١ - يقال لهم: ألستم تدَّعون (^٢) أن الله ﷿ لم يزل عالمًا؟ فمن قولهم (^٣). نعم. قيل لهم: فلم لا قلتم: إن من لم يزل عالمًا أنه لا يكون (^٤) في وقت من الأوقات، فلم يزل مريدًا ألا يكون (^٥) [في ذلك الوقت. وما لم يزل عالمًا، أنه لا يكون، فلم يزل مريدًا، ألا يكون في ذلك الوقت] (^٦).
_________________
(١) صفتا الإرادة والمشيئة صفتان فعليتان ثابتتان لله، والإرادة نوعان: أ. إرادة كونية وهي بمعنى المشيئة ولابد أن تقع، وليست بالضرورة أن تكون محبوبة لله، بل قد يريد الله - ﷿ - أمرًا وهو مكروه عنده شرعًا كالكفر. ب. إرادة شرعية بمعنى المحبة فإنها متعلقة بالمحبوب له سبحانه وإن لم يقع، وقد أجمع أهل السنة على إثبات صفة الإرادة لله، انظر مجموع الفتاوى ٨/ ٤٥٩، والأصفهانية ص ٢٠، وانظر العلو للذهبي ٢/ ١٠٥٥، والصابوني في اعتقاد أئمة أهل الحديث ص ١٦٥، والأشعري في رسالته إلى أهل الثغر ص ٢١٤، والأصبهاني في كتابه الحجة ١/ ٢٤٤، ٢٣١، وانظر في الانتصار في الرد على المعتزلة ٢/ ٣٤٢، والاقتصاد ص ١١٩.
(٢) في ب. تزعمون.
(٣) جميع النسخ فمن قولهم نعم، والمعنى هنا مضطرب، والسياق يقتضي [فإن كان قولهم] ليستقيم المعنى ويزول اللبس، ولكن أثبت ما أثبته المؤلف.
(٤) في. و. أن يكون.
(٥) في ب. و. أن يكون.
(٦) ما بين القوسين زيادة من هـ. ب. و. مع اختلاف طفيف في الألفاظ.
[ ٤٨٨ ]
وأنه لم يزل مريدًا أن يكون ما علم كما علم؟ فإن قالوا: لا نقول: إن الله لم يزل مريدًا؛ لأن الله -تعالى- مريد بإرادة مخلوقة. يقال لهم: ولم زعمتم أن الله - ﷿مريد بإرادة مخلوقة؟ وما الفصل بينكم وبين الجهمية في أعمالهم (^١) أن الله عالم بعلم مخلوق، وإذا لم يجز أن يكون علم الله [مُحدثًا] (^٢)؛ لأن ذا مخلوقًا (^٣) فما أنكرتم ألا تكون إرادته مخلوقة؟.
فإن قالوا: لا يجوز أن يكون علم الله محدثًا؛ لأن ذلك يقتضي (^٤) أن يكون حدث بعلم آخر، كذلك لا إلى غاية.
قيل لهم: فما أنكرتم ألا يكون إرادة الله محدثة مخلوقة؛ لأن ذلك يقتضي (^٥) أن يكون حدث (^٦) عن إرادة أخرى، ثم كذلك لا إلى غاية.
وإن قالوا: لا يجوز أن يكون علم الله محدثًا؛ لأن من لم يكن عالمًا ثم علم لحقه النقصان.
قيل لهم: ولما لا يجوز أن تكون إرادة الله محدثة مخلوقة؛ لأن من لم
_________________
(١) وفي و. في زعمهم.
(٢) ما بين القوسين زيادة من ج. هـ. وفي. ب. و. مخلوقًا.
(٣) ساقطة من باقي النسخ.
(٤) في. ب. و. يقضي.
(٥) في. و. يفضي.
(٦) وفي. ب. حدثت.
