١ - يقال للقدرية: هل يجوز أن يعلَّم الله ﷿ عباده شيئًا لا يعلمه؟ فإن قالوا: لا يُعلِّم الله عباده شيئًا إلا وهو عالم به. قيل لهم: فكذلك لا يُقدِرهم على شيء إلا وهو عليه قادر، فلابد من الإجابة إلى ذلك. فيقال لهم: فإذا [قدربعضهم] (^١) على الكفر فهو قادر [على] (^٢) أن يخلق الكفر بهم (^٣) وإذا قدر على خلق الكفر [لهم] (^٤) فلِمَ أثبتم أن يخلق كفرهم فاسدًا باطلًا متناقضًا (^٥) وقد قال الله (^٦) تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (^٧)، وإذا كان الكفر مما أراد الله فقد فعله وقَدَّرَهُ.
٢ - [مسألة] (^٨) [ويُرَدِّ] (^٩)
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من. و. وفي النسخة المعتمدة «أ» قررهم. وفي. ب. أقررهم وفي. جـ. هـ. قرهم وفي نسخة فوقية قدّرهم ص ١٨١.
(٢) ما بين القوسين لضبط المعنى.
(٣) في و. ب. لهم.
(٤) ما بين القوسين زيادة من ب، و
(٥) في. ب. و. متناقضًا باطلًا ..
(٦) لفظ الجلالة ساقط من. و.
(٧) سورة هود، آية: [١٠٧]، وسورة البروج، آية: [١٦].
(٨) ما بين القوسين زيادة. و.
(٩) ما بين القوسين زيادة مني لضبط المعنى
[ ٥٠٦ ]
عليهم باللطف (^١) (^٢)
_________________
(١) في. و. ب. في اللطف.
(٢) اللطف: اختلف في معناه فقال القاضي عبدالجبار: هو كل ما يختار عنده المرء الواجب، ويتجنب القبيح، أو يكون عنده أقرب إما إلى اختيار الواجب، أو ترك القبيح. انظر شرح الأصول الخمسة ص ٥١٩. ومعنى كلامه أن اللطف هو كل ما يحمل الإنسان إلى اختيار الواجبات، وترك المنهيات، أو يكون بسبب أقرب إلى اختيار المأمورات، أو ترك المنهيات. وقال الإيجي أن اللطف فسر بأنه: الذي يقرب العبد إلى الطاعة، ويبعده عن المعصية. انظر المواقف ص ٣٢٨ وشرح الجلال الدواني على العضدية ٢/ ١٨٩ وحاشية الكلنبوي ٢/ ١٨٩ وشرح المقاصد للتفتازاني ٤/ ٣١٣. ومعنى هذا أن العبد المكلف أمامه واجبات عليه أن = = يؤديها، وقبائح يجب عليه اجتنابها، فيجب على الله أن يفعل ما به يكون العبد أقرب إلى الطاعة، وأبعد عن المعصية، من غير أن يضطره هذا الفعل إلى عمل الطاعة، أو اجتناب المعصية. انظر: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى ص ١١٣، ويرى أكثر المعتزلة أن اللطف واجب على الله، وإذا لم يفعل ما يقرب العبد إلى الطاعة ويبعده عن المعصية لم يكن قد أتى بما يجب عليه تِجَاه عبيده. انظر المعتزلة وأصولهم الخمسة ص ١٩٣ - ١٩٥. وقال القاضي عبدالجبار: وإنما قلنا في اللطف إنه واجب لابد منه؛ لأنه تعالى إذا قصد بالتكليف تعريض المكلف للثواب، وعلم أنه لا يتعرض للوصول إليه إلا عند أمر لولاه لكان لا يتعرض، فلو لم يفعله لنقض ذلك =
[ ٥٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = =الغرض الذي له كلفه، كما أن أحدنا لو كان غرضه من زيد إذا دعاه إلى طعامه أن يحضره فيأكل طعامه، وعلم أنه لا يختار ذلك إلا عند اللطف في المسألة، فلو لم يفعله لنقض ذلك الغرض الذي دعاه إلى طعامه، ويحل بإخلائه بذلك محل أن يمنعه من نفس تناول الطعام، وكذلك لو لم يفعل تعالى اللطف الذي ذكرناه كان بمنزلة ألا يمكن العبد مما كلفه من قبح التكليف. انظر متشابه القرآن ص ٧١٩. وهذا يدل على أن المعتزلة قد أوجبوا على الله بسخافات عقولهم أن يفعل ما يقرب العبد إلى الطاعة، ويبعده عن المعصية، وإذا لم يفعل ذلك لم يؤد ما عليه، وأما الأشاعرة فإنهم لم يوجبوا على الله اللطف، وذلك بناء على قولهم في الحسن والقبح، وأنهما شرعيان، وأن الإيجاب إنما يكون بالشرع لا بالعقل، ولم يأت في الشرع ما يدل على وجوب اللطف على الله، واحتجوا على المعتزلة بأنه لو كان اللطف واجبًا للزم أن يكون في كل عصر نبي، وفي كل بلد معصوم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولكان علماء الأطراف مجتهدين متقين؛ إذ لا شك أن الطاعة بذلك أقرب وأسهل. انظر المواقف ص ٣٢٨ - ٣٢٩، وحاشية الكلنبوي ٢/ ١٩٠. فلما لم يكن ذلك كذلك دل على أن اللطف ليس واجبًا على الله. وأما أهل السنة فإنهم يثبتون اللطف من الله لمن شاء من خلقه، لكنهم لا يعتبرونه واجبًا كما ترى المعتزلة، بل هو تفضل منه ﷾، وهو ما يسمى بالتوفيق إلى فعل الخير، واجتناب الشر. ومما يدل على أنه تفضل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة النساء: ٨٣]. فهذا الفضل الذي فعله الله بالمؤمنين، والذي بسببه لم يتبعوا الشيطان؛ هو اللطف. وقال تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ سورة الصافات: آية ٥٥، ٥٦، ٥٧، فهذه النعمة التي بسببها نجى المؤمن من النار هي اللطف، وأمثال هاتين الآيتين كثير، وهو - كما قلنا - ليس بواجب. انظر: مدارج السالكين جـ ١ ص ٩٤، ٤١٤، ٤١٦، والإبانة ص ١٨٣. يقول ابن تيمية: «… وأهل السنة متفقون على أن العباد لا يوجبون على الله شيئًا». اقتضاء الصراط المستقيم ص ٤٠٩. وقد مثل ابن القيم - ﵀ - التوفيق وعدمه أو اللطف وعدمه؛ بملك أرسل إلى أهل بلد من بلاده رسولًا وكتب معه إليهم كتابًا يعلمهم أن العدو مصبّحهم عن قريب، ومجتاحهم ومخرب البلد، ومهلك من فيها. وأرسل إليهم أموالًا ومراكب وزادًا وعدة وأدلة وقال: ارتحلوا مع هؤلاء الأدلة، وقد أرسلت إليكم جميع ما تحتاجونه، ثم قال لجماعة من مماليكه: اذهبوا إلى فلان وفلان فخذوا بأيديهم ولا تذروهم يقعدون، وذروا من عداهم. فإنهم لا يصلحون أن يساكنوني في بلدي، فذهب خواص مماليكه إلى من أمروا بحملهم، فلم يتركوهم يقرون، بل حملوهم وساقوهم إلى الملك فاجتاح العدو من بقي في المدينة وقتلهم، وأسر من أسر. فهل يعد الملك ظالمًا لهؤلاء أم عادلًا فيهم؟ نعم. خص أولئك بإحسانه وعنايته وحرمها من عداهم؛ إذ لا يجب عليه التسوية بينهم في فضله وإكرامه؛ بل ذلك فضله يؤتيه من يشاء. مدارج السالكين ج ١ ص ٤١٥. فعلى ذلك: اللطف عند أهل السنة، إنما هو فضل من الله يؤتيه من شاء من عباده بسببه يتجه إلى الخير، ويبتعد وينجو من كل شر. والله أعلم. انظر: المعتزلة وأصولهم الخمسة ص ١٩٧.
[ ٥٠٨ ]
[يقال لهم] (^١): أليس الله ﷿ قادرًا على أن يخلق (^٢) [لخلقه] (^٣) من بسط الرزق ما لو فعله بهم لبغوا في الأرض؟ وأن يفعل بهم ما لو فعله بالكفار لكفروا؟ كما قال: ﴿* وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٤) وكما قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٢) في ب. و. أن يفعل.
(٣) ما بين القوسين التصحيح من جـ. هـ. وفي باقي النسخ بخلقه.
(٤) سورة الشورى، جزء من آية: [٢٧].
[ ٥٠٩ ]
سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ الآية (^١): فلابد من نعم. يقال لهم: فما أنكرتم من أنه قادر أن يفعل بهم لطفًا لو فعله بهم لآمنوا أجمعين، كما أنه قادر أن يفعل بهم أمرًا لو فعله بهم لكفروا كلهم.
٣ - مسألة أخرى: ويقال لهم: أليس قد قال الله ﷿: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٢)، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ (^٣) وقال: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ (^٤)، يعني وسط الجحيم: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (^٥)، ما الفضل الذي فعله بالمؤمنين الذي لو لم يفعله لاتبعوا الشيطان؟ ولو لم يفعله ما زكى منهم من أحد أبدًا؟ وما النعمة التي لو لم يفعلها لكانوا من المحضرين؟ وهل ذلك شيء (^٦) لم يفعله بالكافرين وخص به المؤمنين؟ فإن قالوا: نعم، تركوا قولهم، وأثبتوا لله ﷿ نعمًا وفضلًا على المؤمنين ابتدأهم بجميعه، لم ينعم بمثله على
_________________
(١) سورة الزخرف، جزء من آية: [٣٣].
(٢) سورة النساء، جزء من آية: [٨٣].
(٣) سورة النور، جزء من آية: [٢١].
(٤) سورة الصافات، جزء من آية: [٥٥].
(٥) سورة الصافات، جزء من آية: [٥٦ - ٥٧].
(٦) ساقط من. و.
[ ٥١٠ ]
الكافرين، وصار لنا (^١) القول بالحق. وإن قالوا قد فعل ذلك أجمع بالكافرين كما (^٢) فعله بالمؤمنين قيل لهم (^٣). فإذا كان الله ﷿ قد فعل ذلك أجمع بالكافرين، فلمْ يكونوا زاكين، وكانوا للشيطان متبعين، وفي النار محضرين. وهل يجوز أن يقول للمؤمنين: لولا أني خلقت لكم أيدٍ وأرجل لكنتم للشيطان متبعين؟ [وهو قد خلق الأيدي والأرجل للكافرين وكانوا للشيطان متبعين] (^٤).
فإن قالوا: لا يجوز ذلك. قيل لهم: وكذلك لا يجوز ما قلتموه. وهذا يبين أن الله ﷿ اختص المؤمنين من النعم والتوفيق والتسديد بما لم يؤت (^٥) الكافرين، وفضّل عليهم المؤمنين.
٤ - مسألة في الاستطاعة (^٦): ويقال لهم: أليست استطاعة الإيمان نعمة
_________________
(١) وفي ب. وصاروا إلى القول بالحق.
(٢) ب. د [لما].
(٣) في. ب. فعل.
(٤) ما بين القوسين زيادة من. ب. و.
(٥) في ب. و. يعط.
