١ - إن سأل سائل عن الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
قيل له: الدليل على ذلك قول الله (^٣) ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (^٤) وأمر الله هو كلامه وقوله، فلما [أمرهما] (^٥) بالقيام فقامتا لا تهويان (^٦)؟ كان قيامهما بأمره (^٧).
٢ - [و] (^٨) قال ﷿: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (^٩)، فالخلق جميع ما
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٢) انظر ص () في صفة الكلام والقرآن غير مخلوق.
(٣) في ب. د. وقوله.
(٤) سورة الروم، جزء من آية: [٢٥].
(٥) ما بين القوسين التصحيح من. ب. د. و. هـ. وفي الباقي أمرهم وما أثبته أصح ليستقيم مع ما بعده.
(٦) في ب. و. لا يهويان.
(٧) ساقط من د.
(٨) ما بين القوسين زيادة من ب. و.
(٩) سورة الأعراف، جزء من آية: [٥٤].
[ ٣٠٦ ]
خلق داخل فيه. لأن الكلام إذا كان عامًا لفظه بحقيقته (^١) أنه عام، ولا يجوز لنا أن نزيل الكلام عن حقيقته بغير حجة ولا برهان. فلما قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ﴾ كان هذا في جميع الخلق. ولما قال: ﴿وَالْأَمْرُ﴾ ذكر أمرًا غير جميع الخلق، فدل ما وصفنا على أن أمر الله غير مخلوق.
٣ - فإن قال قائل: أليس قد قال الله (^٢) تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (^٣). قيل له: نحن نخص القرآن بالإجماع وبالدليل، فيما (^٤) ذكر الله ﷿ نفسه وملائكته ولم يدخل في [ذكر] (^٥) الملائكة جبريل وميكال. [وإن كانا من الملائكة] (^٦) [ذكرهما بعد ذلك، كأنه قال: الملائكة إلاجبريل وميكال] (^٧)، (ثم ذكرهما بعد ذكر الملائكة فقال: وجبريل وميكال) (^٨).
ولما قال:: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، ولم يخص قول (^٩): ﴿الْخَلْقُ﴾ دليل كان قوله،: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ﴾ في جميع الخلق،
_________________
(١) في ب. د. ولفظه عامًا فحقيقته.
(٢) ساقط من و.
(٣) سورة البقرة، جزء من آية: [٩٧].
(٤) في و. فلما.
(٥) ما بين القوسين التصحيح من ب. ووفي باقي النسخ دار. وهذا خطأ بين.
(٦) ما بين القوسين زيادة من ب. و. ب.
(٧) ما بين القوسين. زيادة من ب. و.
(٨) ما بين القوسين ساقط من جـ، هـ.
(٩) في. ب. و. قوله.
[ ٣٠٧ ]
ثم قال بعد ذكره الخلق والأمر، فأبان الأمر من الخلق، وأمر الله كلامه، وهذا يوجب (^١) أن كلام الله غير مخلوق.
وقال ﷿: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (^٢) يعني من قبل أن يخلق الخلق ومن بعد ذلك، وهذا يوجب أن الأمر غير مخلوق.
٤ - (دليل آخر: ومما يدل من كتاب الله على أن كلامه غير مخلوق، قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٣) فلو كان القرآن مخلوقًا لوجب أن يكون مقولًا له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولو كان الله ﷿ قائلًا للقول ﴿كن﴾ كان (^٤) للقول قولًا، وهذا يوجب أحد أمرين:
أ - إما أن يؤول الأمر إلى أن قول الله غير مخلوق.
ب- أو يكون كل قول واقع بقول لا إلى غاية.
وذلك محال، وإذا استحال ذلك صح وثبت أن لله ﷿ قولًا غير مخلوق.
٥ - سؤال فإن قال قائل: معنى قول الله ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
_________________
(١) في جـ. يوجد.
(٢) سورة الروم، جزء من آية: [٤].
(٣) سورة النحل، جزء من آية: [٤٠].
(٤) في و. لكان قولًا.
[ ٣٠٨ ]
إنما [يكوّنه] (^١) فيكون: قيل: الظاهر أن يقول له، ولا يجوز أن يكون قول الله للأشياء كلها كوني هو الأشياء، لأن هذا يوجب أن تكون الأشياء كلها كلام الله ﷿، ومن قال ذلك أعظم الفرية، لأنه يلزمه أن يكون كل شيء في العالم من إنسان وفرس وحمار وغير ذلك كلام [الله] (^٢)، وفي هذا ما فيه. فلما استحال ذلك صح أن قول الله للأشياء كون (^٣) غيرها، وإذا كان غير مخلوق فقد خرج كلام الله ﷿ عن أن يكون مخلوقًا.
٦ - ويلزم من يثبت [أن] (^٤) كلام الله مخلوقًا أن يثبت أن الله غير متكلم (^٥) ولا قائل، وذلك فاسد. كما يفسد أن يكون علم الله مخلوقًا وأن يكون الملك (^٦) غير عالم.
_________________
(١) ما بين القوسين التصحيح من جميع النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» يكون وما أثبته صح.
(٢) ما بين القوسين زيادة من جميع النُسخ.
(٣) في ب. د. هـ. و. كوني.
(٤) ما بين القوسين زيادة مني لبيان المعنى.
(٥) ويقصد أن من قال كلام الله مخلوق يلزمه أن الله سبحانه قبل أن يخلق كلامه كان غير متكلم، وقبل أن يخلق قوله كان غير قائل، وهذا محال في حق الله - ﷾ - فثبت بمثل هذا الدليل العقلي وقبله الأدلة النقلية أن كلام الله غير مخلوق، وهذا من الحجج العقلية القوية.