[ ٤٨٩ ]
يكن مريدًا ثم أراد لحقه النقصان؟ وكما لا يجوز أن تكون إرادته تعالى محدثة مخلوقة، كذلك لا يجوز أن يكون كلامه محدثًا مخلوقًا.
٢ - دليل (^١) آخر: ويقال لهم: إذا زعمتم أنه قد (^٢) كان في سلطان الله ﷿ الكفر والعصيان وهو لا يريده، وأراد أن يؤمن الخلق أجمعون، فلم يؤمنوا، فقد وجب على قولكم: إن أكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن، وأكثر ما شاء [الله] (^٣) ألا يكون كان؛ لأن الكفر الذي كان وهو لا يشاؤه الله (^٤) عندكم أكثر من الإيمان الذي كان وهو يشاؤه، وأكثر ما شاء أن يكون لم يكن، وهذا جحد لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله أن يكون كان، وما لا يشاء لا يكون.
٣ - حجة (^٥) أخرى: ويقال لهم: [يستفاد] (^٦) من قولكم إن أكثر ما شاء أن يكون إبليس (^٧) كان؛ لأن الكفر أكثر من الإيمان، وأكثر ما كان هو شاءه. فقد جعلتم [إذًا] (^٨) مشيئة إبليس أنفذ من مشيئة رب العالمين،
_________________
(١) ساقط من. ب. وفي. و. مسألة.
(٢) ساقط من ج. هـ.
(٣) ما بين القوسين زيادة من ب، و
(٤) ساقط من. و. ب.
(٥) وفي. و. مسألة.
(٦) ما بين القوسين وضعت ليستقيم المعنى.
(٧) في. و. الله. والسياق يقتضي إثبات ما أثبته.
(٨) ما بين القوسين وضع ليستقيم المعنى.
[ ٤٩٠ ]
جل ثناؤه وتقدست أسماؤه؛ لأن أكثر ما شاءه كان، وأكثر ما كان فقد شاءه. وفي هذا إيجاب أنكم قد جعلتم لإبليس مرتبة (^١) في المشيئة ليست لرب العالمين، تعالى الله ﷿ عن قول الظالمين علوًا كبيرًا.
٤ - حجة أخرى (^٢): ويقال لهم: أيما أولى بصفة الاقتدار:
أ - من إذا شاء أن يكون الشيء كان لا محالة، وإذا لم يرده لم يكن؟
ب- أو من يريد أن يكون ما لا يكون، ويكون ما لا يريد؟
فإن قالوا:
أ - من لا يكون أكثر ما يريده أولى بصفة الاقتدار كابروا، وقيل لهم: إن جاز لكم ما قلتموه جاز لقائل أن يقول من يكون ما لا يعلمه أولى بالعلم ممن لا يكون إلا ما يعلمه.
ب- وإن رجعوا عن هذه المكابرة وزعموا أن من إذا أراد أمرًا كان، وإذا لم يرده لم (^٣) يكن أولى بصفة الاقتدار، لزمهم على مذهبهم أن يكون إبليس - لعنه الله - أولى بالاقتدار من الله ﷿؛ لأن أكثر ما أراده كان، وكان (^٤) أكثر ما كان قد أراده.
_________________
(١) وفي. و. هـ مزية.
(٢) ساقط من. ب وفي. و. مسألة.
(٣) وفي. و. لا يكون.
(٤) ساقط من. و.
[ ٤٩١ ]
وقيل لهم: إذا كان من إذا أراد أمرًا كان، وإذا لم يرده لم يكن أولى بصفة الاقتدار، فيلزمكم أن يكون الله ﷿ إذا أراد أمرًا كان، وإذا لم يرده لم يكن، لأنه أولى بصفة الاقتدار.