(٦) الاستطاعة لغة: عرض يخلقه الله في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية وهي متقاربة المعنى مع القدرة، والقوة، والوسع، والطاقة لغة. انظر: التعريفات للجرجاني ١٢. وأما في اصطلاح المتكلمين: فهي عبارة عن صفة بها يتمكن الحيوان من الفعل والترك، كما بين ذلك الجرجاني ص ١٢. قال شيخ الإسلام: «واحتجاجهم بقصة أبي لهب حجة باطلة؛ فإن الله أمر أبا لهب بالإيمان قبل أن تنزل السورة، فلما أصر وعاند استحق الوعيد، كما استحق قوم نوح حين قيل له: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، وحين استحق الوعيد أخبر الله بالوعيد الذي يلحقه. ولم يكن حينئذ مأمورًا أمرًا يطلب به منه ذلك، والشريعة طافحة بأن الأفعال المأمور بها مشروطة بالاستطاعة والقدرة. مجموع الفتاوى ٨/ ٤٣٨. فمن قال: إن الله أمر العباد بما يعجزون عنه إذا أرادوه إرادة جازمة فقد كذب على الله ورسوله، وهو من المفترين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ قال أبو قلابة: هذا لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة. لكن مع قوله ذلك فيجب أن تعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه ما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن، وأن الله خالق كل شيء فهو خالق العباد وقدرتهم وإرادتهم وأفعالهم، فهو رب كل شيء ومليكه لا يكون شيء إلا بمشيئته= = وإذنه وقضائه وقدره وقدرته، وفعله. انظر مجموع الفتاوى ٨/ ٤٣٩ - ٤٤٠ باختصار. وللمزيد انظر: مجموع الفتاوى ٨/ ٣٧١، ٣٧٢، ٤٣٧، ٤٣٨، والفصل ٢/ ٦٢، والمقالات ص ١٨٢، ٢٢١، والقضاء والقدر لعبد الرحمن المحمود ص ٢٦٥ - ٢٧١، دفع إيهام التعارض للشيخ خالد الدميجي ص ٣٤٤، رسالة لم تطبع بعد، وقد ضل في مسألة الاستطاعة فرق وطوائف كالمعتزلة. انظر شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص ٣٩٨، والمختصر في أصول الدين ١/ ٢١٦ والحيوان للجاحظ ٢/ ١٩٠.
[ ٥١١ ]
من الله ﷿ فضلًا وإحسانًا؟ فإذا قالوا: نعم. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون توفيقًا وتسديدًا. فلابد من الإجابة إلى ذلك. يقال (^١) لهم: فإذا كان الكافرون قادرين على الإيمان فما أنكرتم أن يكونوا (موفَّقين للإيمان، ولو كانوا موفَّقين مسدَّدين لكانوا ممدوحين، وإذا لم يجز ذلك لم يجز أن يكونوا) (^٢) على الإيمان قادرين، وجب (^٣) أن يكون الله ﷿ اختص بالقدرة على الإيمان المؤمنين.
_________________
(١) في. ب. قيل.
(٢) مابين القوسين ساقط من و.
(٣) في ب. و. ووجب.
[ ٥١٢ ]
٥ - مسألة أخرى: (يقال لهم: لو كانت القدرة على الكفر قدرة على الإيمان فقد رّغبَ الله [في] (^١) أن يُقدِره (^٢) على الكفر، فلما رأينا المؤمنين يرغبون إلى الله ﷿ في قدرة الإيمان، [ويزهدون] (^٣) في قدرة الكفر علمنا أن الذي رغبوا فيه غير الذي [زهدوا] (^٤) فيه) (^٥).
٦ - مسألة أخرى: ويقال لهم: أخبرونا عن قوة الإيمان أليست فضلًا من الله ﷿؟ فلابد من نعم. يقال لهم: فالتفضل أليس هو ما للمتفضل أن [لا] (^٦) يتفضل به. وله أن يتفضل به؟ فلابد من الإجابة إلى ذلك، لأن ذلك هو الفرق بين الفضل وبين الاستحقاق. ويقال لهم: وللمتفضل إذا أمر بالإيمان أن يرفع التفضل ولا يتفضل به فيأمرهم بالإيمان، وإن لم يعطهم قدرة على الإيمان وخذلهم وهذا هو قولنا ومذهبنا.
٧ - جواب: ويقال لهم: هل يقدر الله على توفيق يوفق به الكافرين
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من. ج.
(٢) في ب. و. فقد رغب إليه في أن تقدره على الكفر.
(٣) ما بين القوسين تصحيحٌ من. ب. و. وفي باقي النسخ يزيدون وهذا خطأ بين.
(٤) ما بين القوسين تصحيح من. ب. و. وفي باقي النسخ يزيدون وهذا خطأ بين.
(٥) ما بين القوسين ساقط من هـ.
(٦) ما بين القوسين زيادة من ب، و
[ ٥١٣ ]
حتى يكونوا مؤمنين؟ فإن قالوا: لا. نطقوا بتعجيزهم (^١) الله ﷿، تعالى [الله] (^٢) عن ذلك علوًا كبيرًا. وإن قالوا: نعم، يقدر على ذلك، ولو فعل بهم التوفيق لآمنوا، تركوا قولهم، وقالوا بالحق.
٨ - مسألة: وإن سألوا عن قول الله ﷿: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (^٣) وعن قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ (^٤).
قيل لهم: معنى ذلك أنه لا يريد أن يظلمهم؛ لأنه قال: [وما الله يريد ظلمًا لهم، ولم يقل: لا يريد ظلم بعضهم لبعض، فلم يرد أن يظملهم] (^٥) (وإن كان أراد ظلم بعضهم لبعض، أي فلم يرد أن يظلمهم) (^٦) وإن كان أراد أن يتظالموا.
٩ - مسألة: وإن سألوا عن قول الله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ (^٧) قالوا: والكفر متفاوت فكيف يكون من خلق الله؟
_________________
(١) في ب. و: بتعجيز.
(٢) ما بين القوسين زيادة من. ب. و. وفي النسخة المعتمدة «أ» ذلك. بدلًا من لفظ الجلالة.
(٣) سورة غافر، آية: جزء من [٣١].
(٤) سورة آل عمران، جزء من آية: [١٠٨].
(٥) ما بين القوسين زيادة من ب. و. هـ.
(٦) ما بين القوسين ساقط من هـ.
(٧) سورة الملك، جزء من آية:
[ ٥١٤ ]
١٠ - الجواب: عن ذلك أن الله ﷿ قال: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (^١) فإنما عنى ما ترى في السموات من فطور (^٢)؛ لأنه ذكر خلق السموات ولم يذكر الكفر، وإذا كان هذا على ما قلنا بطل ما قالوه، والحمد لله رب العالمين.
١١ - جواب (^٣): ويقال لهم: هل تعرفون لله ﷿ نعمة على أبي بكر الصديق ﵁ خُصَّ بها دون أبي جهل (^٤) ابتداءً؟ فإن قالوا: لا، فَحُشَ قولُهم. وإن قالوا: نعم، تركوا مذهبهم؛ لأنهم لا يقولون: إن الله خص المؤمنين في الابتداء بما لم يخص به الكافرين.
_________________
(١) سورة الملك، الآيتان: [٣ - ٤].
(٢) فطور: أي شقوق وصدوع. والفطر: الشِقْ قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ أي: انشقت وفي الحديث: «قام ﷺ حتى تفطرت قدماه» أي: انشقتا. انظر في معنى الآية: تفسير البغوي عند تفسيره للآية ٣ من سورة الملك ٨/ ١٧٦، وانظر: لسان العرب مادة (فطر) ٥/ ٥٥.
(٣) في. و. مسألة.
(٤) أبو جهل: هو أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أشد الناس عدواة للنبي -ﷺ- في صدر الإسلام، وأحد سادات قريش ودهاتها في الجاهلية. كان من قتلى بدر في السنة الثانية من الهجرة. انظر: «الكامل» لابن الأثير (١/ ٢٣)، و«الأعلام» للزركلي (٥/ ٨٧).
[ ٥١٥ ]
١٢ - مسألة: [وإن سألوا] (^١) عن قول الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ (^٢) فقالوا: هذه الآية تدل على أن الله ﷿ (لم يخلق الباطل. والجواب عن ذلك: أن الله ﷿) (^٣) أراد بذلك (^٤) [تكذيب] (^٥) المشركين الذين قالوا: لا حشر ولا نشور ولا إعادة، فقال تعالى: ما خلقت ذلك ولا أثيب (^٦)، من أطاعني ولا أعاقب من عصاني، كما ظن الكافرون أنه لا حشر ولا نشور ولا ثواب ولا عقاب. ألا تراه قال: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (^٧) وبين ذلك بقوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (^٨) أي لا يسوين (^٩) بينهم في أن نفسهم (^١٠) أجمعين. ولا نعذبهم (^١١)
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من هـ. جـ. و.
(٢) سورة ص، جزء من آية: [٢٧].
(٣) ما بين القوسين ساقط من هـ.
(٤) ساقط من ب. و.
(٥) ما بين القوسين زيادة من. ب. و.
(٦) في هـ. ب. و. ج: وأنا لا أثيب.
(٧) سورة ص، جزء من آية: [٢٧].
(٨) سورة ص، جزء من آية: [٢٨].
(٩) وفي باقي النسخ لا يسوي.
(١٠) في. ب. ونفنيهم.
(١١) في ب. وولا نعيدهم.
[ ٥١٦ ]
فيكون سبيلهم سبيلًا واحدًا.
١٣ - [مسألة:] (^١) وسألوا عن قول الله ﷿: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (^٢).
والجواب عن ذلك: أن الله ﷿ قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ يعني الخصب والخير، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يعني الجدوبة والقحط والمصائب، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي لشؤمك (^٣). قال الله ﷿ (^٤) [يا محمد] (^٥): ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (^٦) في قولكم: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (^٧)، فحذف (^٨) قولهم؛ لأن ما تقدم من الكلام يدل عليه؛ لأن القرآن لا يتناقض. ولا يجوز أن يقول في آية: إن الكل من عند الله، ثم يقول في الآية الأخرى التي تليها: إن الكل
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٢) سورة النساء، جزء من آية: [٧٩].
(٣) في جـ. و. هـ. يشؤمك.
(٤) ساقط من باقي النسخ.
(٥) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٦) سورة النساء، جزء من آية: [٧٨].
(٧) سورة النساء، جزء من آية: [٧٩].
(٨) في. و. زيادة كلمة: في قولهم. ولا محل لها.
[ ٥١٧ ]
ليس من عند الله، على (^١) أن ما أصاب الناس هو غير ما أصابوه، وهذا يبين بطلان تعلقهم بهذه الآية، ويوجب عليهم الحجة.
١٤ - مسألة: وإن سألوا عن قول الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (^٢)، فالجواب عن ذلك: أن الله ﷿ إنما عنى المؤمنين دون الكافرين؛ لأنه أخبرنا أنه ذرأ لجهنم كثيرًا من خلقه، فالذين خلقهم لجهنم وأحصاهم وعدَّهم وكتبهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وأسماء (^٣) أمهاتهم غير الذي (^٤) خلقهم للعبادة (^٥).
١٥ - مسألة في التكليف (^٦): ويقال لهم: أليس قد كلف الله ﷿
_________________
(١) في. جـ. هـ. الذين.
(٢) سورة الذاريات، جزء من آية: [٥٦].
(٣) ساقط من ب. و.
(٤) ساقط من. ب. و.
(٥) في. ب. هـ. لعبادته.
(٦) قال شيخ الإسلام - ﵀ - إن إطلاق القول بتكليف مالا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام. انظر القدر لابن تيمية ص ٢٩٧. وذكر الدكتور المحمود في كتابه القضاء والقدر ما يلي: «ذهب أهل السنة إلى أن التكليف بما لا يطاق على وجهين: أحدهما: مالا يقدر على فعله لاستحالته، وهو نوعان: ما هو ممتنع عادة كالمشي على الوجه، والطيران، وكالمعقد الذي لا يقدر على القيام، والأخرس الذي لا يقدر على الكلام، وما هو ممتنع في نفسه كالجمع بين الضدين، وجعل المحدث قديمًا، والقديم محدثًا، ونحو ذلك، فهذا قد اتفق حملة الشريعة على أن مثل هذا ليس بواقع في الشريعة، وأنه لا يجوز تكليفه؛ وذلك = = لأن عدم الطاقة فيه ملحقة بالممتنع والمستحيل، وذلك بموجب خروجه عن المقدور فامتنع تكليف مثله. والثاني: مالا يقدر عليه، لا لاستحالته، ولا للعجز عنه، لكن لتركه والاشتغال بضده، مثل تكليف الكافر الإيمان في حال كفره، فهذا جائز خلافًا للمعتزلة؛ لأنه من التكليف الذي اتفق المسلمون على وقوعه في الشريعة، وهو أمر العباد كلهم بما أمرهم الله به ورسله من الإيمان به واتقائه، لكن هل يطلق على هذا بأنه تكليف مالا يطاق؟ جمهور أهل العلم منعه، وهو الراجح. انظر القضاء والقدر ص ٢٢٧. وقد خالفت في المسألة طوائف كالمعتزلة وغيرهم. انظر في المسألة درء التعارض ١/ ٦٤ - ٦٥. وشرح الأصول الخمسة ص ٣٩٦. ومعالم أصول الدين للرازي ص ٨٥.
