لا أقول إنه مخلوق ولا أقول إنه غير مخلوق
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٢) الواقفة: هم الذين وقفوا في القرآن واكتفوا بالقول بأنه كلام الله، ويسكتون بعد ذلك فلا يقولون: إنه غير مخلوق، ولا إنه مخلوق. وقد بين الإمام أحمد - ﵀ - بأن الجهمية افترقت على ثلاث فرق: فرقة قالوا القرآن مخلوق، وفرقة قالوا القرآن كلام الله وتسكت - وهذه هي الواقفة - وفرقة قالوا لفظنا بالقرآن مخلوق. انظر: كتاب محنة الإمام أحمد ص ٧٢. ومن هنا يتبين لنا أن هذا المذهب نشأ في أثناء المحنة وبعدها). مما ينبغي التنبيه له وهو أن الواقفة فريقان: أ- منهم من وقف عن الكلام في القرآن أول ما حدث الخوض في ذلك، ورعًا واتباعًا لسبيل من قبله من أهل العلم الذين لم يُؤثر عنهم أن القرآن غير مخلوق. والحقيقة أن هذا الوقف مبني على قلة بصيرة وعدم تفطنٍ لبدعة الجهمية والمعتزلة، وفي هؤلاء جماعة من المعروفين بالسنة والحديث، كعلي بن الجعد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وبشر بن الوليد الكندي الحنفي، ومصعب بن عبد الله الزبيري وأحمد بن الُمَعذَّل، ويعقوب بن شيبة السدوسي، وجماعة غيرهم. وقد أنكر عليهم العلماء هذا المسلك وحذروا منه، فعن الإمام أحمد، وقد سئل: هل لهم رخصة أن يقول الرجل: كلام الله ويسكت؟ فقال: ولم يسكت؟ قال: لولا ما وقع الناس فيه كان يسعه السكوت، ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا لأي شيء لا يتكلمون؟ … وقال: «وإنه ربما سألني الإنسان عن الشيء فأقف، لا أقف إلا كراهية الكلام فيه». ب- الفريق الثاني: وهم جمهور الواقفة فقد أرادوا الاحتيال والتلبيس على الناس وحقيقة أمرهم، أن القرآن مخلوق، وهؤلاء هم الجهمية، وقد تفطن الأئمة لمرادهم وحذورا منهم، ومن هؤلاء ابن الثلجي وأصحابه، وزرقان، وغيرهم. قال أحمد عن الواقفة: «هم شر من الجهمية استتروا بالوقف»، السنة للخلال (٥/ ١٢٩)، وقال إسحاق بن راهويه عمن يقول: القرآن كلام الله ويقف؛ قال: «هو عندي شر من الذي يقول: إنه مخلوق، ويقف!! لأنه يقتدي به غيره»، وقال أيضًا: «إنه جهمي»، السنة للخلال (٥/ ١٢٦ - ١٣٧)، وكذا قال ابن قتيبة بن سعيد: «إنهم شر ممن قال: القرآن مخلوق»، وهذا المعنى نقل عن عثمان بن أبي شيبة، وأحمد بن صالح المصري، ومحمد بن مقاتل العباداني، وسائر الأئمة والعلماء في ذلك العصر. انظر مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٢٠)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٩، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٧٨). قال شيخ الإسلام وهو يتحدث عن المحنة: «وصارت فروع التجهم تجول في نفوس كثير من الناس، فقال بعض من كان معروفًا بالسنة والحديث: لانقول مخلوق ولا غير مخلوق بل نقف، وباطن أكثرهم موافق للمخلوقية!! ولكن كان المؤمنون أشد رهبة في صدروهم من الله …»، مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٥٨)، وانظر خلق أفعال العباد (١/ ٤٣٥ - ٤٣٧)، والشريعة للآجري (١/ ٥٢٦)
[ ٣٨٩ ]
١ - مسألة (^١): يقال لهم: لم زعمتم ذلك وقلتموه؟ فإن قالوا قلنا ذلك لأن الله لم يقل في كتابه: إنه مخلوق، ولا قاله رسول الله -ﷺ-، ولا
_________________
(١) في ب. جواب.
[ ٣٩٠ ]
أجمع عليه المسلمون (^١)، [ولم يقل في كتابه إنه غير مخلوق، ولا قال ذلك رسول الله -ﷺ- ولا أجمع عليه المسلمون] (^٢)، فوقفنا لذلك، ولم نقل: إنه مخلوق، ولا [إنه] (^٣) غير مخلوق.