٥ - [مسألة]: ويقال لهم: أيما أولى بصفة (^١) الإلهية والسلطان:
أ - من لا يكون إلا ما يعلمه، ولا يغيب عن علمه شيء، ولا يجوز ذلك عليه؟
ب- أو من يكون ما لا يعلمه، ويعزب عن علمه [أكثر الأشياء] (^٢)؟ فإن قالوا
أ -[من لا يكون إلا ما يعلمه ولا يعزب عن علمه شيء] (^٣) أولى بصفة الإلهية. قيل لهم: فكذلك من لا يريد كون شيء إلا (^٤) كان، ولا يكون إلا ما يريده، ولا يعزب عن إرادته شيء، أولى بصفة الإلهية كما قلتم ذلك في العلم.
ب- وإذا قالوا ذلك تركوا قولهم، ورجعوا عنه، وأثبتوا الله عز
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من. و.
(٢) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» شيءٌ.
(٣) زيادة من باقي النسخ.
(٤) وفي. ب. و. أيها كان.
[ ٤٩٢ ]
وجل مريدًا لكل كائن، وأوجبوا أن يكون إلا ما يكون (^١).
٦ - [مسألة: (^٢) ويقال (^٣) لهم: إذا قلتم: إنه يكون في سلطانه تعالى ما لايريد، فقد كان إذن في سلطانه ما كرهه، فلابد من نعم.
يقال لهم: فإذا كان في سلطانه ما يكرهه، فما أنكرتم أن يكون في سلطانه ما يأبى كونه؟ فإن أجابوا إلى ذلك، قيل لهم. فقد كانت المعاصي شاء الله أم أبى، وهذه صفة الضعف والفقر، [وما يغضب عليهم إذا فعلوه فقد أكرهوه وهذه صفة القهر] (^٤) تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
٧ - [ويقال لهم: أليس لما فعل العباد ما يسخطه تعالى وما يغضب عليهم إذا فعلوه، فقد أغضبوه وأسخطوه؟ فلابد من نعم.
يقال لهم: فلو فعل العباد مالا يريد وما يكرهه لكانوا قد أكرهوه، وهذه صفة القهر، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا] (^٥).
٨ - [مسئلة] (^٦) ويقال لهم: أليس قد قال الله ﷿: ﴿فَعَّالٌ
_________________
(١) وفي نسخة ب. وأوحبوا ألا تريد أن يكون إلا ما يكون.
(٢) ما بين القوسين زيادة من. و.
(٣) في. هـ. جـ وقيل.
(٤) ما بين القوسين زيادة من. و.
(٥) ما بين القوسين زيادة من ب.
(٦) ما بين القوسين زيادة من. و.
[ ٤٩٣ ]
لِمَا يُرِيدُ﴾ (^١)، فلابد من نعم.
يقال لهم: فمن زعم أن الله تعالى فعال لما يريد، وأراد أن يكون من فعله ما لا يكون لزمه أن يكون قد وقع ذلك وهو ساهٍ غافل عنه، أو أن الضعف أو أن التقصير عن بلوغ [ما يريده] (^٢) لحقه، فلابد من نعم (^٣).
فيقال لهم: فكذلك من زعم أنه يكون في سلطانه (^٤) ﷿ ما لا يريده من عبيده لزمه أحد أمرين:
أ- إما أن يزعم أن ذلك كان عن سهو وغفلة.
ب- أو يزعم أن الضعف [والتقصير] (^٥) عن بلوغ ما يريده لحقه.
[مسألة] (^٦) ويقال لهم: أليس من زعم أن الله -﷿- فعل ما لا يعلمه قد نسب الله سبحانه إلى ما لا يليق به من الجهل؟ فلابد من نعم.
_________________
(١) سورة هود، آية: [١٠٧].
(٢) ما بين القوسين زيادة تصحيحية من ب وفي الباقي ما لا يريده.
(٣) ويزاد على هذا الدليل - من وجهة نظري - بأن لازم قولكم يقتضي أن يكون قوله تعالى ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ خبر غير صحيح، أو خبر كاذب فتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
(٤) في. و. في سلطان الله.