[ ٥١٨ ]
الكافرين أن يسمعوا (^١) الحق ويقبلوه ويؤمنوا بالله؟ [وقد كلفهم استماع الحق] (^٢) فلابد من نعم.
يقال (^٣) لهم: فقد قال الله ﷿: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ (^٤) وقال: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ (^٥)، وقد كلفهم استماع الحق.
_________________
(١) في. ب. أن يستمعوا.
(٢) ما بين القوسين زيادة من. و.
(٣) وفي. و. فياقل.
(٤) سورة هود، جزء من آية: [٢٠].
(٥) سورة الكهف، جزء من آية: [١٠١].
[ ٥١٩ ]
١٦ - جواب (^١): ويقال لهم: أليس قد قال الله ﷿: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (^٢)، أليس قد (^٣) أمرهم ﷿ بالسجود في الآخرة؟ وجاء في الخبر: «أن المنافقين يجعل في أصلابهم (^٤) [كا] (^٥) الصياصي (^٦) فلا يستطيعون السجود» (^٧)،
_________________
(١) وفي. و. مسئلة.
(٢) سورة القلم، آية: [٤٢].
(٣) ساقط من هـ.
(٤) الأصلاب جمع صلب وهو الظهر. انظر لسان العرب ١/ ٥٢٧ مادة (صلب).
(٥) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٦) ومعنى صياصي أي صياصي البقر قال ابن الأثير: أي قرونها وشبه الفتنة بها لشدتها وصعوبة الأمر فيها. وكل شيء امنتع به وتحصن به فهو صيصية. ومنه قيل للحصون "الصياصي" وقيل: شبه الرماح التي شرع في الفتنة وما يشبهها من سائر السلاح بقرون بقر مجتمعة. … = = انظر النهاية في غريب الحديث ٣/ ٦٢ مادة (صير)، وأورد قريبًا من هذا ابن منظور في لسان العرب في مادة (صيا) ١٤/ ٤٧٤
(٧) هذا الخبر أورده ابن جرير الطبري في تفسيره، عن عبدالله بن مسعود -﵁-، قال: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلًا من ربكم الذي خلقكم، ثم صوركم، ثم رزقكم، ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى؟ فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا يعبدونها، فيتبعونها توردهم النار، ويبقى أهل الدعوة، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ ذهب الناس، فيقولون: ننتظر أن ينادى بنا، فيجيء إليهم في صورة، قال: فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، قال: فيخرون سجدًا إلا المنافقين، فإنه يصير فقار أصلابهم عظمًا واحدًا مثل صياصي البقر، فيقال لهم: ارفعوا رءوسكم إلى نوركم، ثم ذكر قصة فيها طول. انظر تفسير جامع البيان في تأويل القرآن للطبري ١٢/ ١٩٨ برقم (٣٤٦٨١)، كما أورده البغوي عند تفسير سورة القلم آية رقم (٤٢) ٨/ ٢٠٠، وجاء في معنى الآية في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا"، أخرجه البخاري في صحيحه ك: التفسير ب: قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ حديث رقم (٤٩١٩)، وك: التوحيد ب: قوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ حديث رقم (٧٤٣٩)، ومسلم ك: الإيمان ب: معرفة طري الرؤية حديث رقم (١٨٣)، وقال الإمام النووي: " طبقة" بفتح الطاء والباء قال الهروي وغيره: الطبق فقار الظهر أي صار فقارة واحدة كالصحيفة فلا يقدر على السجود، والله أعلم. انظر شرح صحيح مسلم للنووي ص ٢٢٢ عند شرحه لحديث رقم (١٨٣)، وأورد الطبري في تفسيره عن عبدالله قال: " ويبقى المنافقون ظهورهم طبق واحد، كأنما فيها السفافيد، وعن قتادة قال: " يسجد المؤمنون ولا يستطيع المنافق أن يسجد وأحسبه قال تقسو ظهورهم"، انظر تفسير الطبري ١٢/ ٢٠١، ١٩٨ بأرقام (٣٤٦٩٦، ٣٤٦٨٠)، وجاء في بعض النسخ بدل الصياصي لفظة الصفائح وهي: نوع من الحجارة رقاق عراض صلبة. انظر لسان العرب ٢/ ٥١٣ مادة (صفح).
[ ٥٢٠ ]
[و] (^١) في هذا تثبيت ما نقوله من أنه لا يجب لهم على الله ﷿ إذا
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من. ب. و.
[ ٥٢١ ]
أمرهم [أن] (^١) يقدرهم، وهو بطلان قول القدرية.
١٧ - مسألة في إيلام الأطفال (^٢): ويقال لهم: أليس قد آلم الله ﷿ الأطفال في الدنيا بآلام أوصلها إليهم؟ كنحو جُذامٍ (^٣) (^٤) الذي يَقْطعُ أيديهم وأرجلهم وغير ذلك [مما يؤلمهم به] (^٥)، وكان ذلك سائغًا (^٦) جائزًا. فإذا قالوا: نعم.
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٢) وذلك لأن المعتزلة اختلفوا في مسألة إيلام الأطفال على أقوال: أ- فقال قائلون منهم - أي المعتزلة-: الله يؤلمهم لا لعلة، ولم يقولوا: إنه يعوضهم عن إيلامه إياهم، وأنكروا ذلك، وأنكروا أن يعذبهم في الآخرة. ب- وقال أكثرهم - أي المعتزلة-: إن الله - سبحانه -: - يؤلمهم عبرة للبالغين، ثم يعوضهم، ولولا أنه يعوضهم لكان إيلامه إياهم ظلمًا. … = = ج- وقال أصحاب اللطف: إنه آلمهم ليعوضهم، وقد يجوز أن يكون إعطاؤه إياهم ذلك العوض من غير ألم أصلح، وليس عليه أن يفعل الأصلح. انظر المقالات ص ٢٠٢، وانظر ص ٢٢٢، كذلك خالف الروافض. انظر المقالات ص ٦١ تحت باب قولهم في ألم الأطفال في الدنيا، وانظر شرح الأصول الخمسة ٤٨٣، وهناك قول لبعض الخوارج. انظر المقالات ص ١١٠.
(٣) في. و. الجذام.
(٤) الجذام: من الداء ومصدر الأجذَم اليد وقيل: هو الذي ذهبت أصابع كفيه، وقيل: هو الذي ذهبت أنامله، وقيل هو مقطوع اليد. انظر لسان العرب مادة (جذم) ١٢/ ٨٧
(٥) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» مما لم يؤلمهم به. وهذا خطأ بين.
(٦) في ب. و. سابقًا، وهذا تصحيف.
[ ٥٢٢ ]
قيل لهم: فإذا كان هذا عدلًا فما أنكرتم أن يؤلمهم في الآخرة، ويكون ذلك منه عدلًا. فإن قالوا: آلمهم في الدنيا ليعتبر بهم الآباء.
(قيل لهم: فإذا فعل بهم ذلك في الدنيا ليعتبر بهم الآباء) (^١)، وكان ذلك منه عدلًا فلم لا يؤلم أطفال الكافرين في الآخرة ليغيظ بذلك آباءهم ويكون ذلك منه عدلًا؟، وقد قيل في الخبر: «إن الأطفال تؤجج لهم [نار] (^٢) يوم القيامة، ثم يقال لهم: اقتحموها، فمن اقتحمها ادخل (^٣) الجنة، ومن لم يقتحمها أدخل (^٤) النار» (^٥).
مسئلة (^٦): وقد قيل في الأطفال، وقد (^٧) روي عن النبي -ﷺ-: «إن شئت أسمعتك (^٨) ضغاءهم (^٩) في النار» (^١٠).
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من هـ.
(٢) ما بين القوسين، زيادة من باقي النسخ.
(٣) في ب. هـ. و. دخل.
(٤) في ب. و. أدخله.
(٥) تقدم تخريجه، انظر ص ٤٨٠.
(٦) ساقط من. و.
(٧) ساقط من ب. و.
(٨) ما بين القوسين التصحيح من مصادر الحديث الأصلية حيث وجدت في النسخ أخطاء واضحة في نقل النص، ففي النسخة المعتمدة «أ» وفي: و. ج. هـ. إسماعيل صغارهم. وفي ب. و: إسمعيل ضغاهم في النار.
(٩) ضغاءهم: أي صياحهم وبكاءهم. انظر النهاية في غريب الحديث ٣/ ٨٤.
(١٠) الحديث ضعيف جدًا: أخرجه أحمد (٤٢/ ٤٨٤) حديث رقم (٢٥٧٤٣)، وابن الجعد في «مسنده» (٢٩٦٩) من حديث أبي عقيل يحيى بن المتوكل، عن بُهيَّة عن عائشة أنها ذكرت لرسول الله -ﷺ- أطفال المشركين، فقال: «إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار». قال الهيثمي: «رواه أحمد، وفيه أبو عقيل يحيى بن المتوكل: ضعفه جمهور الأئمة، أحمد، وغيره، ويحيى بن معين، ونقل عنه توثيقه في رواية من ثلاثة. «مجمع الزوائد» (٧/ ٢١٧). قلت: وأبو عقيل: ضعيف. قال أحمد بن حنبل: «أحاديثه عن بهية عن عائشة منكرة، لم يرو عن بهية ما روي عنها إلا هو، وهو واهي الحديث» «الكامل في الضعفاء» (٧/ ٢٠٦). وبهية مولاة عائشة: لا تعرف، كما في «تقريب التهذيب» (٧٤٤)، وقال ابن عدي في الكامل «وهذه الأحاديث بأبي عقيل عن بهية غير محفوظة». انظر الكامل (٧/ ٢٦٦٤) وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح ونقل قول أحمد بأن يحيى بن متوكل يروى عن بهية أحاديث منكرة وهو واهي الحديث. انظر العلل المتناهية (١٥٤١)، وقال ابن حجر: ضعيف جدا؛ لأن في إسناده أبا عقيل وهو متروك. انظر الفتح ٣/ ٢٤٦، وقال ابن عبدالبر لا يحتج بمثله عند أهل العلم بالنقل انظر التمهيد ١٨/ ١٢٢ وقال العلامة الألباني: «موضوع». «السلسلة الضعيفة» (٣٨٩٨)، وقال شعيب: إسناده ضعيف؛ لضعف أبي عقيل يحيى بن متوكل؛ ولجهالة بهية. انظر الموسوعة (٤٢/ ٤٨٥).
[ ٥٢٣ ]
١٨ - جواب (^١): ويقال لهم: أليس قد قال الله [تبارك و] (^٢) تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ (^٣) وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا
_________________
(١) وفي. و. مسألة.
(٢) ما بين القوسين زيادة من و. وفي باقي النسخ قال الله - تعالى -.
(٣) أبو لهب: هو عدو الله أبو عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم، من قريش، عمّ رسول الله ﷺ وأحد الأشراف الشجعان في الجاهلية، ومن أشد الناس عداوة للمسلمين في الإسلام، كان غنيًا عتيًا، كبر عليه أن يتبع دينًا جاء به ابن أخيه، فآذى أنصاره وحرض عليهم وقاتلهم. وفيه الآية ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾، وكان أحمر الوجه، مشرقًا، فلقب في الجاهلية بأبي لهب، مات بعد وقعة بدر بأيام ولم يشهدها. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي ١/ ٨٤ و١٦٩، والروض الأنف ١/ ٢٦٥ ثم ٢/ ٧٨ و٧٩.
[ ٥٢٤ ]
ذَاتَ لَهَبٍ﴾ (^١) (^٢) وأمره مع ذلك بالإيمان، فأوجب عليه أن يعلم أنه لا يؤمن، وأن الله صادق في إخباره عنه أنه لا يؤمن. وأمره مع ذلك أن يؤمن ولا يجتمع الإيمان والعلم بأنه لا يكون ولا يقدر القادر على أن يؤمن وأن يعلم أنه لا يؤمن، وإذا كان هذا هكذا، فقد أمر الله سبحانه أبا لهب بما لا يقدر عليه، لأنه أمره أن يؤمن وهو (^٣) يعلم أنه لا يؤمن.