٢ - [يقال لهم: فهل قال الله ﷿ لكم في كتابه قفوا فيه؟ ولا تقولوا غير مخلوق] (^٤)، أو قال [لكم] (^٥) رسول الله -ﷺ- توقفوا عن أن تقولوا إنه غير مخلوق، وهل أجمع المسلمون على التوقف عن القول إنه غير مخلوق؟
(فإن قالوا: نعم بهُتوا. وإن قالوا: لا، قيل لهم ولا تقفوا عن أن تقولوا غير مخلوق) (^٦) بمثل الجهة (^٧) التي بها ألزمتم أنفسكم على التوقف.
٣ - ثم يقال لهم: ولم أبيتم أن يكون في كتاب الله ما يدل على أن القرآن غير مخلوق؟ فإن قالوا: لم نجده. قيل لهم: [ولم] (^٨) زعمتم [أنكم] (^٩)
_________________
(١) في ب. ولا أجمع المسلمون عليه.
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب، و.
(٣) ما بين القوسين زيادة من ب.
(٤) ما بين القوسين زيادة من ب.
(٥) ما بين القوسين زيادة من ب.
(٦) ما بين القوسين ساقط من ب
(٧) في ب الحجة.
(٨) ما بين القوسين زيادة من ب، و
(٩) ما بين القوسين زيادة من ب، و
[ ٣٩١ ]
إذا لم تجدوه في القرآن فليس موجودًا في القرآن (^١)؟.
٤ - ثم إنا نوجدهم ذلك، نتلو عليهم الآيات (^٢) التي احتججنا بها في كتابنا هذا، واستدللنا على أن القرآن غير مخلوق، كقوله ﷿: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (^٣)، وكقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٤). وكقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ (^٥)، وسائر ما احتججنا به من (^٦) آيات (^٧) القرآن.
ويقال لهم: يلزمكم أن تقوقوا في كل ما اختلف الناس فيه، ولا تقدموا في [ذلك] (^٨) على قول. فإن جاز لكم أن تقولوا ببعض تأويل المسلمين إذا دل على صحتها دليل فلم لا قلتم: إن القرآن غير مخلوق من الحجج التي ذكرناها في كتابنا هذا قبل هذا الموضع.
٥ - سؤال: فإن قال قائل: حدثونا. أتقولون: إن كلام الله في اللوح
_________________
(١) في ب. فيه.
(٢) ساقط من و.
(٣) سورة الأعراف، جزء من آية: [٥٤].
(٤) سورة النحل، آية: [٤٠].
(٥) سورة الكهف، جزء من آية: [١٠٩].
(٦) في و. في ذلك.
(٧) ساقط من و. وفي ب بذلك من أي.
(٨) ما بين القوسين زيادة من ب، و
[ ٣٩٢ ]
المحفوظ؟ قيل له: كذلك نقول؛ لأن الله ﷿، قال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (^١) (٢٢)﴾، فالقرآن في اللوح المحفوظ، وهو في صدور الذين أوتوا العلم. [قال الله ﷿: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (^٢) (^٣). وهو يتلى (^٤) بالألسنة، قال الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ (^٥). والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، محفوظُ في صدورنا في الحقيقة، متلو بألسنتنا في الحقيقة (^٦) مسموعٌ لنا في الحقيقة، كما قال ﷿:
_________________
(١) سورة البروج، الآيتان: [٢١ - ٢٢].
(٢) سورة العنكبوت، جزء من آية: [٤٩].
(٣) ما بين القوسين زيادة من ب. د. و
(٤) في ب. د. و. متلو.
(٥) سورة القيامة، آية: [١٦، ١٧].
