وأنكرت المعتزلة (^٢) عذاب القبر وقد روي عن النبي -ﷺ- من وجوه كثيرة، وروي عن أصحابه ﵃، وما روي عن أحد منهم أنه أنكره ونفاه وجحده، فوجب أن يكون إجماعًا من أصحاب النبي -ﷺ-.
١ - وروى أبو بكر بن أبي شيبة (^٣) قال: حدثنا
_________________
(١) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٢) قلت: وتعميم إنكار المعتزلة لعذاب القبر فيه نظر حيث أثبته القاضي عبدالجبار عندما قال: فصل في عذاب القبر: وجملة ذلك أنه لا خلاف فيه بين الأمة، إلا شيئًا يحكى عن ضرار بن عمرو وكان من أصحاب المعتزلة ثم التحق بالمجبرة؛ ولهذا ترى ابن الرواندي يشنع علينا، ويقول: إن المعتزلة ينكرون عذاب القبر ولا يقرون به. ثم ذكر كلامًا أثبت من خلاله عذاب القبر ورد على المنكرين. انظر شرح الأصول الخمسة ٧٣٠ - ٧٣٤، كذلك وجدت الزمخشري في تفسيره «الكشاف» عند تفسيره للآية (٤٦) من سورة غافر. قال: ويُستدل بهذه الآية على إثبات عذاب القبر، انظر: الكشاف ٣/ ٤٣١، والزمخشري كما هو معروف من المعتزلة، ولذا فيجب التثبت والتأكد. والله أعلم. وللمزيد انظر ص ٤٣٦.
(٣) أبو بكر بن أبي شيبة: هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي مولاهم، أبو بكر بن أبي شيبة، قال أحمد بن حنبل: «صدوق»، ووثقه العجلي وأبو حاتم وابن خراش. مات في المحرم سنة خمس وثلاثين ومائتين. انظر: «الجرح والتعديل» (٥/ ١٦٠)، و«الثقات» لابن حبان (٨/ ٣٥٨)، و«تهذيب الكمال» (١٦/ ٣٤).
[ ٦٠٤ ]
معاوية (^١) عن الأعمش، عن أبي صالح (^٢) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «[تعوذوا] (^٣) بالله من عذاب القبر» (^٤).
_________________
(١) معاوية: هو محمد بن خازم التميمي السعدي، أبو معاوية الضرير الكوفي مولى بني سعد بن زيد مناة بن تيم، يقال: عمي وهو ابن ثمان سنين، لزم أبو معاوية الأعمش عشرين سنة، كان أعلم الناس بأحاديث الأعمش، وقال العجلي: كوفي ثقة كان يرى الإرجاء، ويقال: إن وكيعًا لم يحضر جنازته لذلك. مات سنة أربع وتسعين ومائة وقيل: خمس وتسعين. انظر: «الثقات» لابن حبان (٧/ ٤٤١)، و«تهذيب الكمال» (٢٥/ ١٢٣).
(٢) أبو صالح: هو القدوة الحافظ الحجة، ذكوان بن عبد الله مولى أم المؤمنين جويرية، كان من أكابر العلماء بالمدينة وكان يجلب الزيت والسمن إلى الكوفة، ولد في خلافة عمر، وشهد يوم الدار وحَصْر عثمان، قال أحمد: ثقة، ثقة ومن أجل الناس وأوثقهم، كان عظيم اللحية، كان إذا رآه أبو هريرة قال: ما على هذا أن يكون من بني عبد مناف. توفي سنة إحدى ومائة. انظر: «التاريخ الكبير» (٣/ ٢٦٠)، و«الجرح والتعديل» (٣/ ٤٥٠)، و«تهذيب الكمال» (٨/ ٥١٣)، و«سير أعلام النبلاء» (٥/ ٣٦).
(٣) التصحيح من ب. ومصدر الحديث مصنف ابن أبي شيبة وفي باقي النسخ: قولوا نعوذ بالله من عذاب القبر.