(٥) ما بين القوسين زياده من ب، و
(٦) ما بين القوسين زيادة من. و.
[ ٤٩٤ ]
فيقال لهم: فكذلك من زعم أن عبدالله فعل ما لا يريده لزمه أن ينسب الله سبحانه إلى السهو والتقصير عن بلوغ ما يريده. فإذا قالوا: نعم. قيل لهم: وكذلك يلزم من زعم أن العباد يفعلون ما لا يعلم الله نسب الله تعالى إلى الجهل، فلابد من نعم.
يقال لهم: فكذلك إذا كان في كون فالكل فعل الله (^١) وهو لا يريده إيجاب سهو وضعف (^٢) وتقصير (^٣) عن بلوغ ما لا يريده، [فكذلك إذا كان من غيره ما لايريده وجب إثبات سهو وغفلة أو ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريد] (^٤)، ولافرق في ذلك بين ما كان منه وما كان من غيره.
٩ - [مسئلة] (^٥) ويقال لهم: إذا كان في سلطان الله ما لا يريده وهو يعلمه، ولا يلحقه الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده، فما أنكرتم أن يكون في سلطانه ما لا يعلمه ولا يلحقه النقصان؟ فإن لم يجز هذا لم يجز ما قلتموه.
١٠ - حجة أخرى (^٦): إن قال قائل: لم قلتم: إن الله مريد لكل كائن
_________________
(١) في. ب. و. فعل فعله الله.
(٢) في. و. ب. أو ضعف.
(٣) ساقطة من. و.
(٤) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٥) ما بين القوسين زيادة من. و.
(٦) في. و. مسألة.
[ ٤٩٥ ]
أن يكون، ولكل ما لا يكون ألا يكون؟
قيل له: الدليل على ذلك أن الحجة قد وصفت (^١) أن الله -﷿-[خلق] (^٢) الكفر والمعاصي - وسنبين ذلك بعد عقد (^٣) الموضع من كتابنا، وإذا وجب أن الله سبحانه خالق لذلك، فقد وجب أنه مريد [له] (^٤)؛ لأنه لا يجوز أن [يخلق] (^٥) مالا يريده.
١١ - وجواب آخر: أنه لا يجوز أن يكون في سلطان الله ﷿ من اكتساب العباد ما لا يريده، كما لا يجوز أن يكون من فعله المجتمع (^٦) على أنه فعله ما لا يريده؛ لأنه لو وقع من فعله ما لا يعلمه لكان في ذلك إثبات النقصان. وكذلك القصد لو وقع من عباده ما لا يعلمه، فكذلك لا يجوز أن يقع من عباده ما لا يريده، لأن ذلك يوجب:
أ - أن يقع عن سهو وغفلة.
_________________
(١) في ب. و. وضحت.
(٢) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٣) في ب. وبعد هذا الموضع.
(٤) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٥) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» أن يلحق.
(٦) وفي. ب. والمجمع. وكل ذلك جائز.
[ ٤٩٦ ]
ب- أو عن ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريده، كما يجب ذلك لو وقع عن (^١) فعله المجتمع (^٢) على أنه فعله ما لا يريد (^٣)، وأيضًا فلو كانت المعاصي - وهو لا يشاء أن تكون- لكان قد [كره] (^٤) ألا تكون وأبى أن تكون، وهذا يوجب أن تكون المعاصي كائنة شاء الله أم أبى، وهذا صفة الضعف، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وقد أوضحنا أن الله لم يزل مريدًا على حقيقة الذي [عِلْمُهُ] (^٥) عليها، فإذا كان الكفر مما يكون وقد علم ذلك فقد أراد أن يكون.
١٢ - [مسألة] (^٦): ويقال لهم: إذا كان الله ﷿ علم أن الكفر يكون، وأراد ألا (^٧) يكون، [فقد كان] (^٨) ما علم على خلاف [ما
_________________
(١) وفي باقي النسخ (من).
(٢) في. ب. و. المجمع.