١٩ - مسألة: ويقال لهم: أليس أمَرَ الله ﷿ بالإيمان من علم أنه لا يؤمن؟ فمن قولهم: نعم، يقال لهم: فأنتم قادرون على الإيمان ويتأتى
_________________
(١) سورة المسد، آية: [١ - ٣].
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: واحتجاجهم بقصة أبي لهب حجة باطلة؛ فإن الله أمر أبا لهب بالإيمان قبل أن تنزل السورة، فلما أصر وعاند استحق الوعيد، كما استحق قوم نوح حين قيل له: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، وحين استحق الوعيد أخبر الله بالوعيد الذي يلحقه. ولم يكن حينئذ مأمورًا أمرًا يطلب به منه ذلك، والشريعة طافحة بأن الأفعال المأمور بها مشروطة بالاستطاعة والقدرة». مجموع الفتاوى ٨/ ٤٣٨
(٣) في ب. و. وأنه يعلم أنه لا يؤمن.
[ ٥٢٥ ]
لكم ذلك. فإن (^١) قالوا: لا، وافقوا، وإن [قالوا: نعم] (^٢)، زعموا أن العباد يقدرون على الخروج من علم الله، تعالى الله ﷿ عن ذلك علوًا كبيرًا.
٢٠ - [مسألة]: (^٣) الرد على المعتزلة: قال أبو الحسن الأشعري: ويقال لهم: أليس المجوس أثبتوا الشيطان يقدر على الشر الذي لا يقدر الله ﷿ عليه، فكانوا بقولهم هذا كافرين؟ فلابد من (^٤) نعم. يقال لهم: فإذا زعمتم أن الكافرين يقدرون على الكفر، والله ﷿ لا يقدر عليه، فقد زدتم على المجوس في قولهم؛ بذلك [لأنكم] (^٥) تقولون معهم: إن الشيطان يقدر على الشر والله لا يقدر عليه، [فقد زدتم] (^٦) وهذا مما بينه الخبر عن رسول الله -ﷺ-: «إن القدرية مجوس هذه (^٧) الأمة»، وإنما صاروا مجوس هذه الأمة لأنهم قالوا بقول المجوس.
٢١ - مسألة: وزعمت القدرية أنا نستحق اسم القدر؛ لأنا نقول:
_________________
(١) في ب. و. وأن.
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب، و.
(٣) ما بين القوسين زيادة من. و.
(٤) ساقط من. و.
(٥) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٦) ما بين القوسين زيادة من. و.
(٧) سبق تخريجه ص ٤٣٨، (القدرية مجوس الأمة).
[ ٥٢٦ ]
إن (^١) الله -﷿- قدر الشر والكفر. فمن يثبت القدر كان قدريًا دون من لم يثبته.
يقال لهم: القدري هو من يثبت القدر لنفسه دون ربه ﷿، (وأنه يقدر أفعاله دون خالقه، وكذلك هو في اللغة؛ لأن [الصائغ] (^٢) هو من زعم (^٣) أنه (^٤)؛ يصوغ دون من [يقول] (^٥): إنه يصاغ [له] (^٦)، ذكر وأنثى، [والنجار (^٧) هو من يضيف النجارة إلى نفسه دون من زعم أنه (^٨) ينجر له، فلما كنتم تزعمون أنكم تَقْدِرونَ أعمالكم وتفعلونها دون ربكم وجب أن تكونوا قدرية. ولم نكن نحن قدرية، لأنا لم نضف الأعمال إلى أنفسنا دون ربنا ﷿، ولم نقل: إنا نقدرها دونه، وقلنا: يقدر لنا (^٩).
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من. و.
(٢) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» الصانع وهذا خطأ بين.
(٣) ما بين القوسين ساقط من و.
(٤) في و. لأنه.
(٥) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» يقال، وهذا خطأ بين.
(٦) ما بين القوسين زيادة من ب ..
(٧) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٨) وفي. ب. و. هـ من يزعم.
(٩) وفي. ب. وإنها تقدر لنا.
[ ٥٢٧ ]
٢٢ - جواب (^١): ويقال لهم: إذا كان من أثبت التقدير لله ﷿ قدريًا، فيلزمكم إذا زعمتم أن الله ﷿ قدر السموات والأرض وقدر الطاعات أن تكونوا قدرية. فإذا لم يلزم هذا فقد بطل قولكم [وانتقض كلامكم] (^٢).
٢٣ - مسألة في الختم (^٣): يقال لهم: أليس قد قال الله ﷿: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ (^٤)، وقال
_________________
(١) وفي. و. مسألة.
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب. جـ. هـ. و.
(٣) الختم: لغة: الطبع فهو مختوم، والختم على القلب ألا يفهم شيئًا، ولا يخرج منه شيء كأنه طُبع. وفي التنزيل العزيز ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، فلا تفعل شيئًا، ولا تعي شيئًا. والختم والطبع= = في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء والاستيثاق من ألا يدخله شيء. انظر لسان العرب مادة "ختم" ١٢/ ١٦٣. وقد جاء في بيان معنى الختم أقوال شتى فقيل: بأنه على سبيل الجزاء بكفرهم، وصدهم الناس عن دين الله، وهذا بحق الكفار الذين سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون. انظر: معاني القرآن للنحاس ١/ ٨٧، وتفسير البغوي ١/ ٦٥، وفتح القدير ١/ ٣٩، وتفسير القرآن لأبي المظفر السمعاني ١/ ٤٦، وأضواء البيان للشنقيطي ١/ ٥٨، وذلك عند تفسيرهم الآية (٧) من سورة البقرة. وقد ضل في فهم هذه الآية ونظائرها أقوام، فهناك من أول الآية وهم المعتزلة، وقالوا: إن الختم في الآية من باب المجاز؛ لأنهم يقولون بعدم خلق أفعال العباد. فقال الزمخشري: «لا ختم ولا تغشية ثم على الحقيقة وإنما هو من باب المجاز». انظر الكشاف للزمخشري ١٥٥ - ١٦٢ عند تفسيره الآية (٧) من سورة البقرة. وأطنب المعتزلة في تأويل هذه الآية فيما لا مجال لذكره في هذا المختصر. انظر متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار ٢/ ٥١، وتنزيه القرآن عن المطاعن ص ١٤. كما أن الجبرية فهموا أن في معنى الختم ما يسعفهم لإثبات مذهبهم الفاسد القائم على أن العباد مجبورون على أفعالهم. وقد تصدى لهم أئمة أهل السنة، انظر شفاء العليل لابن القيم حيث أفرد في الرد عليهم بابًا كاملًا وهو الباب الخامس ١/ ٢٢٥ - ٢٨١. وانظر شرح أصول الاعتقاد ٤/ ٦٦٤، وانظر جامع البيان ١/ ٢١٢، ودفع إيهام الاضطراب ص ١٠، وانظر دفع إيهام التعارض عن الآيات الواردة في الإيمان بالرسل ٢/ ٣١٨ والقضاء والقدر ص ٣٤٩.
(٤) سورة البقرة، آية: [٧].
[ ٥٢٨ ]
﷿: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (^١). فخبرونا عن الذين ختم [الله] (^٢) على قلوبهم وعلى سمعهم، أتزعمون أنه هداهم وشرح للإسلام صدورهم وأضلهم؟ فإن قالوا: نعم، تناقض (^٣) قولهم.
[وقيل لهم: كيف يكون الصدور مشروحة للإيمان، وهي ضيقة حرجة مختوم عليها] (^٤)؟. وكيف [يجتمعْ] (^٥) [الْقُفْل (^٦) الذي قال الله ﷿:
_________________
(١) سورة الأنعام، آية: [١٢٥].
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب. جـ. هـ. و.
(٣) في ب. و. ويناقض قولهم.
(٤) ما بين القوسين زيادة من و.
(٥) ما بين القوسين زيادة من و.
(٦) ما بين القوسين زيادة من ب. هـ، و. وفي النسخة المعتمدة «أ» فراغ.
[ ٥٢٩ ]
﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (^١) مع الشرح، والضيق مع السعة، والهدى مع الضلال؟ إن كان هذا جائزًا أن يجتمع التوحيد والإلحاد الذي هو ضد التوحيد، والكفر والإيمان معًا في قلب واحد. إن لم يجز هذا لم يجز ما قلتموه. فإن قالوا: الختم والضيق والضلال لا يجوز أن تجتمع (^٢) مع شرح الله الصدر. قيل لهم: وكذلك الهدى لا يجتمع مع الضلال، وإذا كان هكذا فما شرح الله صدور الكافرين للإيمان، بل ختم على قلوبهم، وأقفلها عن الحق، وشدد عليها.
٢٤ - كما دعا نبي الله موسى ﵇ (^٣) على قومه، فقال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (^٤)، قال الله ﷿: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (^٥) وقال ﷿ مخبرًا (^٦) عن الكافرين: إنهم قالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا
_________________
(١) سورة محمد، آية: [٢٤].
(٢) في ب، و، يجتمع.
(٣) في. و: ﵊.
(٤) سورة يونس، آية: [٨٨].
(٥) سورة يونس، آية: [٨٩].
(٦) في ب. و.: يخبر على الكافرين.
[ ٥٣٠ ]
إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ (^١) فإذا خلق [الله] (^٢) الأكنة (^٣) في قلوبهم والقفل والزيغ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (^٤)؛ والختم وضيق الصدر، ثم أمرهم بالإيمان الذي علم أنه لا يكون، فقد أمرهم بما لا يقدرون عليه. وإذا خلق [الله] (^٥) في قلوبهم ما ذكرناه من الضيق عن الإيمان، قيل لا يضيق (^٦) عن الإيمان إلا الكفر الذي في قلوبهم، وهذا بين أن الله خلق كفر [هم] (^٧) ومعاصيهم.
_________________
(١) سورة فصلت، آية: [٥].
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٣) ومعنى: «في أكنة»، أي في أغطية فليست تعي ولا تفقه ما تقول. والوقر هو الصمم فلا تسمع ما تقول والمعنى: إنا في ترك القبول عندك بمنزلة مالا يفهم ولا يسمع وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [سورة فصلت: ٥] أي خلاف في الدين وحاجز في الملة فلا نوافقك على ما تقول، فاعمل أنت على دينك، ونحن سنعمل على ديننا. انظر: معالم التنزيل للبغوي عند تفسير الآية ٥ من سورة فصلت ٧/ ١٦٣، ومعاني القرآن للنحاس ٦/ ٢٤٢.
(٤) سورة الصف، آية: [٥].
(٥) ما بين القوسين زيادة من ب، و.
(٦) في ب. وفحَّل الضيق على الإيمان.
(٧) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
[ ٥٣١ ]
٢٥ - جواب (^١): ويقال لهم: فإن الله ﷿ قال لنبيه ﵇ (^٢): ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (^٣) (^٤) وقال تعالى مخبرًا عن يوسف: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ (^٥)، (^٦).
_________________
(١) وفي و. مسألة.
(٢) في. و: ﵊.
(٣) سورة الإسراء، آية: [٧٤].
(٤) قال ابن كثير عند تفسير الآية: بأن الله تعالى يخبر عن تأييد رسوله صلوات الله عليه وسلامه، وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه؛ بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره، ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه في مشارق الأرض ومغاربها، ﷺ تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. تفسير ابن كثير عند تفسيره للآية ٧٣ - ٧٤ من سورة الإسراء ٩/ ٤٩، وقال البغوي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ على الحق بعصمتنا: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ أي: تميل، ﴿إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ أي: قريبًا من الفعل. فإن قيل: كان النبي ﷺ معصومًا، فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه وما طلبوه كفر؟. قيل: كان ذلك خاطر قلبٍ، ولم يكن عزمًا وقد غفر الله ﷿ عن حديث النفس، قال قتادة: كان النبي ﷺ يقول بعد ذلك: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، والجواب الصحيح هو: أن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء-٧٤] وقد ثبته الله، ولم يركن، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء - ٨٣]، [وقد تفضل فلم يتبعوا].