(٤) صحيح: ونصه «تعوذوا بالله من جهنم تعوذوا بالله من عذاب القبر تعوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال تعوذوا بالله من فتنة المحيا والممات.» أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٣/ ٢٥٢ كتاب الجنائز باب في عذاب القبر ومما هو؟ وأصل الحديث عند مسلم ك: المساجد ومواضع الصلاة، ب: ما يستعاذ منه في الصلاة (٥٨٩)، من حديث طاوس، عن أبي هريرة، مرفوعًا «عوذوا بالله من عذاب القبر ». وأخرجه مسلم أيضًا في ك: الجنة وصفة نعيمها، ب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه (٢٨٦٧)، من حديث، أبي سعيد الخدري، عن زيد بن ثابت، مرفوعًا» .. تعوذوا بالله من عذاب القبر …» الحديث. وفي «الصحيحين»: البخاري ك: الآذان، ب: الدعاء قبل السلام (٨٣٢)، ك: الدعوات، ب: التعوذ من المأثم والمغرم (٦٣٦٨)، ك: الدعوات، ب: الاستعاذة من أرذل العمر، ومن فتنة الدنيا، ومن فتنة النار (٦٣٧٥، ٦٣٧٦)، ك: الدعوات، ب: التعوذ بالله من الفقر (٦٣٧٧)، ومسلم ك: المساجد ومواضع الصلاة، ب: ما يستعاذ منه في الصلاة (٥٨٩). من حديث الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين أن النبي -ﷺ- كان يدعو في الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر » الحديث، وفي «صحيح مسلم» ك: المساجد ومواضع الصلاة، ب: ما يستعاذ منه في الصلاة (٥٨٨)، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر … الحديث».
[ ٦٠٥ ]
٢ - وروى أحمد بن إسحاق الحضرمي (^١) قال: [حدثنا] (^٢) وهيب (^٣)
_________________
(١) أحمد بن إسحاق الحضرمي: هو أحمد بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي مولاهم، أبو إسحاق البصري، أخو يعقوب بن إسحاق القارئ، وكان يحفظ حديثه. قال يعقوب بن شيبة وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن سعد: «ثقة»، وقال النسائي: «لا بأس به». زاد محمد بن سعد: مات بالبصرة سنة إحدى عشرة ومائتين. انظر: «التاريخ الكبير» (٢/ ١)، و«الجرح والتعديل» (٢/ ٤٠)، و«تهذيب الكمال» (١/ ٢٦٣).
(٢) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٣) وهيب: هو وهيب بن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم أبو بكر البصري صاحب الكرابيس، قال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: «ليس به بأس»، وقال معاوية بن صالح: … = = قلت ليحيى بن معين: من أثبت شيوخ البصريين قال: وهيب بن خالد مع جماعة سماهم، قال العجلي: «ثقة ثبت»، قال البخاري: حدثني غير واحد قالوا: مات وهيب بن خالد سنة خمس وستين ومائة. انظر: «الثقات» لابن حبان (٧/ ٥٦٠)، و«تهذيب الكمال» (٣١/ ١٦٤)، و«تذكرة الحفاظ» (١/ ٢٣٥).
[ ٦٠٦ ]
قال: حدثنا موسى بن عقبة (^١) قال: حدثتني أم خالد بنت (^٢) خالد بن
_________________
(١) موسى بن عقبة: وهو ابن أبي عياش الإمام الثقة الكبير، أبو محمد القرشي مولاهم، الأسدي المطرقي مولى آل الزبير، ويقال: مولى الصحابية أم خالد بنت خالد الأموية، وكان بصيرًا بالمغازي النبوية، ألفها في مجلد، فكان أول من ألف في ذلك. كان مالك إذا قيل له مغازي من نكتب؟ قال: عليكم بمغازي موسى بن عقبة فإنه ثقة. انظر: «الثقات» لابن حبان (٣/ ٢٤٨)، و«سير أعلام النبلاء» (٦/ ١١٤)، و«تذكرة الحفاظ» (١/ ١٤٨).
(٢) أم خالد: هي أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص: اسمها «أمة» لها صحبة وروت حديثين، وتزوجها الزبير بن العوام فولدت له عمرًا، وخالدًا. قال الذهبي: أظنها آخر الصحابيات وفاة بقيت إلي أيام سهل ابن سعد. انظر: «طبقات ابن سعد» (٨/ ٢٣٤)، و«سير أعلام النبلاء» (٣/ ٤٧٠)، و«الإصابة» (٤/ ٢٣٨، ٤٤٧).