(٣) وفي هـ. ج. على الحقيقة التي علمها.
(٤) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» دكم. وهو تصحيف.
(٥) وفي هـ. ج. على الحقيقة التي علمها. وفي. و. على حقيقته التي علمه عليها.
(٦) ما بين القوسين زيادة من. و.
(٧) وفي. ب. أراد أن يكون.
(٨) ما بين القوسين زيادة من هـ.
[ ٤٩٧ ]
علم (^١)، وإذا لم يجز ذلك، فقد أراد أن يكون ما علم كما علم.
١٣ - [مسألة:] (^٢) ويقال لهم: [لم] (^٣) أبيتم أن يريد [الله] (^٤) الكفر الذي علم أنه يكون، أن يكون شيء (^٥) [قبيحًا] (^٦) فاسدًا [متناقضًا] (^٧) خلافًا للإيمان؟ فإن قالوا: لأن مريد السَفَهِ سَفِيهُ.
قيل لهم: ولم قلتم ذلك؟ أوليس قد أخبر الله تعالى عن ابن آدم [أنه] (^٨) [أنه] (^٩) قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (^١٠)، فأراد ألا (^١١)
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من. ب. وفي. هـ. على خلاف ما أراد.
(٢) ما بين القوسين زيادة من. و.
(٣) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٤) ما بين القوسين زيادة من ب.
(٥) ساقط من ب.
(٦) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٧) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٨) ما بين القوسين زيادة من. ب. و.
(٩) ما بين القوسين زيادة من. ب. و.
(١٠) سورة المائدة، آية: [٢٨ - ٢٩].
(١١) ساقط من. و.
[ ٤٩٨ ]
يقتل أخاه لئلا يعذب، وأن يقتله أخاه (^١) حتى يبوء بإثم قتله له وسائر آثامه التي كانت عليه، فيكون من أصحاب النار، فأراد قتل أخيه الذي هو سفه، ولم يكن بذلك سفيهًا، فلم زعمتم أن الله سبحانه إذا أراد سفه العباد وجب أن يكون (^٢) ذلك إليه؟
١٤ - [مسألة] (^٣) ويقال لهم: قد قال يوسف ﵇ (^٤) ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (^٥) وكان سجنهم إياه معصية، فأراد المعصية التي هي سجنهم إياه دون فعل ما يدعونه إليه، ولم يكن بذلك سفيهًا، فما أنكرتم من ألا [يجب] (^٦) إذا أراد الباري سبحانه سفه العباد أن يكون قبيحًا منه، خلافًا للطاعة أن يكون سفيهًا.
١٥ - حجة أخرى (^٧): ويقال لهم: أليس من يرى منا جرم المسلمين كان سفيهًا (^٨)، والله سبحانه يراهم ولا يُنسب إلى السَّفَه؟ فلابد من نعم.
_________________
(١) في ب. ج. هـ أخوه.
(٢) في ب. وينسب.
(٣) ما بين القوسين زيادة من. ب و.
(٤) في. و: ﵊.
(٥) سورة يوسف، آية: [٣٢].
(٦) ما بين القوسين تصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «ز» تجب.
(٧) في. و. مسألة.
(٨) كلام غير صحيح على إطلاقه. فإننا نرى الجرائم والمعاصي ولسنا سفهاء إذا كنا منكرين لها وغير راضين عنها، وإنما يكون سفيهًا من يراها شريطة أن يرضى عنها فليس مجرد الرؤية توجب السفه. ولعل مقصد المؤلف الراضي عن هذه المنكرات أو غير المنكر لها ولو في القلب.
[ ٤٩٩ ]
يقال لهم؛ فما أنكرتم أن من أراد السفه منا كان سفيهًا، والله سبحانه يريد سفه السفهاء، ولا ينسب إلى الله ﷿ (^١) سفيه، تعالى الله عن ذلك.