(٦) في باقي النسخ. الله.
[ ٣٠٩ ]
٧ - فلما كان الله ﷿ لم يزل عالمًا، إذ لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف العلم موصوفًا، استحال أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفًا، لأن خلاف الكلام الذي لا يكونُ معه كلام سكوت (^١)
_________________
(١) قوله - ﵀ -: " إن ضد عدم الكلام سكوت أو آفة لا يقر عليه بإطلاق، فإن كان مقصده من نفي السكوت السكوت الدائم الأبدي فهذا هو الحق الموافق لقول أهل السنة والجماعة، ولعل هذا هو مقصده، وإن كان قصده نفي صفة السكوت فهذا مخالف للحق؛ لأن صفة السكوت صفة ثابتة لله من صفاته الفعلية الاختيارية المتعلقة بمشيئته؛ لأنه سبحانه إن شاء تكلم، وإن شاء لم يتكلم، وقد دل على ثبوت هذه الصفة لله السنة والإجماع. والسكوت يأتي بمعنى عدم الكلام، ويأتي بمعنى عدم الجهر، وإظهار الكلام. والسكوت الذي يوصف به الله - ﷿ - هو عدم الكلام، وليس الكلام بصوت لا يُسمع جل الله وعلا وعز عن ذلك، فهو سبحانه تكَلمَ حين شاء ويتكلم حين يشاء ويسكت عن الكلام حين يشاء، وسكت حين شاء وليس المقصود بالسكوت أن الله يتكلم بلا صوت حين يشاء وجميع الأحاديث التي ثبتت بها صفة السكوت تعني ترك الكلام كما في حديث: أرأيت سكوتك. بين التكبير والقراءة فما تقول فيه يا رسول الله؟ فقال: ﷺ: "إني أقول … " الحديث بنصه أخرجه البخاري في ك: الأذان ب: ما يقول بعد التكبير حديث رقم: (٧٤٤)، ومسلم في ك: المساجد ومواضع الصلاة ب: ما يقول بين تكبيرة الإحرام والقراءة حديث رقم: (٥٩٨)، وقد نقل شيخ الإسلام الإجماع على ذلك، حيث قال: ثبت في السنة والإجماع أن الله يوصف بالسكوت، انظر: مجموع الفتاوى ٦/ ١٧٩، وقال - ﵀ -: ما زال الأئمة والفقهاء منذ القرون الأولى يقولون: هذا تكلم به =
[ ٣١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = = الشارع، وهذا سكت عنه الشارع، والشارع هو الله تعالى، ورسوله ﷺ. انظر: مجموع الفتاوى ٦/ ١٧٩، ونقل أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية عن شيخ الإسلام - أبي إسماعيل الأنصاري الهروي - قول الإمام ابن خزيمة (مؤيدًا له): إن الله متكلم إن شاء تكلم، وإن شاء سكت. انظر مجموع الفتاوى ٦/ ١٧٨، ١٧٧. وأما من السنة عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: " ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله العافية، فإن الله لم يكن نسيًا ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أخرجه الحاكم ٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧ حديث رقم ٣٤١٩ وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه البزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن ورجاله موثقون (١/ ١٧١). وعن سلمان الفارسي - ﵁ -: " الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" أخرجه الترمذي في ك: اللباس ب: ماجاء في لبس الفراء حديث رقم (١٧٢٦)، وأخرجه ابن ماجه في ك: الأطعمة ب: أكل الجبن والسمن حديث رقم (٣٣٦٧)، والحاكم ٤/ ١٢٩ حديث رقم (٧١١٥) وقال حديث صحيح، وسيف بن هارون لم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ٢٠ - ٢١ حديث رقم ١٩٧٢٣ وقال الألباني: حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٦٧ حديث رقم (١٧٢٦). وعن أبي ثعلبة الخشني عن النبي ﷺ قال: " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة غير نسيان فلا تبحثوا عنها". أخرجه الدارقطني ٤/ ١٠٩ حديث رقم (٤٣٥٠)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٥٨٩، والبيهقي في السنن ١٠/ ٢١ وحسنه النووي في الأربعين النووية ٢/ ١٥٠.
[ ٣١١ ]
وآفة (^١)، كما أن خلاف العلم الذي لا يكون معه علم، جهل، أو شك، أو آفة. ويستحيل أن يُوصف ربنا ﷿ بخلاف العلم. وكذلك يستحيل أن يوصف بخلاف الكلام من السكوت والآفات. فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلمًا، كما وجب أن يكون لم يزل عالمًا) (^٢).
٨ - دليل آخر: وقال الله ﷿: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (^٣) فلو كانت البحار مدادًا لكتبه (^٤) لنفدت البحار وتكسرت الأقلام، ولم يلحق الفناء كلمات ربي، كما لا يلحق الفناء علم الله ﷿. ومن فني كلامه لحقته الآفات وجرى عليه السكوت، فلما لم يجز ذلك على ربنا ﷿ صح (^٥) أنه لم يزل متكلمًا، لأنه لو لم يكن متلكمًا، وجب (^٦) [عليه] (^٧) السكوت والآفات، وتعالى ربنا عن قول الجهمية علوًا كبيرًا.
_________________
(١) في ب. و. أو أفة
(٢) ساقط من ب من (بداية دليل آخر ومما يدل من كتاب الله أن كلامه غير مخلوق إلى عبارة لم يزل عالمًا).
(٣) سورة الكهف، جزء من آية: [١٠٩].
(٤) في ب، و: كتبت وفي هـ للكتبة.
(٥) ساقط من جـ
(٦) ساقط من و
(٧) ما بين القوسين زيادة من عندي ليستقيم المعني.
[ ٣١٢ ]