(٦) وهذا من مسائل الإجماع حيث أجمع أهل السنة والجماعة على أن أصوات العباد بالقرآن مخلوقة، وكذلك المداد والقرطاس الذي كتب به كلام الله، ومن اعتقد غير ذلك فهو ضال، وقد نص على الإجماع غير واحد من أهل العلم منهم اللالكائي، في شرح أصول الاعتقاد ٣/ ٥٨٩= = وشيخ الإسلام حيث قال ﵀: " وأما أصوات العباد بالقرآن والمداد الذي في المصحف فلم يكن أحد من السلف يتوقف في ذلك بل كلهم متفقون أن أصوات العباد مخلوقة، والمداد كله مخلوق، وكلام الله الذي يكتب بالمداد غير مخلوق﴾ وقال أيضًا: «من اعتقد ان المداد الذي في المصحف وأصوات العباد قديمة أزلية فهو ضال مخطيء»، مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين، وسائر علماء الإسلام ولم يقل أحد قط من علماء المسلمين، إن ذلك قديم لامن أصحاب الإمام أحمد ولا من غيرهم، انظر مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨، ٥٦٨)، كما نقل الإجماع القرطبي في تفسيره ١/ ٩. كما نص البخاري على أن المداد والرق مخلوق، انظر: خلق أفعال العباد (٢/ ٧٤ و١٧٦) و(١/ ٧٠). بل نقل البخاري قول حماد بن زيد: «أن من قال أن كلام العباد ليس بمخلوق فهو كافر»، انظر خلق أفعال العباد ٢/ ٣٠٩، وانظر فتح الباري (١٥/ ٤٦٦، ٤٦٧)، وانظر ص ٤٥٢ و٥٥٨ من هذه الرسالة.
[ ٣٩٣ ]
﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (^١).
٦ - سؤال: فإن قال قائل (^٢): حدِّثونا عن اللفظ بالقرآن (^٣) كيف
_________________
(١) سورة التوبة، جزء من آية: [٦].
(٢) ساقط من. ب.
(٣) ومعنى اللفظ كما جاء في لسان العرب: أن ترمي بشيء كان في فيك، ولفظ بالشيء يَلْفِظُ لفظًا: تكلم، وفي التنزيل العزيز: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ولفظت بالكلام، وتلفظت به، أي: تكلمت به، واللفظ واحد الألفاظ، وهو في الأصل مصدرٌ. لسان العرب ٧/ ٤٦١. قال شيخ الإسلام: «اللفظ في الأصل مصدر: لفظ يَلْفِظُ لفظًا، وكذلك التلاوة والقراءة، ولكن شاع استعمال ذلك في نفس الكلام المَلْفُوظ المَقْرُوء المَتْلو، وهو المراد باللفظ في إطلاقهم، فإذا قيل: لفظي أو اللفظ بالقرآن مخلوق، أشعر أن شيئًا مما يضاف إليه غير مخلوق، وصوته وحركته مخلوقان، لكن كلام الله الذي يقرؤه غير مخلوق، والتلاوة قد يراد بها نفس الكلام الذي يتلى، وقد يراد بها نفس حركة العبد، وقد يراد بها مجموعهما، فإن أريد بها الكلام نفسه الذي يُتلى =
[ ٣٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =فالتلاوة هي المتلو؛ وإذا أُريد بها حركة العبد فالتلاوة ليست هي المتلو، وإذا أُريد بها المجموع فهي متناولة للفعل والكلام، فلا يُطلق عليها أنها المتلو، ولا أنها غيره». مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧). وقال شيخ الإسلام: «الجهمية هم أول من قال اللفظ بالقرآن مخلوق»، انظر: مجموع الفتاوى ٨/ ٤٠٧ ونقل بعض أهل العلم بأن الحسين بن علي الكرابيسي هو أول من قال ألفاظنا بالقرآن مخلوقة»، وأشهرها في سنة ٢٣٤ أنظر: الحجة في بيان المحجة ١/ ٣٤٠ وانظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٨٩، وطبقات الحنابلة ١/ ٤١. قلت: وهذه من المسائل التي حدث فيها نزاع بين أهل السنة، وسبب ذلك اختلافهم في مفهوم اللفظ والتلاوة والقراءة لأنها من الألفاظ المجملة المحتملة لمعنين: المعنى الأول: فقد يُرادُ بها لَفَظَ يَلْفِظُ لَفْظًا، ومسمَّى هذا فعل العبد مخلوق، ولا منازع في ذلك، وهو ممَّا عُلِمَ فساد ضدَّه بالضرورة، وبناء على هذا، فيكون اللفظ غير الملفوظ، والتلاوة غير المتلو، والقراءة غير المقروء، أي: أن الاسم غير المسمَّى