(٥) سورة يوسف، آية: [٢٤]. =
[ ٥٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والمقصود بهم يوسف كما ذكر شيخ الإسلام بقوله: «الهمَّ اسم جنس تحته نوعان:
(٢) هم خطرات،
(٣) هم إصرار. ويوسف هم همًا تركه لله، لذلك صرف الله عنه السوء لإخلاصه … وأما ما يُنقل من أنه حل سراويله وجلس مجلس الرجل من المرأة وأنه رأى صورة يعقوب عاض على يده وأمثال ذلك، فكله مما لم يخبر الله به ولا رسوله ﷺ، وما كن كذلك فهو مأخوذ عن اليهود الذين هم من أعظم الناس كذبًا على الأنبياء وقدحًا فيهم، وكل من نقله من المسلمين فعنهم نقله، لم يُنقل من ذلك أحد عن نبينا ﷺ»، انظر: باختصار دقائق التفسير ٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣. وذكر الإمام الشنقيطي في تفسيره لقوله تعالى: بقوله: (فإن قيل ماذا تقولون في قوله تعالى ﴿وهم بها﴾؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن المراد بهم يوسف بها خاطر قلبي صرف عنه وازع التقوى، وقال بعضهم: هو الميل الطبَّعيّ والشهوة الغريزية المذمومة، وهذا لا معصية فيه؛ لأنه أمر جبلي لا يتعلق به التكليف، والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه: هذا ما يهمني ويقول فيما يحبه ويشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي، بخلاف هم امرأة العزيز، فإنه هم عزم وتصميم، بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه والجواب الثاني: وهو اختيار أبي حيان: أن يوسف لم يقع منه هم أصلًا، بل هو منفي عنه لوجود البرهان. قال مقيده - عفا الله عنه -: هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية؛ لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب: أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه، كقوله: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾، أي إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، فالأول: دليل الجواب المحذوف، لا نفس الجواب؛ لأن جواب الشرط، وجواب ﴿لولا﴾ لا يتقدم، ولكن يكون المذكور قبله دليلًا عليه، كالآية المذكورة، وكقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم. وعلى هذا القول: فمعنى الآية: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، أي لولا أن رآه همَّ بها. فما قبل ﴿لولا﴾ هو دليل الجواب المحذوف، كما هو الغالب في القرآن واللغة. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فما قبل (لولا) دليل الجواب، أي: لولا أن ربطنا على قلبها لكانت تبدي به. وأما أقوال السلف: فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك؛ لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعض، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين، فضلًا عن المقطوع لهم بالعصمة. والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب فبهذين الجوابين تعلم أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بريء من الوقوع فيما لا ينبغي. انظر باختصار أضواء البيان ٣/ ٦٦ - ٨١.
[ ٥٣٣ ]
فحدِّثونا عن [ذلك التثبيت والبرهان] (^١)، هل فعل الله ﷿ بالكافرين ما هو مثله؟ (^٢)، فإن قالوا: لا، تركوا القول بالقدر. وإن قالوا: نعم، قيل لهم: فإذا كان لم يركن إليهم من [أجل] (^٣)
_________________
(١) ما بين القوسين التصحيح من. ب. و. وفي النسخة المعتمدة (أ) وفي جـ. هـ. عن ذلك التثبيت هو البرهان وما أثبته هو الصحيح.
(٢) وفي ب. و: أو ما هو مثله.
(٣) ما بين القوسين التصحيح من ب. و. وفي باقي النسخ من أحد. وهذا خطأ بين.
[ ٥٣٤ ]
التثبيت فيجب لو كان فعل ذلك بالكافرين أن يثبتوا (^١) عن الكفر. وإذا لم يكونوا عن الكفر متفرقين فقد بطل أن يكون فعل بهم مثل ما فعله بالنبي -ﷺ- من التثبيت الذي [لمَّا] (^٢) فعله به لم يركن إلى الكافرين.
٢٦ - مسألة في الاستثناء (^٣): يقال لهم: خبرونا عن مطالبة رجل بحق.
_________________
(١) وهذه العبارة أثبتتها جميع المخطوطات، ولكن وجدت في جميع النسخ المطبوعة خلاف ما وجدته في المخطوطات ففي بعضها عبارات «ألاَّ يثبتوا عن الكفر»، وفي بعضها عبارة «أن لا يثبتوا على الكفر»؛ وهذا يعود فيما يظهر لعدم دقتهم في قراءة ما كُتب في المخطوطات. والصحيح ما أثبته لأن «عن» تفيد المجاوزة، وعليه فإن المراد بالعبارة مجانبتهم الكفر.
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٣) ويقصد هنا الاستثناء في الإيمان وهو قول الرجل: " أنا مؤمن إن شاء الله" وهذه المسألة اختلفت فيها الفرق الإسلامية إلى أقوال: القول الأول: وجوب الاستثناء، وهذا قول كثير من الكلابية وعلة هؤلاء بأن من قال: أنا مؤمن دون أن يستثنى وقد شهد لنفسه أنه من الأبرار وهذه تزكية للنفس منهي عنها بل إنه هنا يشهد لنفسه أنه من أهل الجنة وكل من أوجب الاستثناء هذا هو منطلقهم في الغالب. القول الثاني: تحريم الاستثناء، وهذا قول المرجئة والجهمية؛ لأنهم يجعلون الإيمان شيئًا واحدًا، بل الإيمان عندهم هو التصديق بالرب، والتصديق هذا يعلمه كل إنسان أعلم بنفسه، ولا يلجأ للاستثناء عندهم إلا الشاك. القول الثالث: وهو الذي عليه سلف الأمة ويفصلون في المسألة: - (أ) - إذا كان الهدف من الاستثناء الشك في أصل الإيمان أو في إنشاء الإيمان فلا شك أن مثل هذا يمنع من الاستثناء. بل ذكر شيخ الإسلام - ﵀ - أن الاستثناء في إنشاء الإيمان لا يجوز باتفاق السلف. (ب) - جواز الاستثناء إذا كان قصده البعد عن تزكية النفس، كمن أراد أنه من أهل الإيمان إن شاء الله الذين وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [لأنفال: الآية: ٢]. قال شيخ الإسلام - ﵀ -: «بأنه يجوز أن يطلق القول بأنه مؤمن إذا عنى أصل الإيمان دون كماله» انظر مجموع الفتاوى ٧/ ٦٦٩. وللمزيد في المسألة انظر مجموع الفتاوى ٧/ ٤٢٩ - ٤٦٠ و٥٠٩ و١٣/ ٤٢ - ٤٥، والشريعة للآجري ٢/ ٦٥٧، والحجة في بيان المحجة ٢/ ٥٢٧.
[ ٥٣٥ ]
فقال له: والله لأعطينك ذلك غدًا إن شاء الله تعالى، أليس الله شائيًا أن يعطيه حقه؟ فمن قولهم: نعم. يقال لهم: أرأيتم (^١) إن جاء الغد فلم يعطه حقه. أليس لايحنث؟ فلابد من نعم. يقال لهم: فلو كان الله مشيئًا (^٢) أن يعطيه حقه يحنث (^٣) إذا لم يعطه، كما لو قال: [و] (^٤) الله لأعطينك حقك إذا طلع الفجر غدًا، ثم طلع الفجر (^٥) ولم يعطه أنه (^٦) يكون حنثًا (^٧).
_________________
(١) في ب. و. أفرأيتم.
(٢) وفي ب. و: شاء.
(٣) في ب. و. لحنث إذا لم يعطه.
(٤) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٥) ساقط من ب، و.
(٦) ساقط من هـ. ووفي ب. ج. أن.
(٧) في باقي النسخ حانثًا.
[ ٥٣٦ ]
٢٧ - مسألة في الآجال (^١): يقال لهم: أليس قد قال الله ﷿:
_________________
(١) قال شيخ الإسلام «المقتول كغيره من الموتى -حيث-، لا يموت أحد قبل أجله، ولا يتأخر أحد عن الأجل، بل سائر الحيوان والأشجار لها آجال لا تتقدم ولا تتأخر. فإن أجل الشيء هو نهاية عمره وعمره مدة بقائه، فالعمر مدة البقاء، والأجل نهاية العمر بالانقضاء». والله يعلم ما كان قبل أن يكون وقد كتب ذلك، فهو يعلم أن هذا يموت بالبطن. أو ذات الجنب؛ أو الهدم أو الغرق أو غير ذلك من الأسباب، وهذا يموت مقتولًا: إما بالسم. وإما السيف وإما بالحجر وإما بغير ذلك، من أسباب القتل، وعلم الله بذلك وكتابته له بل مشيئته لكل شيء وخلقه لكل شيء لا يمنع المدح والذم والثواب والعقاب، بل القاتل: إن قتل قتيلًا أمر الله به ورسوله، كالمجاهد في سبيل الله أثابه الله على ذلك، وإن قتل قتيلًا حرمه الله ورسوله كقتل القطاع والمعتدين، عاقبه الله على ذلك، وإن قتل قتيلًا مباحًا - كقتيل المقتص - لم يثب ولم يعاقب إلا أن يكون له نية حسنة. أو سيئة في أحدهما. والأجل أجلان: أجل مطلق يعلمه الله. وأجل مقيد وبهذا يتبين معنى قوله ﷺ: «من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه»، فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلًا وقال: «إن وصل رحمه زدته كذا وكذا»، والملك لا يعلم أيزداد أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، وإذا جاء ذلك لا يتقدم. ولو لم يقتل المقتول، فقد قال بعض القدرية: إنه كان يعيش. وقال بعض نفاة الأسباب: إنه يموت، وكلاهما خطأ؛ فإن الله علم أنه يموت بالقتل، فإذا قدر خلاف معلومه كان تقديرًا لما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وهذا قد يعلمه بعض الناس، وقد لا يعلمه. فلو فرضنا أن الله علم أنه لا يقتل أمكن أن يكون قدر موته في هذا الوقت، وأمكن أن يكون قدر حياته إلى وقت آخر، فالجزم بأحد هذين على التقدير الذي لا يكون جهل». باختصار مجموع الفتاوى ٨/ ٥١٦ - ٥١٨ واختلف المعتزلة في الآجال على قولين: - أ- فقال أكثر المعتزلة: الأجل هو الوقت الذي في معلوم الله - سبحانه: - أن الإنسان يموت فيه أو يقتل، فإذا مات مقتولًا فبأجله، وإذا مات بلا قتل فبأجله. … = ب- وشذ قوم من جُهالهم فزعموا أن الوقت الذي في معلوم الله - سبحانه: - أن الإنسان لو لم يقتل لبقي إليه هو أجله -وهو موته دون قتل -، دون الوقت الذي قتل فيه. ولو لم يقتل المقتول، هل كان يموت؟ واختلف الذين زعموا إن الأجل هو الوقت الذي في معلوم الله - سبحانه: - أن الإنسان يموت فيه أو يقتل فيه المقتول: لو لم يقتل هل كان يموت أم لا؟ على أقوال: - أ - فقال بعضهم: إن الرجل لو لم يقتل مات في ذلك الوقت، هذا قول «أبي الهذيل. ب - وقال بعضهم: يجوز لو لم يقتله القاتل أن يموت، ويجوز أن يعيش. ت - وأحال منهم محيلو هذا القول. انظر مقالات الإسلاميين للأشعري ص ٢٠٤ و٢٢٢، وانظر: شرح الأصول الخمسة ٧٨٠ - ٧٨٤.
[ ٥٣٧ ]
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (^١) وقال: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (^٢). فلابد من نعم.
يقال لهم: فخبرونا عمن قتله قاتل ظُلمًا، أتزعمون أنه قُتل في أجله
_________________
(١) سورة الأعراف، آية: [٣٤].
(٢) سورة المنافقون، آية: [١١].
[ ٥٣٨ ]
أو [بغير] (^١) أجله؟ فإن قالوا: نعم، وافقوا [وقالوا] (^٢) بالحق، وتركوا القدر، وإن قالوا: لا. قيل لهم: فمتى أجل هذا المقتول؟ فإن قالوا: الوقت الذي علم الله أنه لو لم يقتل لتزوج امرأة [علم] (^٣) أنها امرأته، وإن لم يبلغ لأنَ (^٤) يتزوجها، وإذا كان في معلوم الله أنه لو لم يُقتل وبقي لكَفَر أن يكون النار داره. وإذا لم يجز هذا لم يجز أن يكون الوقت الذي لم يبلغ الله أجلًا له (^٥)، على أن هذا القول [مضاد] (^٦) لقول الله ﷿:
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة مني ليستقيم المعنى وفي المخطوطات في أجله أو بأجله، وهذا تكرار.