[ ٦٠٧ ]
سعيد بن العاص (^١)، أنها سمعت رسول الله -ﷺ-: «يتعوذ من عذاب القبر» (^٢).
٣ - وروى أنس بن مالك عن النبي -ﷺ- أنه قال: «لولا أن لا تدافنوا لسألت الله ﷿ أن يسمعكم من عذاب القبر [ما أسمعني] (^٣)» (^٤).
_________________
(١) هو: خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، من السابقين الأولين، قيل: كان رابعًا أو خامسًا. عن أم خالد قالت: كان أبي خامسًا، سبقه أبو بكر وعلي وزيد بن حارثة وسعد بن أبي وقاص. كان ممن هاجر إلى أرض الحبشة، وكان له ولدان: سعيد بن خالد، وأمة بنت خالد، ولدا في أرض الحبشة. قدم خالد وأخوه عمرو على النبي -ﷺ- مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، وشهد عمرة القضية وما بعدها. استعمله النبي -ﷺ- على صدقات مذحج، قال ابن إسحاق وخليفة والزبير بن بكار: استشهد خالد يوم مرج الصفر، وكذا قال موسى بن عقبة في رواية، وفي رواية عن موسى بن عقبة أنه استشهد يوم أجنادين. انظر «طبقات ابن سعد» (٤/ ٩٤)، و«الاستيعاب» (١/ ٣٩٩) بهامش الإصابة، و«الإصابة» (١/ ٤٠٦).
(٢) أخرجه: البخاري ك: الجنائز، ب: التعوذ من عذاب القبر (١٣٧٦)، ك: الدعوات، ب: التعوذ من عذاب القبر (٦٣٦٤)، من حديث وهيب، عن موسى بن عقبة، قال: حدثتني ابنة خالد بن سعيد بن العاص، أنها سمعت النبي -ﷺ- «وهو يتعوذ من عذاب القبر».
(٣) ما بين القوسين التصحيح من باقي النسخ وفي النسخة المعتمدة «أ» ما سمعن. وما أثبته أصح.
(٤) أخرجه: مسلم ك: الجنة وصفة نعيمها، وأهلها، ب: عرض مقعد الميت، من الجنة أو النار عليه= = وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه (٢٨٦٨) بدون لفظة "ما أسمعني"، وأخرجه أيضًا (٢٨٦٧) من حديث زيد بن ثابت بنفس لفظ المؤلف إلا أن في لفظه "الذي أسمع منه" بدلًا من لفظة "ما أسمعني".
[ ٦٠٨ ]
٤ - دليل آخر: ومما يبين عذاب الكافرين في القبور قول الله ﷿: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (^١) فجعل عذابهم يوم تقوم الساعة بعد عرضهم على النار [في الدنيا] (^٢) غدوًا وعشيًا، وقال: سنعذبهم مرتين، مرة بالسيف ومرة في قبورهم، ثم يردون إلى عذاب غليظ في الآخرة (^٣). وأخبر الله ﷿ أن الشهداء في الدنيا يرزقون ويفرحون بفضل الله،
_________________
(١) سورة غافر، آية: [٤٦].
(٢) ما بين القوسين زيادة من باقي النسخ.
(٣) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ سورة التوبة آية (١٠١) قال الحافظ: وقوله جل ذكره ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ روى الطبري - وغيره - عن ابن عباس خطب رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان؛ فإنك منافق﴾ فذكر الحديث، وفيه «ففضح الله المنافقين» فهذا العذاب الأول، والعذاب الثاني عذاب القبر، وجاء في روايةً أخرى عن الحسن ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ عذاب الدنيا وعذاب القبر، ثم قال: وقال الطبري: والأغلب أن إحدى المرتين عذاب القبر، والأخرى تحتمل أحد ما تقدم ذكره من الجوع أو السبي أو القتل أو الإذلال أو غير ذلك. انظر الفتح ٣/ ٢٣٣، وجامع التفسير ٢/ ٨٨٤، ومعاني القرآن ٣/ ٢٤٩.
[ ٦٠٩ ]
قال ﷿: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (^١). وهذا لا يكون إلا في الدنيا؛ لأن الذين لم يلحقوا بهم أحياء لم يموتوا ولا قتلوا.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآيتان: [١٦٩ - ١٧٠].
[ ٦١٠ ]