١٦ - حجة أخرى (^٢): ويقال لهم: السفيه منا إنما كان سفيهًا لما أراد السفه؛ لأنه نهي عن ذلك؛ ولأنه تحت شريعة من هو (^٣) فوقه، ومن يحد له الحدود، ويرسم له الرسوم، فلما أتى ما نهي عنه كان سفيهًا. ورب العالمين جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ليس تحت شريعة، ولا فوقه من يحد له الحدود، ويرسم له الرسوم، ولا فوقه مبيح ولا حاظر ولا آمر ولا زاجر. فلم يجب إذا أراد ذلك أن يكون قبيحًا أن ينسب إلى السفه ﷾ (^٤).
_________________
(١) في هـ. ب. أنه ﷿.
(٢) في. و. مسألة.
(٣) ساقط من هـ.
(٤) فلم يجب إذا أراد أن يكون قبيحًا وأن ينسب إلى السفه سبحانه - وتعالى - حجة أوردها المؤلف وهي في غاية الدقة وكلامه هذا يوزن بالذهب، والذهب بخيس بمقابله.
[ ٥٠٠ ]
١٧ - ويقال لهم: أليس من خلَّى بين عبيده وبين إمائه منا يزني بعضهم ببعض، وهو لا يعجز عن (^١) التفريق بينهم يكون سفيهًا، ورب العالمين ﷿ قد خلَّى بينه وبين عبيده وإمائه (^٢) يزني بعضهم ببعض، وهو يقدر على التفريق بينهم وليس سفيهًا. [وكذلك من أراد الطاعة منا كان مطيعًا] (^٣) [وكذلك من أراد السفه منا كان سفيهًا، ورب العالمين ﷿ يريد السفه وليس سفيهًا] (^٤).
١٨ - حجة أخرى (^٥) ويقال [لهم] (^٦): من أراد طاعة الله منا كان مطيعًا كما أن من أرد السفه كان سفيهًا، ورب العالمين ﷿ يريد الطاعة وليس مطيعًا، فكذلك يريد السفه [و] (^٧) ليس سفيهًا.
١٩ - حجة أخرى (^٨): ويقال لهم: قال الله ﷿:
_________________
(١) في هـ وهو يقدر على التفريق بينهم.
(٢) ساقط من باقي النسخ.
(٣) ما بين القوسين زيادة من و.
(٤) ما بين القوسين زيادة من هـ. جـ. و.
(٥) في. و. مسألة أخرى.
(٦) ما بين القوسين زيادة من. هـ. ج.
(٧) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٨) في. و. مسألة أخرى.
[ ٥٠١ ]
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ (^١)، فأخبر أنه لو شاء ألا يقتتلوا [ما اقتتلوا] (^٢)، [قال] (^٣): ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (^٤) من القتال، فإذا وقع القتال فقد شاءه، كما أنه لما قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (^٥)، فقد وجب (^٦) أن الرد لو كان إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر، وأنهم إذا لم يردهم إلى الدنيا لم يعودوا، وكذلك لو شاء الله ألا يقتتلوا ما (^٧) اقتتلوا، وإذا اقتتلوا فقد شاء أن يقتتلوا.
٢٠ - [مسألة:] (^٨) أ - ويقال لهم: قال الله ﷿: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (^٩) وإذا حق القول بذلك فما شاء أن تؤتى كل نفس هداها؛ لأنه إنما لم يؤتها
_________________
(١) سورة البقرة، جزء من آية: [٢٥٣].
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب. جـ. هـ.
(٣) ما بين القوسين زيادة من ب.
(٤) سورة البقرة، جزء من آية: [٢٥٣].
(٥) سورة الأنعام، جزء من آية: [٢٨].
(٦) في ب. فقد أوجب.
(٧) في ب. لما.
(٨) ما بين القوسين زيادة من. و.
(٩) سورة السجدة، جزء من آية: [١٣].