(٢) ما بين القوسين زيادة من جميع النسخ.
(٣) ما بين القوسين زيادة مني لإيضاح المعنى حيث في جميع النسخ: لتزوج امرأة أنها امرأته. واحتمال بدل لفظه أنها لأنها ولكن حذف تصحيف.
(٤) وفي باقي المخطوطات مع النسخ المطبوعة عبارة [ولأن لم يبلغ إلى أن يتزوجها] والعبارة فيما يظهر لي مرتبكة، ولابد أن فيها خللًا، ويجوز أن يكون المعنى: لو لم يقتل لتزوج امرأة، علم أنها امرأته، وإن لم يبلغ لأن يتزوجها، وهو رد لما ذهب إليه المعتزلي من عدم موت المقتول لو لم يقتل إلى حين استيفاء ما قدر له في زعمه وبأن القتل قد قطع عليه الطريق ولأن المقتول كان سيعيش سواء تزوج أو لم يتزوج وإنما القتل حرمه من الحياة لا أجله، وهذا لا شك ضلال مبين.
(٥) وفي ب. و. لم يبلغ إليه أجلًا له.
(٦) التصحيح من ج. هـ وفي النسخة المعتمدة «أ» وفي ب. و«مقيد»، وما أثبته أصح.
[ ٥٣٩ ]
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (^١).
٢٨ - مسألة أخرى: ويقال لهم: إذا كان القاتل عندكم قادرًا على ألا يقتل هذا المقتول، فيعيش فهو قادر على قطع أجله وتقديمه قبل أجله، وهو قادر على تأخيره إلى أجله فالإنسان على قولكم يقدر أن يقدم آجال العباد ويؤخرها، ويقدر أن يبقي العباد ويبلغهم (^٢) [ويتلفهم] (^٣) ويخرج [أرواحهم] (^٤)، وهذا إلحاد في الدين.
٢٩ - مسألة في الأرزاق (^٥): ويقال لهم: خبرونا عمن اغتصب طعامًا
_________________
(١) سورة الأعراف، آية: [٣٤].
(٢) ساقط من. و.
(٣) ما بين القوسين التصحيح من. و. وفي النسخة المعتمدة «أ» سلفهم وهذا تصحيف.
(٤) ما بين القوسين التصحيح مني وفي المخطوطات أزواجهم. وهذا تصحيف، لأن السياق يقتضي ما أثبته.
(٥) مسألة في الأرزاق: قال شيخ الإسلام: «إذا قطع الطريق وسرق أو أكل الحرام ونحو ذلك فليس هذا هو الرزق الذي أباحه الله له، ولا يحب ذلك ولا يرضاه، ولا أمره أن ينفق منه. كقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ ونحو ذلك لم يدخل فيه الحرام، بل من أنفق من الحرام، فإن الله تعالى يذمه ويستحق بذلك العقاب في الدنيا والآخرة، بحسب دينه. وقد قال الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، وهذا أكل المال بالباطل ولكن الرزق الذي سبق به علم الله وقدره، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «يجمع خلق أحدكم =
[ ٥٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد»، فكما أن الله كتب ما يعمله من خير وشر، وهو يثيبه على الخير ويعاقبه على الشر، فكذلك كتب ما يرزقه من حلال وحرام، مع أنه يعاقبه على الرزق الحرام. ولهذا كل ما في الوجود واقع بمشيئة الله وقدره، كما تقع سائر الأعمال لكن لا عذر لأحد بالقدر، بل القدر يؤمن به، وليس لأحد أن يحتج على الله بالقدر، بل لله الحجة البالغة، ومن احتج بالقدر على ركوب المعاصي، فحجته داحضة، ومن اعتذر به فعذره غير مقبول. وأما الرزق الذي ضمنه الله الله لعباده، فهو قد ضمن لمن يتقيه أن يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، وأما من ليس من المتقين فضمن له ما يناسبه، بأن يمنحه ما يعيش به في الدنيا، ثم يعاقبه في الآخرة، كما قال عن الخليل: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وقال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ والله إنما أباح الرزق لمن يستعين به على طاعته، لم يبحه لمن يستعين به على معصيته، بل هؤلاء وإن أكلوا ما ضمنه لهم من الرزق فإنه يعاقبهم، كما قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. مجموع الفتاوى ٨/ ٥٤٤. وقال في عقائد الثلاث والسبعين فرقة: «وأما قولهم: إن العبد إذا تغذى بغذاء حرام إنه ليس من رزق ربه، بل هو من رزق نفسه فهذا غير صحيح؛ لأنه يقول في محكم كتابه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ فذكر سبحانه أنه قسم معيشتهم حلالها وحرامها، فلا قاسم لها غيره»، عقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/ ٤٣٤ و٤٣٥ باختصار. وخالفت في ذلك المعتزلة فقالوا: «إن الأجسام الله خالقها، وكذلك الأرزاق، وهي أرزاق الله - سبحانه! - فمن غصب إنسانًا مالًا أو طعامًا فأكله أكل ما رزق الله غيره ولم يرزقه إياه، وزعموا بأجمعهم أن الله - سبحانه! - لا يرزق الحرام، كما لا يملك الله الحرام، وأن الله - سبحانه! - إنما رزق الذي مَلّكه إياهم، دون الذي غصبه». المقالات ص ٢٥٠ وشرح الأصول الخمسة ٧٨٤ - ٧٨٨، قلت: وقد وافقهم بعض الخوارج، انظر: المقالات حولهم في رزق الحرام، ص ١١١.
[ ٥٤١ ]
فأكله حرامًا. هل [رزقه] (^١) الله ذلك الحرام؟ فإن قالوا: نعم تركوا القدر. وإن قالوا: لا، قيل لهم: فمن أكل جميع عمره الحرام فما رزقه الله شيئًا اغتذى به جسمه.
ويقال لهم: إذا (^٢) كان غيره يغتصب [له] (^٣) ذلك الطعام، ويطعمه إياه إلى أن مات، أَجْرَا رزق (^٤) هذا الإنسان عندكم غير الله؟ وفي هذا إقرار منهم أن للخلق رازقين:
أ - أحدهما يرزق الحلال.
_________________
(١) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ. وفي النسخة المعتمدة «أ» يرزقه. وما أثبته أصوب لكي يستقيم معا ما بعده.
(٢) وفي ب. و: فإذا.
(٣) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٤) وفي ب. و. فرازق.
[ ٥٤٢ ]
ب-[والآخر يرزق الحرام] (^١).
وأن الناس نبتت (^٢) لحومهم ونشأت (^٣) عظامهم، والله غير رازق لهم ما اغتذوا [به (^٤). وإذا قُلتم: إنَّ أميركم (^٥) يرزقه الحرام [وإن الله لم يرزقه الحرام] (^٦)، لزمكم أن الله لم يغذه به، [ولا جعله] (^٧) قوامًا لجسمه، وأن لحمه وجسمه قام، وعظمه اشتد بغير الله ﷿، وهو [ممن] (^٨) (^٩) رزقه الحرام (^١٠)، وهذا كفر عظيم إن احتملوا.
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٢) وفي و. تنبت.
(٣) في ب. و: وتشتد.
(٤) ما بين القوسين زيادة من جميع النسخ.
(٥) ساقط من. ب. و.
(٦) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٧) زيادة من جميع النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» وراجعه وهذا خطأ بين.
(٨) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٩) التصحيح من نسخة فوقية ص ٢٠٦ وفي المخطوطات. من. وهذا خطأ بين.
(١٠) قوله: وهو ممن رزقه الحرام يقصد به غير الله: أي الأمير؛ لأنه لو كان الرازق عندهم للحرام هو الله لتملكه العبد وأصبح - أي الحرام- حلالًا له، ولكنهم جعلوا رازقًا للحرام غير الله. حتى لا يصبح الحرام ملكًا للعبد. تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، ووجدت عند فوقية «وهو ممن رزقه الحرام» وهذا صواب ولكنها غير موجودة في المخطوطات، وكذلك يصح أن يقال: «وهو من رازقه الحرام» أي غير الله عندهم.
[ ٥٤٣ ]
٣٠ - مسألة أخرى في الأرزاق: ويقال لهم: لم أبيتم أن يرزق الله الحرام؟ فإن قالوا: لأنه لو رزق الحرام تملّك (^١) الحرام. يقال [لهم خبرونا] (^٢) عن الطفل الذي يتغذى من لبن أمه، وعن البهيمة التي ترعى الحشيش من يرزقهما ذلك؟ فإن قالوا: الله. قيل لهم: فهل مَلَّكهُما؟ وأين (^٣) للبهيمة مِلك؟ فإن قالوا: لا. قيل لهم: فلم زعمتم أنه لو رزق الحرام لملّك الحرام، وقد يرزق الله الشيء ولا يُمِّلُكه؟ ويقال لهم: هل أقدر الله العبد على الحرام وإن (^٤) لم يُمِلْكه إياه؟ [فإن قالوا: نعم. يقال لهم: فما أنكرتم أن يرزقه الحرام، وإن لم يملكه إياه] (^٥).
٣١ - جواب: يقال لهم: إذا كان توفيق المؤمنين بالله [فما] (^٦) أنكرتم
_________________
(١) في ب. و. لملك الحرام والضمير كما في نسخة ب يعود إلى الله جل وعلا وأما فيما أثبته من باقي المخطوطات فإنه يعود إلى العبد ومقصوده ﵀: أن المعتزلة تزعم أنه لو كان الرازق للحرام هو الله لأصبح مملوكًا للعبد ويصبح بناء على هذا الفهم حلالًا له وهذا لا يتفق مع قولهم أن رازق الحرام غير الله.
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٣) وفي ب. و: وهل، والصواب لو قال أني وما أثبته صحيح إذا كان قصده مجرد إظهار التعجب من حصول الملكية للبهيمة.
(٤) ساقط من. ب. و.
(٥) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٦) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ، وفي النسخة المعتمدة «أ» مما. وما أثبته أصح.
[ ٥٤٤ ]
أن يكون خذلان الكافرين من قبل الله؟ وإلا فإن زعمتم أن الله وفق الكافرين للإيمان، فقولوا: عصمهم من الكفر، وكيف يعصمهم من الكفر وقد وقع الكفر منهم؟ فإن ثَبَّتُوا (^١) أن الله خذلهم. قيل لهم: فالخذلان من الله أليس هو الكفر الذي خلقه فيهم؟ فإن قالوا: نعم وافقوا. وإن قالوا: لا. قيل لهم: فما ذلك الخذلان الذي خلقه؟ فإن قالوا: تخليته إياهم والكفر. قيل لهم: أوليس من قولكم إن الله ﷿ خلَّى بين المؤمنين وبين الكفر؟ فمن قولهم: نعم. قيل لهم: فإذا كان الخذلان التخلية بينهم وبين الكفر [فقد لزمكم أن يكون خذل المؤمنين؛ لأنه خلَّى بينهم وبين الكفر] (^٢) وهذا خروج عن الدين، فلابد لهم أن يثبتوا (^٣) الخذلان [للكفر] (^٤) الذي خلقه الله فيهم، فيتركوا القول بالقدر.
٣٢ - مسألة [أخرى] (^٥): إن سأل سائل من أهل القدر، [فقال] (^٦).
_________________
(١) في هـ، أثبتوا.
(٢) ما بين القوسين زيادة من. ب. و.
(٣) وفي. و. تثبتوا.
(٤) التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» الكفر. وهو خطأ بين.
(٥) ما بين القوسين زيادة من. و.
(٦) ما بين القوسين زيادة من ب، و
[ ٥٤٥ ]
هل [يخلو] (^١) العبد من أن يكون (^٢) بين نعمة يجب عليه أن يشكر الله عليها (^٣)، أو بلية يجب [عليه] (^٤) الصبر [عليها] (^٥). قيل له: العبد لا يخلو من نعمة وبلية، والنعمة يجب على العبد أن يشكر الله عليها، والبلايا على ضربين:
أ- منها ما يجب الصبر عليها كالأمراض والأسقام وما أشبه ذلك.