انظر مجموع الفتاوى ١٢/ ١٦٦؛ لأن فعل العبد وحركاته، مخلوقة باتفاق السلف، وهذه الأفعال والحركات ليست قديمة، بل هي خلق من خلق الله. المعنى الثاني: وقد يُرادُ باللفظ: القول الذي يلفظ به اللافظ، وذلك كلام الله لا كلام القارئ، فمن قال: إنه مخلوق، فقد قال: إنَّ الله لم يتكلم بهذا القرآن، وإن هذا الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله ومعلوم أنَّ هذا مخالف لما عُلِمَ بالاضطرار من دين الرسول ﷺ (مجموع الفتاوى ١٢/ ١٤). فإذا أراد اللفظ بهذا المعنى التلاوة والقراءة بأنها نفس القرآن الذي هو كلام الله فهذا يقتضي بأن كلام الله مخلوق فهذا جهمي ولذا رد الإمام أحمد وسائر أئمة السنة المتقدمين منهم والمتأخرين؛ فمن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق، فهو مبتدع. انظر مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٣٢، أما صوت العبد فلم يحدث بينهم نزاع في كونه مخلوقًا والسبب الذي جعل الأئمة يردون هاتين المقالتين فقد جلاها ابن حجر بقوله: بأنهم أرادوا حسم المادة صونًا للقرآن أن يوصف بكونه مخلوقًا، وإذا حقق الأمر عليهم لم يفصح أحد منهم بأن حركة لسانه إذا قرأ قديمة. انظر فتح الباري ١٥/ ٤٦٥، وأما من نسب للإمام البخاري ﵀ القول باللفظ، وبأنه قال لفظي بالقرآن مخلوق، فقد توهم وفهم فهمًا خاطئًا؛ لأنه نص على أن أصوات العباد مخلوقة بخلاف القرآن المتلو المقروء حيث قال: «حركاتهم - أي العباد - وأصواتهم واكتسابهم وكتاباتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصحف، المسطور المكتوب الموعي في القلوب فهو كلام الله ليس بخلق، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، انظر: خلق أفعال العباد ٢/ ٧٠. ففرق - ﵀ - بين القراءة والتلاوة التي هي من فعل العبد وبين المتلو والمقروء الذي هو كلام الله حقيقة. وللمزيد انظر: مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص ٢٦٥، ودرء التعارض ١/ ٢٦٠، ومجموع الفتاوى ١٢/ ٢٠٦.
[ ٣٩٥ ]
تقولون فيه؟ قيل له: القرآن يقرأ في الحقيقة ويتلى، فلا يجوز (^١) أن يقال يلفظ به (^٢)؛ لأن القائل لا يجوز [له] (^٣) أن يقول: إنه (^٤) كلام ملفوظ به، لأن العرب إذا قال قائلهم: لفظت باللقمة من في (^٥) معناه: رميت بها،
_________________
(١) في ب. وولا يجوز.
(٢) في ب. وتلفظ به.
(٣) ما بين القوسين زيادة من. ب. و.
(٤) ساقط من. و.
(٥) في ب. ومن فمي.
[ ٣٩٦ ]
وكلام الله ﷿ لا يقال ملفوظ به (^١)، وإنما يقال: [يقرأ] (^٢)، ويتلى ويكتب (^٣)، ويحفظ. وإنما قال قوم: لفظنا بالقرآن يثبتون (^٤) أنه مخلوق. [ويزينوا بدعتهم] (^٥)، وقولهم بخلقه، يدلسوا كفرهم على من لم يقف على معناهم، فلما وقفنا عليهم (^٦) معناهم، أنكرنا قولهم. ولا يجوز أن يقال: إن شيئًا من القرآن مخلوق؛ لأن القرآن بكماله غير مخلوق.
٧ - سؤال: إن قال قائل: أليس قد قال الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ
_________________
(١) في ب. ويلفظ به.
(٢) ما بين القوسين زيادة من ب، و
(٣) أجمع أهل السنة أن المكتوب في القراطيس هو كلام الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀: «الخلق كلهم متفقون على أن كلام كل متكلم يكتب في القراطيس»، انظر الجواب الصحيح (٤/ ٣٢٥، ٣٢٦). وقال أبو نصر السجزي ﵀: «لاخلاف بين المسلمين أجمع في أن القرآن كلام الله وأنه الكتاب المنزل بلسان عربي مبين»، انظر رسالته إلى أهل زبيد (١٠٥)، وانظر التمهيد (٤/ ٢٧٨)، ومراتب الإجماع (٢٦٨)، وانظر البرهان في بيان القرآن ص ٤٩، والإنصاف ص ١٤٥. وانظر ص ٤٥٢، ٥٥٦ من هذه الرسالة.