[ ٥٠٢ ]
هداها بما حق القول بتعذيب الكافرين، وإذا لم يرد ذلك فقد شاء ضلالتها.
فإن قالوا: معنى ذلك لو شئنا لأجبرناهم على الهدى واضطررناهم إليه. قيل لهم: فإذا أجبرهم على الهدى واضطرهم إليه ليكونون مهتدين؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فإذا كان إذا فعل الله [الهدى] (^١) كانوا مهتدين، فما أنكرتم لو فعل كفر الكافرين لكانوا كافرين، وهذا [يذم] (^٢) قولهم؛ لأنهم زعموا أنه لايفعل [كفر الكافر] (^٣).
ب- ويقال لهم أيضًا: على أي وجه ثبوتهم على (^٤) الهدى لو آتاهم إياه وشاء ذلك؟ فإن قالوا: على الإلجاء. قيل لهم: إذا ألجأهم إلى ذلك هل ينفعهم ما يفعلونه على طريق الإلجاء؟ فمن قولهم: نعم (^٥). قيل لهم: فإذا أخبر أنه لو شاء لآتاهم الهدى لولا ما حق منه من القول أنه يملأ
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من. ب. و. وفي النسخة المعتمدة «أ» لما. ولا محل لها.
(٢) ما بين القوسين التصحيح من جـ و. هـ. وفي النسخة المعتمدة «أ» يوم قولهم وفي ب وهذا يدم.
(٣) ما بين القوسين التصحيح من ج وفي النسخة المعتمدة «أ»، وفي هـ لا يفعل الكفر الكافر، وفي ب. و: لايفعل لكفر الاكافر.
(٤) وفي. و. يؤتيهم الهدى.
(٥) في. و. لا وساقطة من ب.
[ ٥٠٣ ]
[بهم] (^١) جهنم، وإذا كان لو ألجأهم لم يكن نافعًا لهم ولا مزيلًا للعذاب عنهم، كما لم ينفع فرعون قوله الذي قاله عند الغرق والإلجاء (^٢)، فلا معنى لقولكم؛ لأنه لولا ما حق [من القول] (^٣) [لأوتيت] (^٤) كل نفس هداها، وإتيان الهدى على الوجه الذي قلتموه لا يزيل العذاب.
ج - مسألة أخرى: ويقال لهم: قال الله ﷿: ﴿* وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٥)، وقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)﴾ (^٦)، فأخَّبر أنه لولا أن يكون الناس مجتمعين على الكفر لم يبسط لهم الرزق، ولم يجعل للكافرين سقفًا من فضة، فما أنكرتم من أنه لو لم يرد أن يكونوا
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من هـ. ج.
(٢) إشارة من قوله -تعالى-: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ يونس: الآية ٩٠
(٣) ما بين القوسين التصحيح من ب. و، وفي باقي النسخ الحقوق وما أثبته أصح وأوضح.
(٤) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» [و(أوتيت] زيادة. و. ولامحل لها.
(٥) سورة الشورى، جزء من آية: [٢٧].
(٦) سورة الزخرف، جزء من آية: [٣٣].
[ ٥٠٤ ]
كافرين (^١) ما خلقهم، مع علمه أنه (^٢) إذا خلقهم كانوا كافرين، كما أنه لو أراد أن يكون الناس مجتمعين على الكفر (^٣) لم يجعل للكافرين سقفًا من فضة ومعارج عليها يظهرون؛ لئلا يكونوا (^٤) جميعًا على الكفر منطبقين. [إذا كانوا في معلومة أنه لو لم يفعل ذلك لكانوا جميعًا على الكفر منطبقين] (^٥).
_________________
(١) في ب. لو لم يرد أن يكفر الكافرين.
(٢) في ب. بأنه.
(٣) في ب. لو أراد أن يكون الناس على الكفر مجتمعين.
(٤) في ب. و. يكون.
(٥) ما بين القوسين زيادة من ب، و
[ ٥٠٥ ]