ب- ومنها ما يجب عليه الإقلاع عنها كالكفر والمعاصي.
٣٣ - مسألة: وإن سألوا فقالوا: أيما خير، الخَيْرَ أو مَنْ الخير منه؟ قيل لهم: من كان الخير منه متفضلًا به فهو خير من الخير. فإن قالوا: فأيما شرّ الشر أو من الشر منه؟ قيل لهم: من كان الشرّ منه جائرًا به فهو شر من الشر، والله ﷿ يكون [منه الشر] (^٦) خلقًا وهو عادل به (^٧)،
_________________
(١) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» تخلو. وهذا خطأ بين.
(٢) في النسخة المعتمدة «أ» وفي ج. هـ أن يكون العبد. وهذا تكرار لا محل له.
(٣) في النسخة المعتمدة زيادة «أ» لفظة الصبر ولا محل لها.
(٤) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» عليها. وما أثبته أصح.
(٥) ما بين القوسين زيادة من باقي النُسخ.
(٦) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٧) ومما لاشك فيه عند أهل السنة والجماعة أن الخير والشر من الله، وبأنه خالقهما لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وقوله:=
[ ٥٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]؛ لذا قال الإمام الصابوني: أهل السنة يعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره. وقال ابن عبد البر ﵀: الشر والخير كل من عند الله، وهو خالقهما لا شريك له ولا إله غيره؛ لأن العجز شر، ولو كان خيرًا ما استعاذ منه رسول الله ﷺ. ألا ترى أن رسول الله ﷺ قد استعاذ من الكسل والعجز والجبن والدين، ومحال أن يستعيذ من الخير. وقال النووي ﵀: مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه سواء خيرها وشرها. وقال ابن حجر ﵀: ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى، وقال أيضا: جميع الخير والشر بتقدير الله تعالى وإيجاده. ولذا جاءت عدة أحاديث تفيد أن الخير والشر كلاهما واقع بتقدير الله تعالى: كحديث «وأن تؤمن بالقدر خيره وشره» الذي أخرجه مسلم كما مر معنا ص (…) وحديث عبدالله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «كل شي بقدر حتى العجز والْكَيْسِ»، أخرجه مسلم في ك: القدر، ب: كل شيء بقدر حديث رقم (٢٦٥٥). العجز: عدم القدرة وقيل ترك ما يجب فعله بالتسويف. والكيس: العقل والحذق بالأمور والمقصود به هنا النشاط ضد الكسل. = = انظر النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٨٦) و(٤/ ٢١٧)، ولكن هذه الأحاديث وغيرها، ظاهرها التعارض مع قوله ﷺ: «لبيك وسعديك والخير كله بين يديك والشر ليس إليك» الذي أخرجه مسلم في ك: صلاة المسافرين وقصرها ب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه حديث رقم (٧٧١)؛ ولذا اجتهد العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث، اجتهادات تؤدي في جميع معانيها إلى المعنى الصحيح وإن كان بعضها أشمل من بعض وإليك تفاصيل الأقوال:
[ ٥٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = القول الأول: والشر لا يُتقرب به إليك، وهذا اختيار إسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وأبو بكر ابن خزيمه، والطحاوي عليهم -رحمة الله-. القول الثاني: والشر لا يضاف إليك على انفراده فلا يقال: يا خالق الشر ويا مقدر الشر ويا خالق القردة والخنازير ونحوها، وهذا اختيار الإمام الصابوني. القول الثالث: والشر لا يصعد إليك، وإنما يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح. القول الرابع: إن الله تعالى لا يخلق شرًا محضًا، وإن الشر الذي يخلقه تعالى ليس شرا بالنسبة إليه. وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم وغيرهما من أهل العلم، وهذا القول هو أرجح الأقوال وأشملها قال شيخ الإسلام بن تيمية: والشر ليس إليك، فإنه لا يخلق شرًا محضًا بل كل مايخلقه فيه حكمة، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلي أو شر مطلق فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه. وقال ابن القيم: تبارك الله وتعالى عن نسبة الشر إليه، بل كل ما نسب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرًا لانقطاع نسبته وإضافته إليه، فلو إضيف إليه لم يكن شرًا، وهو سبحانه خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله، وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خيرٌ كله، وأما الشر فهو وضع الشيء في غير محله، فإذا وضع في محله لم يكن شرًا، فعلم أن الشر ليس إليه، وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك. انظر للمزيد: «عقيدة السلف وأصحاب الحديث» ص ٢٨٤ - ٢٨٥، والتمهيد (٦/ ٦٣)، ومشكل الآثار للطحاوي ١/ ٣٣٥، ومجموع الفتاوى ١٤/ ٢٦٦ و١٧/ ٩٤، وشفاء العليل ٢/ ٢٥٧ - ٢٦٤، ومسلم بشرح النووي ٦/ ٣٠٦، وفتح الباري ١١/ ٤٧٨ و٤٩٠، وعون المعبود ٢/ ٣٢٩، وتيسير العزيز الحميد ص (٦٩١ - ٦٩٢)، وإزالة الستار عن الجواب المختار لابن عثيمين ص ٣٨، وأحاديث العقيدة ص ٥٥٩ - ٥٧٠
[ ٥٤٨ ]
فكذلك (^١) لا يلزمنا ما سألتم عنه. على أنكم ناقضون لأصولكم؛ لأنه إن كان من كان الشر منه فهو شر من الشر، وقد خلق الله ﷿ إبليس (^٢) الذي هو شر من الشر الذي يكون منه، فقد خلق ما هو شر من الشرور كلها، وهذا نقض دينكم وفساد مذهبكم.
٣٤ - مسألة في الهدى (^٣): يقال للمعتزلة: أليس قد قال الله عز
_________________
(١) في ب. و. فلذلك.
(٢) ساقط من. و.
(٣) وأما مسألة الهدى والضلال فأهل السنة والجماعة متفقون على أن غير الله لا يقدر على جعل الهدى والضلال في قلب أحد لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. انظر في مسألة الإجماع أصول الاعتقاد للالكائي ٣/ ٧٢٥ ودرء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ٨/ ٣٧٩ ورسالة أهل الثغر ص ٢٤٠. والحاصل أن هداية الشخص إلى الإيمان وتوفيقه إلى ما فيه خير له فهذه بيد الله لا يملكها أحد من البشر، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، [يونس: ٧٩]. وهناك هداية وضلالة في الدلالة والتوجيه فهذه بيد المخلوق يوجه غيره ويدله إلى ما يراه ويعتقده لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]، والهداية قسمان: هداية البيان والإرشاد، وهذه عامة لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم لقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ وهداية التوفيق والسداد، وهذه خاصة بأهل الإيمان لقوله - تعالى -: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. انظر شرح الرسالة التدمرية ص ٢١١، بشرح الشيخ عبدالرحمن البراك.
[ ٥٤٩ ]
وجل: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^١) [فأخبر أن القرآن هدى للمتقين] (^٢)؟ فلا بد من نعم. يقال لهم: أوليس قد ذكر الله ﷿ القرآن فقال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ (^٣)، فخبر أن القرآن عليهم (^٤) عمى؟ فلابد من نعم. ويقال لهم: فهل يجوز أن يكون من خبَّر الله ﷿ أن القرآن له هدى هو عليه عمى؟، فلابد من لا. يقال لهم: [فكما] (^٥) لا يجوز أن يكون القرآن عمى على من أخبر الله أنه له هدى، كذلك لا (^٦) يجوز أن يكون القرآن هدى لمن أخبر الله أنه عليه عمى.
٣٥ - مسألة أخرى: ثم يقال لهم: إذا جاز (^٧) أن يكون دعاء الله إلى [الإيمان] (^٨) هدى لمن قَبِلَ ولمن لم يقبل. فما أنكرتم دعاء إبليس إلى الكفر
_________________
(١) سورة البقرة، الآيتان: [١ - ٢].
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٣) سورة فصلت، جزء من آية: [٤٤].
(٤) في باقي النسخ. على الكافرين.
(٥) ما بين القوسين التصحيح من ب. و: وفي باقي النسخ فلم وهو خطأ بين.
(٦) ساقط من. و.
(٧) في. و. إذا كان.
(٨) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» إلى الآن، وهو خطأ بين.
[ ٥٥٠ ]
والضلال (^١) لمن قَبل ولمن لم يقبل، فإن كان [دعاء] (^٢) إبليس إلى الكفر إضلالًا للكافرين الذين قَبلوا عنه دون المؤمنين الذين لم يقبلوا عنه، فما أنكرتم أن يكون (^٣) دعاء الله ﷿ إلى الإيمان هدى للمؤمنين الذين قبلوا عنه دون الكافرين الذين لم يقبلوا عنه. وإلا فما الفرق بين ذلك؟
٣٦ - مسألة أخرى: ويقال لهم: أليس قال الله ﷿: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا [وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا] (^٤) (^٥)﴾ قيل (^٦) يدل (^٧) قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [على أنه لم يضل الكل؛ لأنه لو أراد الكل لقال يضل به الكل، فلما قال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾] (^٨) علمنا أنه لم يضل (^٩) الكل؟ فلا بد من نعم.
يقال لهم: فما أنكرتم أن قوله: ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ دليل على أنه لم
_________________
(١) وفي ب. و. إضلالًا. وهو خطأ بين.
(٢) ما بين القوسين زيادة من. ب. و.
(٣) في ب. و. أن.
(٤) الآية زيادة من و، ب.
(٥) سورة البقرة، جزء من آية: [٢٦].
(٦) في. ب. وهل.
(٧) في. و. يفل.
(٨) ما بين القوسين زيادة من هـ. ج.
(٩) ساقط من ج.
[ ٥٥١ ]
يرد به (^١) الكل؛ لأنه لو أراد الكل لقال ويهدي به الكل، فلما قال: ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ علمنا أنه لم يهد الكل، وفي هذا إبطال قولكم: إن الله هدى الخلق أجمعين.
٣٧ - مسألة أخرى: ويقال لهم: إذا قلتم: إن دعاء الله إلى الإيمان هدى [للكافرين] (^٢) الذين لم يقبلوا عن الله أمره فما أنكرتم أن يكون دعاء الله إلى الإيمان نفعًا وصلاحًا وتسديدًا للكافرين الذين لم يقبلوا عن الله أمره، وما أنكرتم أن يكون عصمة لهم من الكفر، وإن لم يكونوا من الكفر [معتصمين] (^٣) وأن يكون توفيقًا للإيمان وإن لم يوفقوا للإيمان وفي هذا ما يجب أن الله سدد الكافرين (^٤) وأصلحهم وعصمهم ووفقهم للإيمان، وإن كانوا كافرين، وهذا محال لا يجوز (^٥)، لأن الكافرين (^٦) مخذولون. وكيف يكونون موفقين للإيمان وهم مخذولون؟ فإن جاز أن يكون الكافر موفقًا
_________________
(١) ساقط من و.
(٢) ما بين القوسين التصحيح من ج. هـ. وفي النسخة المعتمدة «أ» للخلق. وفي. ب. و. أجمعين ثم طمس عليها وما أثبته أصح.
(٣) ما بين القوسين التصحيح من ب، ووفي باقي النسخ متعصمين وهو خطأ بين.
(٤) في و. تكرار للفظة الكفر قبل الكافرين. ولا محل لها.
(٥) وفي. ب. و. ما لا يجوز. وكذلك في النسخ المطبوعة.
(٦) في. هـ. لأن الكفار مخذولون.
[ ٥٥٢ ]
للإيمان، فما أنكرتم أن يكون الإيمان له متفقًا، فإن [استحال] (^١) هذا، فما أنكرتم أن يستحيل ما قلتموه.
٣٨ - مسألة في الإضلال (^٢): يقال لهم: أضل الله الكافرين عن الإيمان أو عن الكفر؟
أ - فإن قالوا: عن الكفر. قيل لهم: فكيف يكونون ضالين عن الكفر ذاهبين عنه [وهم] (^٣) كافرون؟
ب- فإن قالوا: أضلهم عن الإيمان تركوا قولهم.
ج - وإن قالوا: نقول: إن الله أضلهم ولم يضلهم عن شيء. قيل لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: إن الله هدى المؤمنين لا إلى شيء؟ فإن استحال أن يهدي المؤمنين لا إلى الإيمان. فما أنكرتم من أنه محال أن يُضِلَّ الكافرين لا عن الإيمان.