(٤) وفي. ب. و. ليثبتوا.
(٥) ما بين القوسين زيادة من ب، و، وفي النسخة المعتمدة «أ» سقط ثم عبارة عنهم. وفي ج. هـ. ويزينوا عنهم.
(٦) في. ب. و. على.
[ ٣٩٧ ]
ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (^١). قيل له: الذكر الذي عناه الله ﷿ ليس هو القرآن بل هو كلام الرسول -ﷺ- ووعظه إياهم، وقد قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢)، وقد قال الله تعالى: (﴿ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾) (^٣) (^٤) فسمى الرسول ذكرًا، والرسول محدث. وأيضًا فإن الله ﷿ قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (^٥)، يخبر أنهم ما (^٦) يأتيهم من (^٧) ذكر محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، ولم يقل ما يأتيهم من ذكر إلا كان محدثًا، وإذا لم يقل هذا لم يوجب أن يكون القرآن محدثًا (^٨).
_________________
(١) سورة الأنبياء، جزء من آية: [٢].
(٢) سورة الذاريات، آية: [٥٥].
(٣) سورة الطلاق، آيتا: [١٠ - ١١].
(٤) ما بين القوسين ساقط من هـ.
(٥) سورة الأنبياء، آية: [٢].
(٦) في. و. ب. لا.
(٧) ساقط من. ب. و.
(٨) الرد على شبهة أن القرآن محدث: أولًا: قال الإمام أحمد -﵀-: " ثم إن الجهم قال: أنا أجد آية في كتاب الله ﵎ تدل على أن القرآن مخلوق. فقلنا في أي آية؟ .. فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ الأنبياء (٢)، فزعم أن الله قال القرآن محدث، وكل محدث مخلوق. فلعمري، لقد شبه على الناس بهذا، وهي آية من المتشابه فقلنا في ذلك قولًا =
[ ٣٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = واستعنا بالله، ونظرنا في كتاب الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أ- اعلم أن الشيئين إذا اجتمعا في اسم يجمعهما فكان أحدهما أعلى من الآخر، ثم جرى عليهما اسم مدح، فكان أعلاهما أولى بالمدح وأغلب عليه، وإن جرى عليه اسم ذم فأدناهما أولى به، ومن ذلك قول الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحج: ٦٥)، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ﴿الإنسان: ٦﴾ يعني الأبرار دون الفجار، فإذا اجتمعوا في اسم الإنسان، واسم العباد، فالمعنى في قول الله جل ثناؤه: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ﴿الإنسان: ٦﴾، يعني الأبرار دون الفجار، لقوله إذا انفرد الأبرار: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (الانفطار: ١٣)، وإذا انفرد الفجار: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿الانفطار: ١٤﴾. ب- وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿الحج: ٦٥﴾ فالمؤمن أولى به، وإن اجتمعا في اسم الناس؛ لأن المؤمن إذا انفرد أُعطي المدحة لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿الحج: ٦٥﴾ ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿الأحزاب: ٤٣﴾، وإذا انفرد الكفار جرى عليهم الذم في قوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ﴿هود: ١٨﴾ وقال: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ﴿المائدة: ٨٠﴾. فهؤلاء لا يدخلون في الرحمة. جـ - وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿الشورى: ٢٧﴾، فاجتمع الكافر والمؤمن في اسم العبد، والكافر أولى بالبغي من المؤمنين؛ لأن المؤمنين انفردوا ومدحوا فيما بسط لهم من الرزق، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ ﴿الفرقان: ٦٧﴾، وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ﴿البقرة: ٣﴾، وقد بسط الرزق لسليمان بن داود، ولذي القرنين، وأبي بكر، وعمر، ومن كان على مثالهم ممن بسط له فلم يبغِ. وإذا انفرد الكافر وقع عليه اسم البغي في قوله لقارون: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ ﴿القصص: ٧٦﴾، ونمرود بن كنعان =
