوا: معنى يدرك الأبصار وأنه (^٣) يعلمها.
قيل لهم: وإذا كان أحد الكلامين معطوفًا على الآخر، وكان قوله ﷿ (^٤): ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ معناه يعلمها، فقد وجب أن يكون
_________________
(١) في ب. جـ: انقضى.
(٢) في. د. و. مسألة.
(٣) في باقي النسخ أنه. بدون الواو.
(٤) في. د. تعالى.
[ ٣٠٣ ]
قوله [تعالى] (^١): ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لا نعلمه (^٢)، وهذا نفي للعلم لا لرؤية الأبصار.
٣٠ - فإن قالوا: معنى قوله [تعالى] (^٣) وهو يُدرك الأبصار، [معناه يعلمها، فقد وجب أن يكون قوله لا تدركه الأبصار] (^٤) أنه يراها رؤية ليس معناها العلم. قيل [لهم] (^٥): فالأبصار التي في العيون يجوز أن ترى؟ فإن قالوا: نعم، نقضوا (^٦) قولهم: إنا لا نرى بالبصر إلا من جنس ما ترى الساعة. فإن جاز أن يرى الله وكل (^٧) ما ليس من جنس المرئيات [وهو الإبصار التي في العين، فلم لايجوز أن يرى نفسه، وإن لم يكن من جنس المرئيات؟] (^٨) (ولم لا يجوز أن يرينا نفسه وإن لم يكن من جنس المرئيات؟) (^٩).
٣١ - ويقال لهم: حدثونا إذا رأينا شيئًا فبصرُناه وإنما يراه الرائي
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من. د.
(٢) في باقي النسخ لا تعلمه.
(٣) ما بين القوسين زيادة من. د.
(٤) ما بين القوسين زيادة من. ج. هـ.
(٥) ما بين القوسين زيادة من ب. د.
(٦) في ب. ينقضوا.
(٧) ساقط من د.
(٨) ما بين القوسين زيادة. من. ب.
(٩) ما بين القوسين ساقط. من ب. ج.
[ ٣٠٤ ]
دون البصر؟ فمنه (^١) قولهم: إنه مُحال أن يرى البصر الذي في العين. فيقال لهم: الآية تنفي أن تراه الأبصار، [و] (^٢) لا تنفي (^٣) أن يبصره (^٤) المبصرون، وإنما [قال] (^٥) الله ﷿: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فهذا لا يدل (^٦) على أن المبصرين لا يرونه على ظاهر الآية [الشريفة] (^٧).
_________________
(١) وفي باقي النسخ. فمن.
(٢) ما بين القوسين زيادة من د.
(٣) ساقط من. جـ. هـ.
(٤) في هـ يُبصره. وفي. ب. وتراه.
(٥) ما بين القوسين زيادة من ب.
(٦) في. د. فهذا بدل.
(٧) ما بين القوسين زيادة من. د.
[ ٣٠٥ ]