٣٩ - مسألة أخرى: ويقال لهم: ما معنى قول الله ﷿: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ (^٤)؟ فإن قالوا: معنى ذلك أنه يسميهم ضالين، ويحكم
_________________
(١) ما بين القوسين التصحيح من ب، جـ، وفي النسخة المعتمدة «أ» هـ استجاز. وهو خطأ بين.
(٢) في. ب. و. الضلال.
(٣) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٤) سورة إبراهيم، آية: [٢٧].
[ ٥٥٣ ]
عليهم بالضلال. قيل لهم: أليس خاطب الله (^١) العرب بلغتها، فقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (^٢) وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (^٣). فلابد من نعم. يقال لهم: فإذا كان أنزل الله ﷿ (^٤) القرآن بلسان العرب، فمن أين وجدتم في لغة العرب، أن يقال أضل فلان فلانًا، أي سماه ضلالًا؟ فإن قالوا: وجدنا القائل يقول: إذا قال [رجل] (^٥) لرجل: ضال: قد ضللَتهُ فقيل لهم (^٦): قد وجدنا يا لعمري (^٧) القائل: ضلَّل فلانًا إذا سماه ضالًا. ولم نجدهم يقولون أضل فلان فلانًا بهذا المعنى. [فلما قال ﷿: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ (^٨) لم يجز أن يكون] (^٩) ذلك معنى الاسم والحكم إذا لم يجز في [لغة] (^١٠) العرب أن يقال: أضل فلان فلانًا
_________________
(١) ساقط من و.
(٢) سورة الشعراء، جزء من آية: [١٩٥].
(٣) سورة إبراهيم، آية: [٤].
(٤) ساقط من ب. و.
(٥) ما بين القوسين زيادة من. ب.
(٦) وفي باقي النسخ قيل لهم.
(٧) في ب. و. لعمري ولعل الصواب ما أثبته؛ لأن فيه دلالة على القسم مع التعجب لغرض بلاغي لإفادة التأكيد في الإنكار على ضلال قولهم.
(٨) سورة إبراهيم، جزء من آية: [٢٧].
(٩) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(١٠) ما بين القوسين زيادة من. و.
[ ٥٥٤ ]
بأن (^١) سماه ضالًا بطل تأويلكم إذا كان خلاف لسان العرب.
٤٠ - مسألة أخرى: ويقال لهم: إذا قلتم: إن الله أضل الكافرين بأن سماهم ضالين، وليس ذلك في اللغة على ما ادعيتموه، يلزمكم (^٢) إذا سمى النبي -ﷺ- قومًا ضالين فاسدين بأن يكون قد أضلهم وأفسدهم بأن سماهم ضالين فاسدين. وإذا لم يجز هذا بطل أن يكون معنى: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ الاسم والحكم كما ادعيتم.
٤١ - جواب (^٣): ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (^٤) وقال ﷿: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ (^٥) فذكر أنه يهديهم وقال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٦)، فجعل الدعاء عامًا والهدى خاصًا. وقال: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (^٧). فإذا أخبر الله ﷿ أنه لا يهدي القوم الكافرين فكيف يجوز لقائل أن يقول: إنه يهدى (^٨) القوم (^٩)
_________________
(١) وفي ب .. فإن.
(٢) في ب. و. فيلزمكم.
(٣) وفي. و. مسألة.
(٤) سورة الكهف، آية: [١٧].
(٥) سورة آل عمران: آية: [٨٦].
(٦) سورة يونس: آية: [٢٥].
(٧) سورة البقرة، جزء من آية: [٢٦٤].
(٨) في. و. هدى.
(٩) ساقط من ب. و.
[ ٥٥٥ ]
الكافرين مع إخباره [بأنه] (^١) لا يهديهم، ومع قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢)، ومع قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣)، ومع قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (^٤). وإن جاز هذا جاز أن يقال: أضل الله (^٥) المؤمنين مع قوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ (^٦) ومع قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٧). فإن لم يكن ذلك. فما أنكرتم أنه لا يجوز أن الله (^٨) يهدي الكافرين مع قوله: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (^٩)، ومع سائر الآيات التي [طالبناكم بها] (^١٠).
٤٢ - جواب (^١١): ويقال لهم: أليس قد قال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من هـ. وفي ب. و: أنه.
(٢) سورة القصص، آية: [٥٦].
(٣) سورة البقرة، آية: [٢٧٢].
(٤) سورة السجدة، آية: [١٣].
(٥) ساقط من ب. و.
(٦) سورة الإسراء، جزء من آية: [٩٧].
(٧) سورة البقرة، آية: [٢].
(٨) ساقط من ب. و.
(٩) سورة البقرة، آية: [٢٦٤].
(١٠) ما بين القوسين التصحيح من ب. و. وفي النسخة المعتمدة «أ» طب نساكم بها. وفي هـ. ج: طب نسألكم وهذا تصحيف.
(١١) وفي و. مسألة.
[ ٥٥٦ ]
مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ (^١)، فلابد من نعم. يقال [لهم] (^٢) فأضلهم ليضلوا أو ليهتدوا؟ فإن قالوا: أضلهم ليهتدوا. [قيل لهم: وكيف يجوز أن يضلهم ليهتدوا إذا جاز أن يهديهم ليضلوا؟ وإذا لم يجز أن يهدي المؤمنين ليضلوا فما أنكرتم من أنه لا يجوز أن يضل الكافرين ليهتدوا] (^٣).
٤٣ - جواب (^٤): ويقال لهم: إذا زعمتم أن الله هدى الكافرين فلم يهتدوا، فما أنكرتم أن ينفعهم فلا ينتفعوا، وأن يصلحهم فلا يصلحوا، وإن (^٥) جاز أن ينفع من لا ينتفع بنفعه فما أنكرتم [من] (^٦) أن يضر من لا يلحقه المضرة، فإن كان لا يضر إلا لمن يلحقه الضرر، فكذلك لا ينفع إلا منتفعًا، ولو جاز أن [ينفع] (^٧) من ليس منتفعًا [ويهدي من ليس مهتديًا] (^٨) جاز أن يقدر من ليس مقتدرًا، وإذا استحال ذلك استحال أن
_________________
(١) سورة الجاثية، آية: [٢٣].
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٣) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٤) في. و. مسألة.
(٥) في ب، د، ينصلحوا وإذ.
(٦) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٧) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» ينتفع، وهذا تصحيف.
(٨) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
[ ٥٥٧ ]
ينفع من ليس منتفعًا، (ويهدي من ليس مهتديًا) (^١).
٤٤ - مسألة تسألونا عنها: تقولون: أليس قد قال الله - ﷿-: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ﴾ (^٢). فما أنكرتم أن يكون القرآن هدى للكافرين والمؤمنين.
قيل لهم: الآية خاصة، لأن الله ﷿ قد بين لنا أنه هُدَىًّ للمتقين، وخبرنا أنه لا يهدي القوم (^٣) الكافرين، [والقرآن لا يتناقض، فوجب أن يكون قوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أراد المؤمنين دون الكافرين] (^٤).
٤٥ - سؤال: فإن قال قائل: أليس قد قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ (^٥)، وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (^٦) وقد أنذر النبي -ﷺ- من اتبع الذكر ومن لم يتبع، ومن أحسن ومن لم يحسن (^٧)
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من ج. هـ.
(٢) سورة البقرة، جزء من آية: [١٨٥].
(٣) ساقط من ب. و.
(٤) ما بين القوسين زيادة من ب. و
(٥) سورة يس، جزء من آية: [١١].
(٦) سورة النازعات، آية: [٤٥].
(٧) ساقط من ب. و.
[ ٥٥٨ ]
[ومن خشي ومن لم يخش] (^١).
قيل له: نعم. فإن قالوا: فما أنكرتم أن يكون قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ أراد به هدى لهم ولغيرهم. قيل لهم: إن معنى قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ (^٢) إنما أراد به [ينتفع] (^٣) [بإنذارك] (^٤) من اتبع الذكر، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (^٥) أراد أن الإنذار ينتفع به من يخشى الساعة ويخاف العقوبة فيها، إنَّ الله ﷿ قد أخبر في [موضع] (^٦) آخر من القرآن أنه أنذر الكافرين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٧) وهذا هو (^٨) خبر عن الكافرين، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (^٩) وقال (^١٠): ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (^١١)، وهذا خطاب للكافرين. فلما أخبر الله
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٢) سورة يس، آية: [١١].
(٣) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٤) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة (أ) بإنذار.
(٥) سورة النازعات، آية: [٤٥].
(٦) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» مواضع.
(٧) سورة البقرة، آية: [٦].
(٨) ساقط من هـ.
(٩) سورة الشعراء، آية: [٢١٤].
(١٠) ساقط من. ب. و.
(١١) سورة فصلت، آية: [١٣].
[ ٥٥٩ ]
﷿ في آيات من القرآن أنه أنذر الكافرين، [كما] (^١) في (^٢) خَبَرِ الله في آياته أنه أنذر من يخشاها، وأنذر من اتبع الذكر، وجب بالقرآن أن الله قد أنذر المؤمنين والكافرين، فلما أخبرنا الله أنه هدى للمتقين وعمى على الكافرين، وأخبرنا أنه لا يهدي الكافرين وجب أن يكون القرآن هدى للمؤمنين دون الكافرين.
٤٦ - سؤال (^٣): إن سأل سائل عن قول الله ﷿: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (^٤)، يقال لهم: أليس ثمود كانوا كافرين، وقد أخبر الله أنه هداهم؟ قيل له: ليس الأمر كما ظننت. والجواب في هذه الآية على وجهين:
أ- أحدهما - أن ثمود على فريقين: كافرين ومؤمنين.
وهم الذين أخبر أنه أنجاهم مع صالح بقوله ﷿: [﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ (^٥)، فالذين عنى الله عز جل من ثمود أنه هداهم هم المؤمنون دون الكافرين، لأن الله ﷿ قد بين لنا
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من ب، و.
(٢) ساقط من ب. و.
(٣) ساقط من و.
(٤) سورة فصلت، آية: [١٧].
(٥) سورة هود، آية: [٦٦].
[ ٥٦٠ ]
في القرآن أنه] (^١) لا يهدي الكافرين، والقرآن لا يناقض بعضه بعضًا (^٢) [بل يُصدق بعضه بعضا (^٣) فإذا أخبرنا في موضع أنه لا يهدي الكافرين، ثم أخبر في موضع أنه هدى ثمود، علمنا أنه إنما أراد المؤمنين من ثمود دون الكافرين.
ب- والوجه الآخر: أن الله ﷿ عنى قومًا من ثمود (^٤) وكانوا مؤمنين، ثم ارتدوا، فأخبر أنه هداهم فاستحبوا بعد الهداية الكفر على الإيمان، وكانوا في حال هداهم مؤمنين. فإن قال قائل معترضًا في الجواب الأول: كيف يجوز أن يقول: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ ويعني المؤمنين من ثمود، ويقول: ﴿فَاسْتَحَبُّوا﴾ يعني الكافرين منهم وهم غير مؤمنين؟
يقال له: هذا جائز في اللغة التي ورد (بها القرآن أن يقول: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ ويعني المؤمنين من ثمود، ويقال: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ يعني الكافرين منهم) (^٥)، (وقد ورد القول بمثل هذا. قال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (^٦) يعني الكفار (^٧)، ثم
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٢) في ب. و: لا يتناقض.
(٣) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٤) ساقط من هـ.
(٥) ما بين القوسين ساقط من و
(٦) سورة الأنفال، آية: [٣٣].
(٧) في باقي النسخ الكافرين.
[ ٥٦١ ]
قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (^١) يعني المؤمنين، ثم قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّه﴾ (^٢) يعني الكافرين، ولا خلاف عند أهل اللغة في جواز الخطاب بهذا أن يكون ظاهره لجنس، والمراد به جنسان. فبطل ما اعترض به المعترض، ودل على جهله) (^٣).
_________________
(١) سورة الأنفال، آية: [٣٣].
(٢) سورة الأنفال، آية: [٣٤].
(٣) ما بين القوسين ساقط من ب
[ ٥٦٢ ]