[ ٣٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =حين آتاه الله الملك فحاج في ربه، وفرعون حين قال لموسى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ﴿يونس: ٨٨﴾. فلما اجتمعوا في الاسم الواحد فجرى عليهم اسم البغي كان الكفار أولى به، كما أن المؤمن أولى بالمدح. د- فلما قال الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ ﴿الأنبياء: ٢﴾، فجمع بين ذكرين: ذكر الله، وذكر نبيه. فأما ذكر الله إذا انفرد لم يجر عليه اسم الحدث، ألم تسمع إلى قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ﴿العنكبوت: ٤٥﴾. ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ ﴿الأنبياء: ٥٠﴾، وإذا انفرد ذكر النبي ﷺ فإنه جرى عليه اسم الحدث، ألم تسمع إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿الصافات: ٩٦﴾. فذكر النبي ﷺ له عمل، والله له خالق محدث، والدلالة على أنه جمع بين ذكرين لقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ ﴿الأنبياء: ٢﴾، فأوقع عليه الحدث عنه إتيانه إيانا، وأنت تعلم أنه لا يأتينا بالأنباء إلا مبلغ ومذكر، وقال الله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الذاريات: ٥٥﴾، ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ ﴿الأعلى: ٩﴾، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿الغاشية: ٢١﴾. فلما اجتمعوا في اسم الذكر جرى عليهم اسم الحدث، وذكر النبي إذا انفرد وقع عليه الخلق وكان أولى بالحدث من ذكر الله الذي إذا انفرد لم يقع عليه اسم خلق، ولاحدث، فوجدنا دلالة من قول الله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ ﴿الأنبياء: ٢﴾ إلى النبي -ﷺ-، لأن النبي ﷺ كان لايعلم فعلمه الله. فلما علمه الله كان ذلك محدثا إلى النبي ﷺ. انظر الرد على الجهمية للإمام أحمد من ص ١٢٢ - ١٢٥. ثانيًا: وقال ابن تيمية - ﵀ - مفندًا احتجاج الجهمية في هذه الآية: «وإن احتج بقوله: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث)، قيل له: هذه الآية حجة عليك؛ فإنه لما قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ علم أن الذكر منه محدث ومنه ما ليس بمحدث؛ لأن النكرة إذا وصفت ميز بها الموصوف وغيره، كما لو قال: ما يأتيني من رجل مسلم إلا أكرمته، وما آكل طعامًا حلالا ونحو ذلك، ويعلم أن المحدث في الأية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي، ولكنه الذي أنزل جديدًا، فإن الله كان ينزل القرآن شيئا بعد شيء، فالمنزل أولًا هو قديم بالنسبه إلى المنزل آخراَ. وكل ماتقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، كما قال: ﴿عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ وقال: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقال: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ ١٢/ ٥٢١ - ٥٢٢. ثالثًا: وقال ابن كثير في بيان معنى الآية عند تفسيره للآية رقم (٢) من سورة الأنبياء: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ ثم أخبر تعالى أنهم لايصغون إلى الوحي الذي أنزله الله على رسوله، والخطاب مع قريش ومن شابههم من الكفار، فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾، أي: جديد إنزاله ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾، كما قال ابن عباس: مالكم تسألون أهل الكتب عما بأيديهم وقد حرفوه وبدلوه، وزادوا فيه ونقصوا منه، وكتابكم أحدث الكتب بالله تقرأونه محضا لم يشب، رواه البخاري بنحوه.
[ ٤٠٠ ]
ولو قال قائل: ما يأتيهم رجل من التميميين (^١) يدعوهم إلى الحق إلا أعرضوا عنه، لم يوجب هذا القول. أنه لا يأتيهم رجل إلا كان تميميًا فكذلك القول فيما سألونا عنه.
_________________
(١) تميم: قبيلة عربية من ولد تميم بن مرة بن أد بن طابخة (عمرو) بن إلياس بن مضر وهم ثلاثة: الحارث بن تميم، زيد مناة بن تميم، وعمرو بن تميم. انظر جمهرة النسب ص ١٩٢، وجمهرة أنساب العرب ص ٢٠، وفضائل بني تميم في السنة النبوية ص ٢٨.
[ ٤٠١ ]
٨ - [مسألة] (^١) وإن سألونا عن قول الله ﷿: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (^٢) (^٣). قيل لهم: الله ﷿ أنزله وليس مخلوقًا. فإن
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من. و. وفي. ب. سؤال.
(٢) سورة الزمر، جزء من آية: [٢٨].
(٣) وقد أجاب الإمام أحمد - ﵀ - على احتجاجهم بقوله: وزعم - الجهمي - أن "جعل" بمعنى "خلق﴾ فكل مجعول هو مخلوق، فادعى كلمة من الكلام المتشابه يحتج بها من أراد أن يلحد في تنزيله، ويبتغي الفتنة في تأويلها، وذلك أن "جعل" في القرآن من المخلوقين على وجهين: على معنى التسمية، وعلى معنى فعل من أفعالهم. وقوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]. قالوا: هو شعر وأنباء الأولين، وأضغاث أحلام، فهذا على معنى التسمية. قال ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]. يعنى أنهم سموهم إناثا. ثم ذكر "جعل" على معنى التسمية فقال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩]. فهذا على معنى فعل من أفعالهم. وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦] هذا على معنى فعل فهذا جعل المخلوقين، ثم جعل من أمر الله على معنى خلق لايكون إلا خلقًا، ولا يقوم إلا مقام = = خلق خلقًا لا يزول عند المعنى - وإذا قال الله "جعل" على غير معنى خلق، لا يكون خلقًا، ولا يقوم مقام خلق، ولا يزول عنه المعنى فمما قال الله "جعل" على معنى " خلق" قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] يعني وخلق الظلمات والنور، وقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، يقول ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، ويقول: وخلقنا الليل والنهار آيتين. وقال: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، =
[ ٤٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يقول: خلق منها زوجها. يقول: وخلق من آدم حواء. وقال: ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ [النمل: ٦١]، يقول: وخلق لها رواسي، ومثله في القرآن كثير، فهذا وما كان مثله لا يكون إلا على معنى خلق. ثم ذكر "جعل" على غير معنى خلق، قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] لا يعنى: ما خلق الله من بحيرة ولا سائبة. وقال الله لإبراهيم: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] لا يعنى إني خالق للناس إمامًا؛ لأن خلق إبراهيم كان متقدمًا. وقال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]. لا يعني: اخلقني مقيم الصلاة. وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، وقال لأم موسى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]. لا يعنى: وخالقوه من المرسلين، لأن الله وعد أم موسى أن يرده إليها، ثم يجعله بعد ذلك رسولًا. وقال: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال: ٣٧]. وقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، [القصص: ٥]. وقال: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، لا يعني: وخلقه دكا. ومثله في القرآن كثير. فهذا وما كان على مثاله لا يكون على معنى خلق، فإذا قال الله "جعل" على معنى خلق، وقال "جعل" على غير معنى خلق، فبأي حجة قال الجهمي: جعل على معنى خلق؟ فإن رد الجهمي الجعل إلى المعنى الذي وصفه الله فيه، وإلا كان من الذين يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، وهم يعلمون. فلما قال الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، [الزخرف: ٣]، وقال: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، [الشعراء: ١٩٤، ١٩٥]، وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾، [مريم: ٩٧]، فلما جعل الله القرآن عربيًا ويسره بلسان نبيه ﷺ كان ذلك فعلًا من أفعال الله ﵎. جعل القرآن به عربيًا يعني: هذا بيان مبين لمن أراد هداه الله، وليس كما زعموا معناه: أنزلناه بلسان العرب. وقيل: بيناه. الرد على الجهمية والزنادقة ص ١٠٢ - ١٠٥. (ب) - وقال ابن كثير في تفسير الآية: أي أنزلناه بلغة العرب كي تفهمونه وتتدبرونه كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ عند تفسيره للآية (١٩٥) من سورة الشعراء. (جـ) - وقال أبو جعفر النحاس في بيان معنى الآية: أي بيناه. انظر: معاني القرآن الكريم للنحاس ص ٦/ ٣٣٣
[ ٤٠٣ ]
قالوا: فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (^١)، والحديد مخلوق. قيل لهم: الحديد جسم موات (^٢)، وليس يجب إذا كان القرآن منزلًا أن يكون (جسمًا مواتًا؛ ولذلك لا يجب إذا كان القرآن منزلًا) (^٣) أن يكون مخلوقًا، وإن كان الحديد مخلوقًا.
٩ - مسألة: ويقال لهم: قد أمرنا الله ﷿ أن نستعيذ به وهو غير مخلوق (^٤)، وأمرنا أن نستعيذ بكلمات الله التامات، وإذا لم نؤمر أن نستعيذ بمخلوق من المخلوقات، وأمرنا أن نستعيذ بكلام الله فقد وجب أن كلام الله غير مخلوق.
_________________
(١) سورة الحديد، جزء من آية: [٢٥].
(٢) في جـ جسم مؤلف وفي ب جنسه مؤلف
(٣) ما بين القوسين ساقط من هـ.
(٤) في جـ أن نستعيذ من الشيطان وهو مخلوق.
[ ٤٠٤ ]